الماركسيون والثورة اللبنانية

0
314

 

بقلم حسن البرازيلي

أعادت ثورة أكتوبر الفكر الماركسي العربي إلى المسرح. لكنها بالطبع، ليست حالة الحزب الشيوعي وغيره من قوى اليسار التي فقدت منظور الصراع الطبقي، وقامت بعد الحرب الأهلية بعقد تحالف دائم مع “حزب الله” تحت ذريعة مقاومة الصهيونية، “حزب الله” هذا، هو نفسه الذي كان أحد أبرز الأطراف المؤيّدة لوجود القوات السورية في لبنان، ومن أبرز القوى العسكرية ضد الثورة السورية، واليوم هو عدو للثورة الحالية في لبنان.

إنها حالة المفكرين الماركسيين العرب الذين لم يتحالفوا مع أي قوى برجوازية، وتضامنوا مع كل من الثورات العربية والمقاومة الفلسطينية طوال حياتهم السياسية.
هناك أحاديث ومقالات كتبها زياد ماجد[1] وجيلبير أشقر[2] وجوزيف ضاهر[3]، طرحوا من خلالها وجهات نظرهم حول الثورة اللبنانية. كانوا منسجمين مع تاريخهم، وتضامنوا جميعاً مع الثورة. ومع ذلك، لم يتم يتطرّقوا لقضيتين في غاية الأهمية في مقالاتهم.

هل هي ثورة؟

لم يستخدم أحد منهم مصطلح “الثورة” في نقاشه الثورة الحالية! وهذا قد لا يكون تفصيلاً بسيطاً.

ثورة أكتوبر 2019 في لبنان هي ليست ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، ففي عام 1917، كانت الطبقة العاملة الصناعية في روسيا هي الطبقة الاجتماعية الرائدة، وتم تشكيل مجالس العمال والفلاحين والجنود، ولعب حزب ثوري -الحزب البلشفي- دوراً مهماً. بينما في لبنان هنالك ثورة “بلا قيادة”، إذ لا توجد منظمة وطنية راسخة تتولى القيادة. بهذا المعنى، فإن الثورة اللبنانية تشبه إلى حد ما ثورة شباط/ فبراير 1917 في روسيا عندما لم تكن هناك مجالس أو حزب ثوري يلعب دوراً حاسماً.
كتب الثوري الروسي ليون تروتسكي في مقدمة كتابه “تاريخ الثورة الروسية” عن فهمه للثورة:

” إن العلامة المميزة للثورة، هي مدى المشاركة المباشرة في الأحداث التاريخية. وسواء كانت الدولة ملكية أم ديمقراطية فإنها تسيطر عادة على الأمة، ويصنع التاريخ أولئك الذين امتهنوا هذه المهنة: كالملوك، والوزراء، والبيروقراطيين، والنواب، والصحفيين. وفي المنعطفات الحاسمة، وعندما يصبح النظام القديم غير محتمل من قبل الجماهير، تحطم هذه الجماهير الحواجز التي تفصلها عن المسرح السياسي، وتقلب ممثليها التقليديين، وتخلق بذلك وضع انطلاق لنظام جديد. وعلى الأخلاقيين أن يحكموا فيما إذا كان ذلك حسناً أو سيئاً. أما نحن فإننا نتناول الأحداث كما هي، ووفق تطورها الموضوعي. وتاريخ الثورة بالنسبة لنا هو قبل كل شيء تدخُّل عنيف تقوم به الجماهير في المجال الذي تتقرر فيه مصائرها[4]“.
منذ 17 تشرين الأول (أكتوبر)، دخلت الجماهير اللبنانية “مدخلا قسرياً من أجل تقرير مصيرها” وفقاً لتعريف ليون تروتسكي.

هذا التعريف أمر بالغ الأهمية لإجراء تقييم مناسب للديناميات المتفاعلة أمامنا. لكن هذا لا يعني أن ليون تروتسكي يقلل من الحاجة إلى حزب ثوري.

