تاريخ الثورة الروسية: انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) ج 2

0
245

ولم تعط المحاولات التي تمت لقيادة الانتفاضة مباشرة بواسطة الحزب أية نتيجة في أي مكان. وقد احتفظنا بشهادة هامة إلى أقصى الدرجات حول تحضير الانتفاضة في كينيشما. وهي مركز مهم من مراكز صناعة النسيج. فعندما وضعت الانتفاضة في منطقة موسكو على جدول الأعمال، انتخبت لجنة الحزب في كينيشما مجلسًا خاصًا مؤلفًا من ثلاثة أعضاء لإحصاء القوات العسكرية، والوسائل وتحضير الانتفاضة المسلحة. وقد سمي هذا المجلس لسبب نجهله مجلس المديرين، وقد كتب أحد أعضاء هذا المجلس قائلاً: “ينبغي القول مع كل هذا أن الأعضاء المنتخبين الثلاثة لم يقوموا بعمل كبير على ما يبدو. فقد سارت الأحداث في مجرى مختلف بعض الشيء… ولقد استغرقنا إضراب المنطقة تمامًا، وفي ساعة الأحداث الحاسمة، نقل مركز التنظيم إلى لجنة الإضراب إلى السوفييت…”. وتكررت حركة المناطق على نطاق أضيق مما حدث في بتروغراد.

ولقد استثار الحزب مجلس السوفييت، واستثار السوفييت العمال، والجنود وجزء من الفلاحين. وما كنا نربحه في صميم الجماهير، كنا نخسر مقابله عامل السرعة. فلو تمثلنا جهاز نقل الحركة هذا بشكل جهاز تحريك يعمل بدواليب مسننة -وهي مقارنة لجأ إليها لينين في ظرف آخر وفي حين آخر- لأمكن القول: إن محاولة متسرعة لتعشيق أسنان دولاب الحزب الصغير مباشرة بأسنان دولاب الجماهير العملاق يعرض أسنان دولاب الحزب لخطر التهشم، ولا يمكنه من تحريك جماهير واسعة.

ولا يقل عن هذا التشبيه صحة قولنا: إن هناك خطرًا مقابلاً يترتب من إفلات وضع ملائم تخوفًا من احتكاك في داخل النظام السوفييتي ذاته. وأن أفضل الأوقات ملاءمة للانتفاضة من الناحية النظرية يتحدد في لحظة زمنية معينة. وليست القضية هي في تسقط هذه اللحظة المثالية من الناحية العملية. فبوسع الانتفاضة أن تندفع بنجاح في منحنى صاعد، متقربة من أقصى قمة مثالية. وبوسعها أيضًا أن تندفع في منحنى نازل إذا لم يتحول ميزان القوى تحولاً جذريًّا، وبدلاً من توقع “لحظة” يمكن أن ينتج مجال زمني يمكن قياسه بأسابيع أو بأشهر أحيانًا. وكان بوسع البلاشفة الوصول إلى السلطة في بتروغراد اعتبارًا من مطلع يوليو (تموز). إلا أنه لم يكن بوسعهم الاحتفاظ بها في هذه الحالة. واعتبارًا من منتصف سبتمبر (أيلول) لم يكن بوسع البلاشفة أن يأملوا بالاستيلاء على السلطة فحسب، بل كان بوسعهم الاحتفاظ بها أيضًا. ولو أن البلاشفة تأخروا بالانتفاضة في نهاية أكتوبر (تشرين الأول)، لكان من المحتمل أن يكون مقدورهم لوقت ما أن يربحوا من جديد أرضًا ضائعة، ولكن ذلك لا يرقى إلى مرتبة اليقين. وبوسعنا أن نسلم بتحفظ أن الأمائر السياسية للانتفاضة كانت موجودة باستمرار خلال ثلاثة أشهر أو أربعة، من سبتمبر (أيلول) إلى ديسمبر (كانون الأول). وعلى سبيل المثال، فقد كانت هذه الأمائر ناضجة لم تسقط عن شجرتها بعد. وفي هذه الحدود التي نستطيع معها أن نقرر الأشياء بعد حدوثها أكثر مما نستطيع التقرير فيها أثناء العمل ذاته، كان لدى الحزب حرية انتقاء تشتمل على خلافات لا يمكن تجنبها، وهي أحيانًا على درجة من الخطورة ذات طابع عملي واقعي.

