تاريخ الثورة الروسية: انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) ج 3

0
216

ولم يكن العمال يفكرون في فبراير (شباط) بالاستيلاء على مصرف الدولة، وعلى قصر الشتاء، بل كانوا يفكرون بتحطيم مقاومة الجيش. وكانوا يكافحون لا لكسب بعض مراكز القيادة، بل لكي يكسبوا نفسية الجندي. وعندما تحقق الانتصار على هذه الأرضية في أكتوبر (تشرين الأول)؛ حيث حلت كل المعضلات الأخرى من تلقاء ذاتها، فعندما تخلى النظام الملكي عن كتائب حرسه، لم يحاول أبدًا الدفاع عن قصوره ولا عن هيئات أركانه.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) عندما خسرت حكومة كرنسكي نفسية الجندي إلى غير عودة، تعلقت أيضًا بمراكز القيادة. ولم تكن هيئات الأركان، والمصارف والهواتف تشكل بين أيديها إلا واجهة السلطة. وعندما انتقلت هذه المؤسسات إلى أيدي السوفييتات كان عليها أن تؤمن الاستيلاء التام على السلطة. ذلك هو الوضع في عشية الانتفاضة؛ فقد كان هذا الوضع يحدد طرق العمل في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة.

ولم تقع أية مظاهرة، أو معارك في الشوارع، ولم تقم المتاريس، ولم يحدث كل ما يفهم عادة من كلمة “الانتفاضة”؛ إذ لم تكن الثورة بحاجة إلى حل مسألة قد حلت سابقًا. وكان من الممكن أن يتم الاستيلاء على الجهاز الحكومي حسب خطة، وبمساعدة مفارز مسلحة ضعيفة العدد نسبيًّا، تنطلق من مركز موحد. وكان من الممكن احتلال الثكنات، والقلعة، والمستودعات، وكل المؤسسات التي يعمل فيها العمال والجنود، بالقوات الداخلية الخاصة لهذه المؤسسات. ولكن لم يكن من الممكن احتلال قصر الشتاء، ومبنى اللجنة التحضيرية للمجلس النيابي، وهيئة أركان المنطقة، والوزارات، ومدارس اليونكرز من الداخل. وكان الوضع على هذه الشاكلة بالنسبة للهاتف والبرق، والبريد، ومصرف الدولة، ورغم هذا، كان مستخدمة هذه المؤسسات، الذين كانوا يملكون بعض الثقل في تركيب القوى العام، كانوا رغم هذا أسيادًا داخل هذه المؤسسات من الخارج إلى أن يتم النفاذ إلى قيادات البيروقراطية ذاتها. وحل العنف محل الوسائل السياسية خلال الاستيلاء على هذه المؤسسات. ولكن بما أن طرد الحكومة مؤخرًا من قواعدها العسكرية جعل مقاومتها شبه مستحيلة، فقد تم الاستيلاء على مراكز القيادة الأخيرة بدون صدام بوجه عام.

ولم تتم الانتفاضة مع كل هذا دون وقوع بعض المعارك؛ كان لا بُدَّ من الهجوم على قصر الشتاء. ولكن نظرًا لأن مقاومة الحكومة قد اقتصرت على الدفاع عن القصر، فإن هذا الواقع يحدد بوضوح مكان 25 أكتوبر (تشرين الأول) في تطور المعركة. وكان قصر الشتاء آخر معقل لنظام تحطم سياسيًّا خلال ثمانية أشهر من وجوده، ونزع سلاحه نزعًا تامًا في خلال الخمسة عشر يومًا الأخيرة.

وقد احتلت عناصر المؤامرة، التي نعني بها خطة المؤامرة والقيادة المركزية للمؤامرة في ثورة فبراير (شباط) مكانًا تافهًا. وقد نجم هذا عن ضعف وعزل المجموعات الثورية بعضها عن بعض من جراء وطأة الهجوم القيصري، وبسبب الحرب. ولهذا كانت المهمة مهمة أكبر بالنسبة للجماهير. فقد كان للثوار تجربتهم السياسية، وتقاليدهم، وشعاراتهم اليومية، وزعماؤهم المجهولون. ولكن إذا كانت عناصر القيادة المبعثرة للانتفاضة كافية لقلب النظام الملكي، إلا أنها كانت بعيدة عن أن تكون وفيرة لكي تتيح للمنتصرين ثمار نصرهم الخاص.

