هل ستتوقف الاحتجاجات الجماهيرية في ايران؟

0
384

الإحتجاجات الشعبية التي انطلقت في 15 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 ضد ارتفاع أسعار الوقود هي بالفعل أكبر الاحتجاجات الشعبية منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979.

بقلم حسن البرازيلي

تعترف السلطات الإيرانية نفسها بارتفاع نسبة الأضرار:

“قدّر وزير الداخلية عبد الرحيم رحماني فضلي، أن حوالي 200،000 شخص شاركوا في المظاهرات، أي أعلى من الادعاءات السابقة. كما أشار إلى أن المتظاهرين ألحقوا أضراراً بأكثر من 50 مركزاً للشرطة ، فضلاً عن 34 سيارة إسعاف و 731 مصرفاً و 70 محطة وقود في البلاد”[1].
ما لا يعترفون به هو عدد المتظاهرين الذين قُتلوا أو أصيبوا أو اعتقلوا أو المذابح في مدينتين على الأقل: “ماهشهر” في مقاطعة خوزستان و”شهريار” بالقرب من طهران.
“إن أسوأ أعمال عنف تم توثيقها حتى الآن حدثت في مدينة ماهشهر وضواحيها، حيث يبلغ عدد سكانها 120 ألف شخص في مقاطعة خوزستان جنوب غرب إيران، وهي منطقة ذات أغلبية عربية، لها تاريخ طويل مع الاضطرابات والإحتجاج ضد الحكومة المركزية. تقع مدينة ماهشهر بجوار أكبر مجمع صناعي للبتروكيماويات في البلاد والذي يعتبر المدخل والميناء الرئيسي لمدينة بندر إمام.
في العديد من الأماكن، ردت قوات الأمن بإطلاق النار على المتظاهرين العزّل، ومعظمهم من الشباب العاطلين عن العمل أو ذوي الدخل المنخفض الذين تتراوح أعمارهم بين 19 و 26 عاماً وفقاً لشهادات شهود العيان ومقاطع الفيديو. وفي مدينة ماهشهر جنوب غرب البلاد، قال شهود وعاملون في المجال الطبي، إن أعضاء فيلق الحرس الثوري الإسلامي حاصروا وأطلقوا النار على ما بين 40 إلى 100 متظاهر -معظمهم من الشباب غير المسلحين- في مستنقع لجأوا إليه للإختباء.
على مدى ثلاثة أيام، وفقاً للسكان، نجح المحتجون في السيطرة على معظم ماهشهر وضواحيها، وهو ما أدّى إلى إغلاق الطريق الرئيسي المؤدي إلى المدينة ومجمع البتروكيماويات الصناعي المجاور. في مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، أكد وزير الداخلية الإيراني أن المحتجين سيطروا على مدينة ماهشهر وطرقها. لكن الحكومة الإيرانية لم ترد على أسئلة محددة في الأيام الأخيرة حول عمليات القتل الجماعي في المدينة[2]“.
تحدّثت منظمة العفو الدولية “أمنيستي” عن المجزرة في شهريار، واستنادا إلى تقارير موثوقة تلقتها المنظمة، قالت أن “عدد الأشخاص الذين يُعتقد أنهم قُتلوا خلال المظاهرات التي اندلعت في إيران منذ 15 نوفمبر/ تشرين الثاني ارتفع إلى 208 أشخاص على الأقل. من المرجح أن يكون الرقم الحقيقي أعلى من ذلك. تم تسجيل العشرات من القتلى في مدينة شهريار في محافظة طهران، وهي واحدة من المدن التي لديها العدد الأكبر من القتلى[3]“.
نشرت الناشطة الإيرانية فريدا عفاري على صفحتها في موقع “فيسبوك” في 3 كانون الأول/ ديسمبر 2019 ما يلي:

“وفقًا للنشطاء على الأرض، قُتل أكثر من 800 شخص على أيدي قوات النظام خلال الاحتجاجات الجماهيرية التي بدأت في 15 تشرين الثاني/ نوفمبر”.
وفقا لأسوشيتد برس:
“قال أحد المشرعين الإيرانيين أنه يعتقد بأن أعداد المعتقلين تجاوزت 7000 شخص”.
اتساع رقعة الاحتجاجات، وتكوّن طبقة عاملة إلى جانب الفئات الشعبية المهمّشة، والقمع الوحشي يذكّر بالثورة الإيرانية عام [4]1979.

“نزل الملايين إلى الشوارع في الثورة الإيرانية (1979)، وهو ما لم نشهده في الاحتجاجات الأخيرة. ومع ذلك، ووجهت هذه المظاهرات بالعنف في غضون يوم واحد، مما يدل على الخطر الذي يلوح في الأفق بالنسبة للحكومة الإيرانية، حيث من المرجح أن تواجه المزيد من الخيارات الصعبة. من غير المرجح رفع العقوبات لأن الحكومة، وفي مخالفة للإتفاق النووي بدأت بتشغيل أجهزة الطرد المركزي وتخصيب اليورانيوم.