وقد اقترح لينين إطلاق الانتفاضة منذ أيام انعقاد المؤتمر الديموقراطي. وفي نهاية سبتمبر (أيلول) كان يعتبر كل تلكؤ لا يؤدي إلى المخاطر فحسب، بل إنه هو الخطر نفسه. وقد كتب لينين في مطلع أكتوبر (تشرين الأول) قائلاً: “إن انتظار مؤتمر السوفييتات لهو عبث صبياني مشين. إنه يعني خيانة الثورة للمحافظة على الشكليات”. ومن المريب مع كل هذا أن يجر أحد زعماء البلاشفة باعتبارات شكلية بحتة إلى درك هذه المسألة. وعندما طالب زينوفييف مثلاً بعقد مؤتمر تحضيري تحضره المجموعة البلشفية في السوفييتات، لم يكن يتحرى الالتزام بالشكليات، بل كان يعتمد فقط على الدعم السياسي لمندوبي المناطق ضد اللجنة المركزية. ولكن واقع الأمر هو أن ارتباط الحزب بالسوفييت، الذي يرتبط بدوره بمؤتمر السوفييتات يشكل في مسألة تاريخ الانتفاضة عنصر عدم الدقة الذي كان يثير مخاوف لينين بحق وإلى حد كبير.

وترتبط مسألة معرفة متى تطلق الدعوة للانتفاضة ارتباطًا وثيقًا بمسألة معرفة من الذي سيطلقها. وكانت مزايا الدعوة إلى الانتفاضة باسم السوفييت واضحة كل الوضوح بالنسبة للينين، ولكنه كان يرى قبل كل شيء الصعوبات التي ستعترض هذا السبيل. ولا يستطيع أن يتجنب المخاوف، وخاصة عن بعد، من أن تكون العناصر المعترضة من بين زعماء السوفييت، أقوى بكثير في داخل مجلس السوفييت منها في داخل اللجنة المركزية التي يعتبر سياستها سياسة غير حازمة. وحول مسألة من سيبدأ الانتفاضة، السوفييت أم الحزب، كان لدى لينين حلول بديلة، ولكنه اتجه في الأسابيع الأولى بحزم إلى ضرورة قيام الحزب بمبادرة مستقلة. ولم يكن في اتجاهه هذا أي ظل لمعارضة المبادئ؛ فقد كان الهدف هو معالجة مسألة الانتفاضة استنادًا إلى القاعدة الوحيدة نفسها، وفي ظروف متماثلة، وفي التصور الوحيد نفسه، ولكن طرق مواجهة المسألة كانت مع كل هذا مختلفة.

وكان اقتراح لينين بتطويق مسرح الكسندرا واعتقال أعضاء المؤتمر الديمقراطي ناجمًا من أنه لا ينبغي أن يكون السوفييت على رأس الانتفاضة، ولا بُدَّ من أن يكون على رأسها الحزب الذي سيدعو المصانع والثكنات مباشرة، ولا يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك، وكان من غير المتصور إلى حد كبير جعل السوفييت يتبنى مثل هذه الخطة. وكان لينين يعي تمام الوعي أن تصميمه سيصادف بعض العقبات حتى وسط قيادات الحزب. وأوصى المجموعة البلشفية في المؤتمر مسبقًا “بعدم اللهاث خلف الأكثرية العددية” فإذا عملنا بحزم في القمة يكون العدد مضمونًا في القاعدة. واتسمت خطة لينين الجريئة بمزايا مؤكدة في سرعتها ومواجهتها لكل ما هو غير متوقع. ولكنه كان يكشف الحزب كثيرًا، ويخاطر في بعض الحدود بمواجهته للجماهير. حتى أنه كان بوسع سوفييت بتروغراد، الذي أخذ بالانتفاضة على حين غرة، أن يخسر أكثريته البلشفية لدى أول إخفاق. وهي أكثرية ما زالت ضعيفة.