وقد أعطى الهدوء في الشوارع في أكتوبر (تشرين الأول)، وغياب الجماهير، وانعدام المعارك، أعطى كل هذا الخصوم دوافع للتحدث عن مؤامرة أقلية لا ثقل لها، ومغامرة حفنة من البلاشفة. وقد استخدمت هذه الصيغة في الأيام والشهور، وحتى في السنوات التي تلت الانتفاضة في عدة مناسبات. وكتب ياروسلافسكي حول موضوع 25 أكتوبر (تشرين الأول) محاولاً تجديد السمعة الحسنة للانتفاضة البروليتارية: “ووقف الجماهير القوية من بروليتاريا بتروغراد، عندما وجهت اللجنة العسكرية الثورية دعوتها، وقفت هذه الجماهير تحت رايات اللجنة واجتاحت شوارع بتروغراد”. ونسي المؤرخ الرسمي أن يفسر الهدف الذي من أجله دعت اللجنة العسكرية الثورية الجماهير إلى الشارع، وماذا عملت هذه الجماهير في الشوارع بالضبط.

وقد جاءت المبالغة بتمجيد ثورة فبراير (شباط) على الصعيد الرسمي من مزيج من القوة والضعف فيها، وصورها هذا التمجيد على أنها من صنع كل الأمة بمقارنتها مع انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) المعتبرة كمؤامرة. وفي الحقيقة، كان بوسع البلاشفة أن يعيدوا المعركة من أجل السلطة في اللحظة الأخيرة إلى “مؤامرة”، لا لأنهم كانوا أقلية صغيرة، بل على العكس لأن وراءهم في الأحياء العمالية والثكنات أكثرية ساحقة، متجمعة بقوة، تتمتع بالنظام والضبط.

ولا يمكن فهم انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) بصورة صحيحة إلا إذا نظرنا إليها في كل أبعادها ولم تقتصر على المشهد الأخير منها. ففي نهاية فبراير (شباط) تمت لعبة شطرنج الانتفاضة بين الخصمين من الشوط الأول وحتى النهاية، أي إلى أن تخلى الخصم. وأما في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) فقد كانت اللعبة الرئيسية جزءًا من الماضي، واقتصر الأمر في يوم الانتفاضة على حل مسألة محددة: هي موت الشاه بحركتين. وبناء على هذا، فإنه من الضروري تأريخ فترة الانتفاضة بدءًا من 9 أكتوبر (تشرين الأول) عندما بدأ النزاع حول الحامية أو من 12 عندما تقرر إنشاء اللجنة العسكرية الثورية. واستمرت مناورة التطويق أكثر من خمسة عشر يومًا. ودامت أكثر اللعبات حسمًا من خمسة أيام إلى ستة، منذ اللحظة التي أنشئت فيها اللجنة العسكرية الثورية. وقد عمل مباشرة خلال كل هذه الفترة مئات الألوف من الجنود والعمال من أجل الدفاع في الظاهر، بينما كانوا يعملون في الحقيقة من أجل الهجوم. واستغرقت المرحلة الأخيرة، التي استبعد الثوار خلالها نهائيًّا الأشكال التقليدية لازدواجية السلطات بشرعيتها المريبة، ولغتها الدفاعية المفخمة، استغرقت 24 ساعة فقط: من الساعة الثانية من صباح 25 حتى الساعة الثانية من صباح 26. وفي هذه الفاصلة الزمنية استخدمت اللجنة العسكرية الثورية السلاح بصورة مكشوفة للاستيلاء على المدينة واعتقال أعضاء الحكومة، وشارك في العمليات، بمجملها، عدد كاف من القوات لتنفيذ مهمة محددة. وكان تعداد هذه القوات أكثر على كل حال من 25.000 إلى 30.000 جندي.