حذر القائد العام للحرس الثوري الإيراني الجنرال علي فدوي قائلاً: أعمال الشغب هذه ليست الأخيرة، وبالتأكيد ستتكرّر في المستقبل”[5].
كما ذكّر المنشق مير حسين موسوي بثورة العام 1979:
“إنها دليل على شعور الناس بالإحباط من سوء الأحوال في البلاد. ويشبّه موسوي في بيانه الذي نشره موقع “Kaleme” المقرّب منه، أنه يشبه تماماً القتل الوحشي للأشخاص في اليوم الدموي الأسود في 8 أيلول/ سبتمبر 1978. “كان القَتَلة عام 1978 ممثلين لنظام غير ديني، لكن العملاء والقناصة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2019 كانوا يمثّلون حكومة دينية[6]“.
على عكس ما حدث في ثورة 1979 و “الثورة الخضراء” لعام 2009، تضاعفت أعداد القتلى في أيام قليلة.

خلال موجة الاحتجاجات لعام 2009 التي أطلق عليها “الثورة الخضراء”، قُتل 72 محتجاً على مدار عشرة أشهر، بينما شهدت ثورة 1979 مقتل 2781 شخصاً على مدار 15 شهراً:

“قامت مؤسسة شهيد الإيرانية في وقت لاحق بإجراء دراسة – لكنها لم تنشر- عن أولئك الذين قتلوا خلال مجمل الحركة الثورية، ابتداءً من حزيران/ يونيو 1963. ووفقاً لهذه الأرقام، قُتل 2781 متظاهراً في الأشهر الأربعة عشر من تشرين الأول/ أكتوبر 1977 إلى شباط/ فبراير 1979 كان معظم الضحايا في العاصمة، خاصة في أحياء الطبقة العاملة الجنوبية في طهران”[7].

ايران إلى أين؟

بالطبع، من الصعب التكهن بما إذا كانت الاحتجاجات الجماهيرية ستتحول إلى ثورة واسعة النطاق يمكنها إسقاط نظام ولاية الفقيه وتمهيد الطريق لسلطة العمال في ايران اشتراكية قائمة على مجالس العمال الديمقراطية.
بعض العقبات التي تلعب دوراً في إضعاف سلطة النظام: الركود العالمي الذي يلوح في الأفق، والعقوبات الاقتصادية الأمريكية الوحشية، والثورات المستمرة في جميع أنحاء العالم بشكل رئيسي في العراق ولبنان حيث تتعرض هيبة النظام الإيراني للخطر.
على الجانب الآخر، يستفيد النظام من غياب منظمات العمال الشعبية الوطنية مثل الاتحادات العمالية أو المجالس الشعبية، والتي قد توحّد الاحتجاجات في الشوارع، وتنظّم الإضرابات العمالية كما حدث في ثورة 1979، وتواجه القمع الوحشي، وتتحوّل إلى مراكز ديمقراطية للمستغَلين والمضطهَدين.
الغائب الأبرز هو الحزب الثوري. هناك نشطاء داخل إيران وخارجها لديهم القدرة على بناء مثل هذه المنظمة التي يمكنها الحسم في أي لحظة، سواء كان ذلك لفرض شروط الطبقة العاملة، أو لبناء التضامن مع الاحتجاجات والمعتقلين السياسيين، حيث في اللحظات الأكثر ثورية، من الضرورة بمكان وجود حزب يمنع اختطاف الثورة أو خيانتها.
على أي حال، فإن ما يلفت الانتباه هو القمع المفاجئ دون رحمة، وهو ما يدل على فهم النظام ومعرفته، بأن لا عودة إلى الوراء، وأن احتجاجات العمال وباقي شرائح المجتمع لن تتوقف بعد الآن.

 

[1] https://www.aljazeera.com/news/2019/11/iran-cia-links-arrested-inciting-deadly-protests-191127170333511.html

[2] https://www.nytimes.com/2019/12/01/world/middleeast/iran-protests-deaths.html

[3] https://www.amnesty.org/en/latest/news/2019/12/iran-death-toll-from-bloody-crackdown-on-protests-rises-to-208/

[4] https://apnews.com/7a4dec6db2ab451bbb6c6cab4b524a79

[5] https://apnews.com/7a4dec6db2ab451bbb6c6cab4b524a79

[6] https://apnews.com/38c1c25858e34cd6b38c2e093158f88f

[7] Abrahamian, Ervand, The History of Modern Iran, 2nd edition, 2018, Cambridge University Press, pages 165-166

ترجمة فيكتوريوس بيان شمس