واقترح قرار 10 أكتوبر (تشرين الأول) على التنظيمات المحلية للحزب حل كل المسائل عمليًّا من وجهة نظر الانتفاضة. أما فيما يتعلق بالسوفييتات كأجهزة للانتفاضة، فلا يتعرض لها قرار اللجنة المركزية. وقال لينين في مؤتمر 16: “تبرهن الوقائع على أننا نملك التفوق على الخصم فلماذا لا تستطيع اللجنة المركزية أن تبدأ؟” ولم يكن لهذه المسألة بين شفتي لينين أي طابع للتصنع. كان لينين يعني: لماذا نضيع الوقت، وقد ألفنا الجهاز المعقد للسوفييت إذا كانت اللجنة المركزية تستطيع أن تعطي الإشارة فورًا؟ ومع ذلك انتهى القرار الذي اقترحه لينين في هذه المرة بالتعبير “عن ثقته بأن تحدد اللجنة المركزية والسوفييت في الوقت المطلوب اللحظة الملائمة ووسائل العمل المعقولة”. وكانت الإشارة إلى السوفييت، إلى جانب الحزب، والصيغة الأكثر مرونة حول موضوع تاريخ الانتفاضة ناجمة عن مقاومة الجماهير التي أحس لينين بها عن طريق زعماء الحزب.

وفي اليوم التالي لخص لينين في محاورة تمت مع زينوفييف وكامنييف النقاش الذي دار بالأمس: “كان الجميع متفقين على النقطة التالية؛ وهي أن العمال سيزحفون كرجل واحد عند دعوة السوفييتات وللدفاع عنها”. وكان الكلام يعني أنه إذا لم يكن الجميع متفقين على الرأي معه، أي مع لينين، حول إمكانية إطلاق الدعوة باسم الحزب، فالجميع متفقون على أنه ربما تطلق الدعوة باسم السوفييتات.

وكتب لينين في مساء 24 قائلاً: “من ينبغي أن يتسلم السلطة؟ إن هذا لا أهمية له في الوقت الحاضر”: فلتستلم السلطة اللجنة العسكرية الثورية أو “أية مؤسسة أخرى” تعلن أنها ستعيد السلطة إلى ممثلي مصالح الشعب الحقيقيين فقط… “وأن تعبير” “المؤسسة الأخرى” الذي يتألف من كلمات موضوعة بين قوسين محاطين بالألغاز تشير في لغة تآمر إلى اللجنة المركزية للبلاشفة. وقد جدد لينين هنا اقتراحه الذي قدمه في سبتمبر (أيلول): العمل مباشرة باسم اللجنة المركزية في الحالة التي تمنع فيها الشرعية السوفييتية اللجنة العسكرية الثورية من وضع المؤتمر أمام الأمر الواقع للانتفاضة.

وفضلاً عن أن كل هذا الصراع حول مدد وطرق الانتفاضة قد استمر عدة أسابيع، لم ينتبه كل من شاركوا فيه إلى دلالته وأهميته. وقد كتب ستالين في عام 1924 قائلاً: “اقترح لينين استلام السلطة من قبل السوفييتات، سوفييت لينينغراد أو موسكو، لا من وراء ظهر السوفييتات. فلماذا احتاج تروتسكي إلى هذه الأسطورة المغرقة في غرابتها عن لينين؟” وأضاف قائلاً: “إن الحزب يعرف لينين بصفته أعظم ماركسي في زمننا… بعيدا عن كل ظل للبلانكية”. في حين كان تروتسكي يمثل “قزمًا بلانكيًّا… لا لينين العملاق”. وهو لا يتهم تروتسكي بالبلانكية فحسب، بل يتهمه بأنه قزم أيضًا. وفي الحقيقة، لم تتقرر مسبقًا من أي مذهب من المذاهب مسألة معروفة باسم من ستتم الانتفاضة ولأية مؤسسة ستسلم السلطة. وتبدو الانتفاضة أمام الشروط العامة لأي عصيان كمسألة فنٍ عملي يمكن حلها بوسائل مختلفة. وفي هذا الجزء، كانت الخلافات في اللجنة المركزية مماثلة لمناقشات ضباط هيئة الأركان العامة، المدربين على العقيدة العسكرية الواحدة ذاتها، ويضعون أحكامًا مماثلة للوضع الإستراتيجي بمجمله، ولكنهم يقترحون للمعضلة القادمة حلولاً تبادلية هامة في الحقيقة استثنائيًّا، ولكنها جزئية مع ذلك. والزج بالماركسية والبلانكية في هذه المسألة يعني عدم فهم هذه أو تلك.