وقد زار مؤلف إيطالي لا يكتب مؤلفات عن ليالي الخصيان فحسب، بل عن أكبر مشاكل الدولة أيضًا، زار موسكو السوفييتية في عام 1929، وخرفش بعض الأشياء التي استطاع أن يسمعها من هنا وهناك، وألف على هذا الأساس كتابًا يعالج تقنية الانقلاب. وأن اسم هذا المؤلف مالابارت يسمح بالتمييز بسهولة بينه وبين أخصائي آخر في الانقلابات يدعى بونابرت.

وقد كتب مالابارت قائلاً: خلافًا “لإستراتيجية لينين” التي تتطابق مع الشروط الاجتماعية والسياسية لروسيا في عام 1917، كان “تكتيك تروتسكي لا ينطبق أبدًا على الشروط العامة للبلاد”. ويريد المؤلف أن يجيب تروتسكي على اعتبارات لينين عن الأمائر السياسية للانتفاضة بالشكل التالي: “تتطلب إستراتيجيتك كثيرًا من الظروف الملائمة، إن الانتفاضة لا تحتاج إلى شيء، إنها تكفي نفسها بنفسها”. فهل يمكن أن نتصور سخافة مؤكدة أكثر من هذه السخافة. وقد كرر مالابارت في عدة مناسبات أن الانتصار في أكتوبر (تشرين الأول) لم يجئ من إستراتيجية لينين، بل من تكتيك تروتسكي”. ويهدد هذا التكتيك في الوقت الحاضر أيضًا هدوء الدول الأوروبية. “إن إستراتيجية لينين لا تشكل إذن خطرًا مباشرًا على حكومات أوروبا؛ فالخطر الحالي –والدائم- بالنسبة لها هو تكتيك تروتسكي”. وبصورة أكثر تحديدًا أيضًا: “ضعوا بوانكاريه في مكان كرنسكي وسينجح انقلاب مماثل للانقلاب البلشفي في أكتوبر (تشرين الأول) 1917 أيضًا”. وهكذا فإننا نبحث عبثًا عن الفائدة التي تقدمها إستراتيجية لينين عمومًا، هذه الإستراتيجية المرتبطة بالشروط التاريخية، إذا كان تكتيك تروتسكي قادرًا على حل المسألة ذاتها في كل الظروف. ويجب أن نضيف إلى ذلك أن هذا الكتاب نشر في عدة لغات، وتعلَّم منه كثير من رجال الدولة كيفية إحباط الانقلابات. وعلى هذا فلنتمنى لهم النجاح.

ولم يتم نقد العمليات العسكرية الصرفة التي نفذت يوم 25 أكتوبر (تشرين الأول) حتى الآن. ويتمتع كل ما هو موجود في هذا الموضوع في الأدبيات السوفييتية بطابع لا نقدي، ولكنه تقريظي صرف. وإلى جانب كتابات الجيل الثاني، يتميز النقد الذي قام به سوخانوف، برغم كل تناقضاته بالملاحظة الدقيقة للأحداث.

وقد أعطى سوخانوف في حكمه على تنظيم انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) في خلال عامين رأيين متناقضين كل التناقض؛ إذ قال في الجزء المكرس لانتفاضة فبراير (شباط): “سأصف فيما يلي واستنادًا إلى ذكرياتي الشخصية انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) التي تمت حسب إيقاع معين وكأنها قطعة موسيقية”. وكرر ياروسلافسكي حكم سوخانوف هذا حرفيًّا فقد كتب يقول: “كانت الانتفاضة في بتروغراد معدة بصورة جيدة ولعبها الحزب وكأنه يلعب معزوفة موسيقية على (نوتة) موسيقية”. ويبدو أن كلود آني -وهو مراقب معاد عبر عن رأيه بتصميم أكبر أيضًا، ولكنه دقيق الملاحظة، مع أنه لا يتمتع بأي عمق- قال آني: “لا يوحي انقلاب 7 نوفمبر (تشرين الثاني) إلا بالإعجاب. ولم يحدث أي تصدع وقلبت الحكومة دون أن يتاح لها الوقت للصياح: أواه!”. في حين على العكس روى سوخانوف في الجزء المكرس لثورة أكتوبر (تشرين الأول) كيف شرعت سمولني “سرا، وبالتحسس وبحذر وفوضى” في تصفية الحكومة المؤقتة.