في كتابه “نظرية الثورة الدائمة”، كتب:

” 4– مهما تكن طبيعة المراحل الأولى من الثورة في كل بلد بمفرده، فإن تحقيق التحالف الثوري بين البروليتاريا والفلاحين لا يمكن ان يتم إلاّ تحت القيادة السياسية الطبيعية للبروليتاريا المنظمة في الحزب الشيوعي. وهذا يعني أنه لا يمكن أن نتبيّن انتصار الثورة الديموقراطية إلاّ من خلال قيام دكتاتورية البروليتاريا التي تركز على التحالف مع الفلاحين، والتي تُنفّذ في البدء مهام الثورة الديموقراطية[5]“.
على العكس من ذلك، اعتقد ليون تروتسكي أن وجود حزب ثوري كان شرطاً لانتصار الثورة.

 الحزب الثوري

لم يأت زياد ماجد ولا جوزيف ضاهر على ذكر “الحزب الثوري”، فيما لم يعتبره جلبير أشقر ضرورياً في المرحلة الحالية، كما في النص التالي:

“حراكات بلا قيادة، جيدة في مرحلة مبكرة من الانتفاضة، لكن المضي قدماً، يستوجب تنظيم الحراك بشكل ما. هناك حاجة إلى القيادة – ليس بمعنى بعض القادة الكاريزميين أو “حزب طليعي” – ولكن بمعنى شبكة من المنظمات الشعبية التي يمكنها تنسيق وتوجيه الحراك نحو تحقيق تطلعاته. من هذه الزاوية، لا يُتوقع حدوث أي تغيير جذري في لبنان قريباً. أفضل ما يمكن أن يتأمله المرء في هذه المرحلة من الانتفاضة الجماهيرية الأولى في جميع أنحاء البلاد، هو أن تؤسّس لتشكيل هياكل تنظيمية قادرة على لعب دور قيادي في موجة مستقبلية من النضال الشعبي بأهداف واضحة وجذرية[6]“.

في قسم آخر من مقابلته، تحدث جيلبير أشقر عن نوع المنظمة الوطنية التي يفكر فيها:
“في السودان، على النقيض من ذلك، فإن القوة الدافعة للحراك هي تجمّع المهنيين السودانيين (SPA) الذي تم تشكيله في عام 2016 كشبكة سرية مكونة من اتحادات المعلمين والصحفيين والأطباء والمحامين ومهن أخرى. كان سبباً حاسما في وضع الأساس لما آلت إليه الانتفاضة الشعبية. ثم شكّلوا ائتلافاً للقوى يضم، إلى جانب جمعياتهم، جمعيات نسوية، وبعض الأحزاب السياسية، وبعض الجماعات المسلحة التي تخوض نضالات إثنية ضد النظام. أصبح هذا التحالف القيادة المعترف بها للانتفاضة، فلم يبق أمام الجيش من خيارات سوى التفاوض معهم[7]“.
بالطبع، تلعب المنظمات الوطنية دائماً أدوراً حاسمة، ولا بد لأي ثوري حقيقي أن يقف إلى جانب ذلك. ولكن، ماذا عن “الحزب الطليعي” الثوري؟
في حالة السودان، هناك حزب شيوعي يمثل قوة رائدة داخل تجمّع المهنيين السودانيين (SPA). وسواء كان هذا الحزب ثورياً أو إصلاحياً، فهو ليس السؤال الذي يجب طرحه هنا. لكن السؤال هو ما إذا كان وجود “الحزب الطليعي” ضروري أم لا؟.

بالإضافة إلى رأي ليون تروتسكي حول الحاجة إلى حزب ثوري، يمكن الرجوع إلى اثنين من المفكرين الماركسيين.