وأنكر الأستاذ بوكروفسكي معنى الإحراج الثنائي (الدايلما) أيضًا: السوفييت أم الحزب؟ وقد صرح هازئًا، أن الجنود لا يتمسكون بالشكليات أبدًا؛ أنهم لم يكونوا بحاجة إلى مؤتمر السوفييتات لكي يقبلوا كرنسكي. ومهما تكن طرافة طرح المسألة بهذا الشكل، فإنها تترك نقطة غير واضحة: فلماذا إذن ننشئ السوفييتات إذا كان الحزب وحده يكفي؟ وتابع الأستاذ قائلاً: “من الغريب أنه في كل هذا الجهد المبذول لعمل كل شيء بصورة شرعية، لم ينتج أي شيء شرعي من وجهة النظر السوفييتية، ولم يستلم السوفييت السلطة في اللحظة الأخيرة بل استلمها حزب واضح بأنه (غير شرعي) ومشكل لهذا الغرض”. وزعم بوكروفسكي بأن تروتسكي اضطر إلى إعلان قلب حكومة كرنسكي “باسم اللجنة العسكرية الثورية” لا باسم مجلس السوفييت. حقًا إنه لمبرر غير متوقع أبدًا! كانت اللجنة العسكرية الثورية جهازًا منتخبًا من قبل السوفييت، ولا يتعارض الدور القيادي للجنة في الانتفاضة بأية حال من الأحوال مع الشرعية السوفييتية التي يتهكم الأستاذ عليها، والتي كانت الجماهير مع ذلك تنظر إليها بكثير من الغيرة والحرص. وقد شكل مجلس مفوضي الشعب أيضًا لهذا الغرض، الأمر الذي لم يمنعه من أن يكون وأن يبقى جهاز السلطة السوفييتية، وأن يبقى فيه بوكروفسكي ذاته، كمعاون لمفوض الشعب للتعليم العام.

لقد تمكنت الانتفاضة من الاستمرار على أرضية الشرعية السوفييتية وفي إطارات تقاليد ازدواجية السلطات، إلى حد كبير، بفضل ولاء حامية بتروغراد خاصة ولاءً تامًا للسوفييت ابتداءً من تاريخ ما قبل الانتفاضة. وقد اعتبر هذا الواقع في كثير من المذكرات والمقالات التي كتبت بمناسبة الذكرى السنوية للانتفاضة، وفي المحاولات التاريخية الأولى لكتابة تاريخ الانتفاضة، اعتبر هذا الواقع الذي أكدته كثير من الوثائق واقعًا لا جدال فيه. وقد ذكر أول كتيب عن ثورة أكتوبر (تشرين الأول) كتبه مؤلف هذا الكتاب في أوقات الفراغ بين جلسات محادثات بريست – ليتوفسك، استنادًا إلى ذكريات حديثة، وهو كتيب اعتبره الحزب خلال سنوات كتابًا من كتب تاريخ الثورة: “وتطور النزاع في بتروغراد حول مسألة مصير الحامية”. وصرح سادوفسكي، وهو أحد الأعضاء المنظمين المباشرين للانتفاضة، بوضوح أكبر: “إن المسألة الأساسية التي شيدت حولها ونظمت كل الحركة في أكتوبر (تشرين الأول) هي مسألة تحريك أفواج الحامية إلى الجبهة الشمالية…” ولم تخطر على بال أحد من زعماء الانتفاضة المباشرين الذين شاركوا في النقاش المشترك الذي يستهدف مباشرة إعادة تاريخ الأحداث، لم تخطر على بال أحد منهم فكرة معارضة سادوفسكي في قوله هذا أو تصحيحه. وقد اكتشفنا فجأة فقط منذ عام 1924 أن تروتسكي يبالغ في أهمية الحامية الفلاحية على حساب أهمية عمال بتروغراد: اكتشاف علمي يتوج الاتهام بتقليل أهمية الطبقة الفلاحية على وجه لا يمكن أن يكون هناك أفضل منه.