وهناك مبالغة في الحكمين الأول والثاني. ولكن من الممكن أن نسلم، من وجهة نظر عامة، بأن الحكمين مهما كانا متعارضين يستندان إلى الوقائع. فقد نجم الطابع العقلاني لانتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) عن العلامات الموضوعية خاصة، وعن نضج الثورة بمجملها، والمكان الذي احتلته بتروغراد في البلاد، والمكان الذي احتلته الحكومة في بتروغراد، وكل العمل المسبق للحزب، ومن السياسة الحكيمة للانتفاضة. ولكن تبقى أيضًا مسألة التقنية العسكرية. وفي هذه النقطة، كان هناك عدد وافر من الأخطاء الجزئية إذا ما جمعت تكوَّن لدينا انطباع بأن العمل قد تم بصورة عشوائية.

وقد أشار سوخانوف في عدة مناسبات إلى عجز سمولني من الناحية العسكرية وحتى في الأيام الأخيرة التي سبقت الانتفاضة. وفي الواقع، لم يكن الدفاع عن هيئة أركان الثورة أفضل من الدفاع عن قصر الشتاء. وكانت اللجنة العسكرية الثورية تؤمن حمايتها قبل كل شيء بتعزيز اتصالاتها مع الحامية. وحصلت بواسطة الحامية على إمكانية مراقبة كل الحركات الإستراتيجية للخصم. واتخذت اللجنة بعض التدابير الأكثر خطورة من وجهة نظر العمليات الحربية قبل 24 ساعة تقريبًا من التدابير التي اتخذتها الحكومة. وأكد سوخانوف بأنه لو أظهرت الحكومة بعض المبادرة في ليلة 23/ 24 لتمكنت من إلقاء القبض على أعضاء اللجنة، “وكانت مفرزة مؤلفة من 500 رجل كافية جدًا للقضاء على سمولني وكافة الموجودين فيه”. وهذا ممكن. ولكن أولاً، كانت الحكومة تحتاج إلى التصميم، والذكاء لتحقيق هذا الهدف؛ أي أنها كانت تحتاج إلى صفات مضادة لطبيعتها. ثانيًا، كانت الحكومة تحتاج إلى “مفرزة مؤلفة من 500 رجل”. فمن أين تحصل عليها؟ هل تشكلها من الضباط؟ لقد رأيناهم في نهاية أغسطس (آب) في دورهم كمتآمرين، وكنا مضطرين إلى الذهاب للبحث عنهم في الملاهي الليلية. وقد تفتت سرايا (دروجيني) التابعة للتوفيقيين. وفي مدارس اليونكرز، كانت كل مسألة خطيرة تفسح مجالاً لتجمعات جديدة. وكانت الأمور تجري على شاكلة أسوأ من ذلك في صفوف القوزاق. فتشكيل مفرزة بانتقائها من أوساط مختلفة كان يعني أن تخدع الحكومة نفسها أضعاف المرات مما خدعت نفسها إلى أن تحقق هذا العمل.