في كتابه “أسئلة حول تنظيم الحزب الثوري”، كتب المفكر الماركسي الأرجنتيني “ناهويل مورينو” عن الحاجة الماسة لكل من الحزب الثوري والطليعة الثورية لأن مثل هذا الحزب لن يتم إنشاؤه تلقائياً:

” مسألة تنظيم الحزب في المقابل رهن أيدينا. الجماهير يمكنها فعل المعجزات وإبداء بطولة رائعة وصياغة تنظيمات ثورية للاستيلاء على السلطة. إذا لم نقم بوضع إطارنا التنظيمي بشكل مناسب بهذه الطريقة التي تتيح لنا بناء عضوية عامة لهذه النضالات والمنظمات- ودون أن نكون قادرين على التنظيم والبناء بدعم منيع لسياساتنا وبرنامجنا بين الجماهير فإننا سنفشل بل وستفشل الثورة[8]“.
منى خنيصر ساهمت أيضاً في النقاش الدائر حول الثورة. في مقالتها “حركة الاحتجاجات في لبنان انطلقت للتو[9]“، قامت خنيصر بتطوير نقد جذري للحركات “الأفقية” والتي “بلا قيادة” ودافعت عن وجود “منظمة دائمة” و “أجندة سياسية” متماسكة وشاملة يمكنها أن تقلب الوضع الحالي بشكل جذري.
هل من الممكن تحقيق ذلك دون وجود” حزب طليعي “؟ كتبت منى خنيصر:
“سيتعين على الحراك في لبنان، مثل أي مكان آخر، بناء منظمات دائمة وصياغة استراتيجيات مشتركة يمكنها تسخير القوة المتميّزة للشوارع لتحقيق إصلاحات جذرية ملموسة[10]“.
وفي مقطع آخر تقول خنيصر:
“ما نحتاج إليه ليس الخبرات التقنية -الكنوقراط- (في الواقع، كان الخبراء الفنيون حاضرين في الحكومات السابقة)، بل أجندة سياسية متماسكة وشاملة يمكنها أن تقلب الوضع الحالي بشكل جذري – أجندة سياسية واقتصادية جوهرية تتجاوز المناقشات حول الفساد باعتباره ممارسات فردية ويهاجم التفاوتات الهيكلية العميقة التي تكمن في النموذج الاقتصادي الليبرالي الجديد ونظام المحاصصة السياسية[11]“.

للحزب الطليعي الثوري الحقيقي دور فعال في أوقات السلام. في أوقات الثورة يصبح من الأهمية بمكان النضال من أجل السلطة العمالية على أساس المجالس الديمقراطية.
كتب فلاديمير لينين، زعيم ثورة اكتوبرية أخرى، عام 1917، أن ” “كل شيء وهمي، باستثناء السلطة”.
لقد كان يعني، أن أي مكاسب يمكن انتزاعها من البرجوازية تكون في خطر طالما أن البرجوازية في السلطة.
من الضروري إسقاط السلطة البرجوازية، وإحلال سلطة العمال والفقراء مكانها. هذه هي الثورة الاشتراكية[12].
هناك ثورات جارية في العديد من البلدان: لبنان والعراق والجزائر والسودان وهونج كونج وتشيلي وكولومبيا وكاتالونيا وربما تقوم غيرها. التحدي الذي يواجه الماركسيين الآن، هو بناء أحزاب طليعية ثورية.
ينبغي دعم جميع الجهود في هذا الاتجاه بكل إخلاص.

[1] https://www.alquds.co.uk/%d8%b9%d9%86-%d8%a8%d8%b9%d8%b6-%d9%85%d8%a7-%d9%8a%d9%88%d8%a7%d8%ac%d9%87-%d8%a7%d9%84%d8%a7%d9%86%d8%aa%d9%81%d8%a7%d8%b6%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b9%d8%a8%d9%8a%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%a8/

[2] https://roarmag.org/essays/arab-spring-achcar-interview/

[3] https://jacobinmag.com/2019/10/lebanon-protest-movement-inequality-austerity

[4] https://www.litci.org/arab/archives/924

[5] https://www.marxists.org/arabic/archive/trotsky/1930-pr/ch09.htm

[6] https://roarmag.org/essays/arab-spring-achcar-interview/

[7] نفس المرجع

[8] https://www.litci.org/arab/archives/1958

[9] https://www.jacobinmag.com/2019/11/lebanon-protest-movement-saad-hariri-arab-spring

[10] نفس المرجع

[11] نفس المرجع

[12] https://www.litci.org/arab/archives/1982

ترجمة فيكتوريوس بيان شمس