وقد فسر لنا عشرات من المؤرخين الشباب وعلى رأسهم الأستاذ بوكروفسكي في هذه السنوات الأخيرة أهمية البروليتاريا في الثورة البروليتارية، وكانوا ساخطين عندما رأوا أننا لم نتحدث أبدًا عن العمال في السطور التي تحدثنا فيها عن الجنود، وأقنعونا بأنهم حللوا السير الحقيقي للأحداث بدلاً من أن يكرروا الدرس كتلميذ من التلامذة. ولخص بوكروفسكي نتائج هذا النقد بالاستنتاج التالي: “فضلاً عن أن تروتسكي يعرف تمامًا بأن العمل المسلح قد تقرر من قبل الحزب… ومع أننا نجد كل حجة للعمل بأنها ذات أهمية ثانوية بالطبع، رغم كل هذا نجد حامية بتروغراد بالنسبة إليه في مركز الاهتمام -وكما لو أنه لم يكن من الممكن التفكير بالانتفاضة لولا حامية بتروغراد”. والمهم فقط بالنسبة لمؤرخنا هو “قرار الحزب” فقط حول الانتفاضة. ولكن كيف حدثت الانتفاضة بالفعل، إن حدوثها “مسألة ثانوية”، وبوسعه أن يجد مبرر حدوثها دومًا. ويسمى بوكروفسكي “المبرر” وسيلة كسب الجند، أي بالضبط حل المسألة التي يتلخص فيها مصير كل الانتفاضة. وأن الثورة البروليتارية ستحدث من دون شك، حتى ولو لم يكن هناك نزاع حول موضوع إجلاء الحامية عن العاصمة. وكان الأستاذ على حق في هذه النقطة. ولكنها ستكون عندئذ انتفاضة أخرى، وستتطلب عرضًا تاريخيًّا مختلفًا. إلا أن أمامنا الأحداث التي وقعت في الحقيقة.

وألح مالاخوفسكي -وهو أحد المنظمين الذي أصبح فيما بعد مؤرخ الحرس الأحمر- ألح من جهته على النقطة التالية، وهي أن العمال المسلحين، المتميزين عن الحامية نصف السلبية هم الذين أظهروا المبادرة والتصميم والمقاومة في الانتفاضة. فقد كتب مالاخوفسكي يقول: “احتلت مفارز الحرس الأحمر خلال انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) المؤسسات الحكومية، ومركز البريد والبرق، وكانت في الطليعة ساعة القتال… إلخ”، كل هذا لا يقبل النقاش. ومع ذلك ليس من الصعب أن نفهم أنه إذا تمكن الحرس الأحمر بكل بساطة من “احتلال” المؤسسات، فقد تم ذلك لأن الحامية كانت متفقة معه، وتدعمه، أو لا تعارضه على الأقل. وهذا هو الذي قرر مصير الانتفاضة.

وعندما يتوصل إلى التساؤل فقط عمن كان أهم للانتفاضة، الجنود أم العمال، ندلل على مستوى نظري محزن لا يبقى معه أي مجال للنقاش. كانت ثورة أكتوبر (تشرين الأول) معركة للبروليتاريا ضد البرجوازية من أجل السلطة. ولكن الموجيك هو الذي قرر نتيجة المعركة في نهاية المطاف. ووجد هذا المشهد العام الذي انتشر في كل البلاد، وجد في بتروغراد أكمل تعبير عنه. وأن الذي أعطى للانتفاضة في العاصمة طابع ضربة موجهة بسرعة مع أحداث الحد الأدنى من الضحايا، هو المزيج بين المؤامرة الثورية، والانتفاضة البروليتارية ومعركة الحامية الفلاحية من أجل سلامتها الخاصة. وقاد الحزب الانتفاضة. وكانت القوة المحركة الرئيسية هي البروليتاريا. وشكلت المفارز العمالية المسلحة قبضة الصدام الضاربة. بَيد أن نتيجة المعركة قد تقررت بواسطة الحامية الفلاحية، التي كان من الصعب تحريضها على العصيان.

وفي هذه المسألة بالضبط يظهر التشابه التام بين انتفاضتي فبراير (شباط) وأكتوبر (تشرين الأول). كانت الحامية تمثل في عشية قلب النظام الملكي عاملاً مجهولاً بالنسبة للطرفين المتنازعين. وكان الجنود أنفسهم يجهلون أيضًا كيف ستكون ردود أفعالهم تجاه الانتفاضة. وكان الإضراب العام وحده هو الذي أقام الأرضية الضرورية للقاءات الجماهيرية بين العمال والجنود، للتحقق من وجود الجند في ساحة العمل، ولانتقال الجنود إلى صفوف العمال. ذلك هو المحتوى المأساوي لأيام فبراير (شباط) الخمسة.

وفي عشية قلب الحكومة المؤقتة انحازت الأكثرية الساحقة للحامية إلى جانب العمال بصورة مكشوفة. ولم تستشعر الحكومة في أي مكان من أنحاء البلاد مثل عزلتها في عقر دارها؛ فلم تكن على خطأ أبدًا عندما حاولت الفرار من العاصمة. ولكن بدون جدوى؛ فالعاصمة المعادية لها لم تدعها تغادرها. وأخيرًا ضاعت الحكومة نهائيًّا عندما حاولت عبثًا إبعاد الأفواج الثورية عن العاصمة.

وكان تفسير سياسة كرنسكي السلبية إزاء الانتفاضة بعزوها إلى صفاته الشخصية وحدها هو انحراف عن جادة الصواب. فكرنسكي لم يكن وحيدًا. وكان هناك في الحكومة رجال مثل بالتشينسكي لا يفتقرون إلى القوة. وكان زعماء اللجنة التنفيذية يعرفون جيدًا أن انتصار البلاشفة سيؤكد موتهم السياسي. ومع هذا أصاب الشلل الجميع، وأصابهم فرادى أو جماعات وبقوا، كما بقي كرنسكي في نوع من الاستكانة المطلقة، وهي استكانة الإنسان الذي يستشعر رغم الخطر الداهم عجزه عن رفع يده لدفعه.

ولم ينجم تآخي العمال والجنود أبدًا في أكتوبر (تشرين الأول) عن نزاع مكشوف في الشوارع كما تم في فبراير (شباط)، ولكنه سبق الانتفاضة. وإذا كان البلاشفة لم يدعوا في هذه المرة إلى الإضراب العام، فلم يكن ذلك بسبب منعهم من ذلك، ولكن لأنهم لم يروا حاجة لذلك فقط. واستشعر اللجنة العسكرية الثورية منذ ما قبل الانتفاضة أنها سيدة الموقف؛ كانت تعرف كل قوة في الحامية، ومناخها الفكري، وتجمعاتها الداخلية. وكانت تتلقى التقارير الصادقة يوميًّا، وهي تعبر عن كل ما يجري. وكان بوسعها في الوقت المطلوب، أن ترسل مفوضًا مطلق الصلاحية إلى أي فوج، ودراجة نارية تحمل أمرًا، كما كان بوسعها أن تستدعي هاتفيًًّا لجنة أية قوة، أو ترسل أمرًا يوميًّا إلى أية سرية. واحتلت اللجنة العسكرية الثورية إزاء القطعات وضع هيئة أركان حكومية لا وضع هيئة أركان لمجموعة من المتآمرين.

حقًا، إن مراكز قيادة الدولة بقيت بين يدي الحكومة، ولكن قواعدها المادية انتزعت من يديها. وقامت الوزارات وهيئات الأركان على فراغ. واستمر الهاتف والبرق في خدمة الحكومة، كما استمر مصرف الدولة. ولكن الحكومة لا تملك أبدًا القوات العسكرية الضرورية لكي تحتفظ بالسيطرة على هذه المؤسسات. ويبدو أن قصر الشتاء ومعهد سمولني قد بدلا موقعها. ووضعت اللجنة العسكرية الثورية الحكومة – الظل في وضع لا تستطيع معه هذه الحكومة القيام بأي عمل دون أن تحطم الحامية أولاً. ولم تؤد كل محاولات كرنسكي لضرب القطعات إلا إلى التعجيل بالنهاية.

ورغم كل هذا بقيت مسألة الانتفاضة دون حل. وكان كل نابض وكل ترس في جهاز ساعة الانتفاضة بين يدي اللجنة العسكرية الثورية. ولكن الساعة تفتقر إلى المينا والعقارب. وعندما تفتقر الساعة لمثل هذه الأجزاء الدقيقة تصبح آلة لا فائدة منها. ولم تكن اللجنة العسكرية الثورية تستطيع أن تحكم وهي لا تتصرف بالبرق والهاتف، ومصرف الدولة، وهيئة أركان. لقد كانت اللجنة تتصرف بما يشبه كل الأمائر الحقيقية، وبعناصر السلطة، ولكنها لا تتصرف بالسلطة ذاتها.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) ج1