ورغم هذا، لو أن مثل هذه المفرزة قد وجدت لما حسمت الأمر أبدًا. ولكان لأول طلقة تطلق أمام سمولني صداها الرهيب في الأحياء العمالية والثكنات. ولهرع إلى مركز الثورة المهدد، في أية ساعة من النهار أو الليل عشرات الألوف من الرجال المسلحين أو نصف المسلحين لنجدته. وأخيرًا لم يكن اعتقال أعضاء اللجنة العسكرية الثورية لينقذ الحكومة. وكان لينين موجودًا خارج أسوار سمولني ومعه اللجنة المركزية ولجنة بتروغراد. وكانت هناك في قلعة بطرس وبولص هيئة أركان ثانية، وهيئة أركان ثالثة على الطراد اورور، وهيئات أركان أخرى في الأحياء. ولم تكن الجماهير لتبقى بدون قيادة. وكان العمال والجنود، رغم بطء العمليات، يريدون الانتصار مهما كان الثمن.

ومما لا ريب فيه رغم هذا أنه كان بالإمكان اتخاذ بعض التدابير الإضافية في الحذر الإستراتيجي، وكان لا بُدَّ من اتخاذها قبل بضعة أيام. وفي هذا الصدد كان نقد سوخانوف لهذه الناحية صحيحًا فقد عمل جهاز الثورة العسكري بعشوائية وبطء وإهمال، وكانت الإدارة العامة للثورة تجنح إلى إحلال السياسة محل التقنية. وكانت عين لينين غائبة كثيرًا عن سمولني. وكان الآخرون لم يتعلموا بعد بصورة جيدة.

وكان سوخانوف على حق في القول بأن الاستيلاء على قصر الشتاء في ليلة 24/ 25 أو في صبيحة هذا اليوم كان أسهل بصورة لا تقارن من القيام بهذا العمل في النصف الثاني من اليوم وحتى الليل؛ فقد كان القصر، كما كان المبنى المجاور لهيئة الأركان، محروسًا من قبل الزمر العادية لليونكرز، وكان بوسع هجوم يتم على حين غرة أن ينجح بالتأكيد. وفر كرنسكي بالسيارة في الصباح دون أن تعترضه أية عقبة؛ ويكفي هذا الواقع للبرهان على أنه لم تتم أية مراقبة جدية لقصر الشتاء. وهذه الثغرة واضحة كل الوضوح!

وفي الحقيقة أوكلت مهمة مراقبة الحكومة المؤقتة -بصورة متأخرة: بتاريخ 24!- إلى سفردلوف يعاونه لاشوفيتش وبلاغونرافوف. ومن المشكوك فيه أن يكون سفردلوف، الذي لم يكن يعرف آنذاك أين يركز فكره قد اهتم بهذه المسألة الجديدة. ومن الممكن أيضًا أن يكون القرار، المسجل رغم هذا على محضر الجلسة قد نسي وسط حمى تلك الساعات.

وبرغم كل شيء كان أعضاء اللجنة العسكرية الثورية يبالغون في تقدير القوى العسكرية للحكومة ، وأهمية حراسة قصر الشتاء خاصة. ولو أن الزعماء المباشرين للحصار عرفوا عدد القوات الموجودة داخل القصر، لكان عليهم أن يخشوا أيضًا وصول النجدات إليه عند أول إشارة للخطر من اليونكرز، والقوزاق، وقطعات الصدام. وقد وضعت خطة الاستيلاء على قصر الشتاء بأسلوب عملية واسعة النطاق؛ فعندما ينكب المدنيون أو أنصاف المدنيين على حل معضلة عسكرية صرفة، يجنحون دومًا إلى استخدام الحيل الإستراتيجية؛ فيُظهرون عجزهم الواضح في هذه الحالة، علاوة على حذلقتهم وادعائهم بالمعرفة.

ويفسر عدم التماسك، عند الاستيلاء على القصر، إلى حد ما بالصفات الشخصية للزعماء الرئيسيين؛ إذ كان بودفويسيكي وأنطونوف – أوفسينكو وتشودنوفسكي رجالاً من عجينة بطولية. ولكن ربما كان من الواجب أن نقول إنهم لم يكونوا أبدًا رجالاً يتسمون بالأسلوب والفكر المنضبط. وقد أصبح بودفويسكي الذي كان خلال أيام يوليو (تموز) يتدفق حماسًا ونشاطًا، أكثر حذرًا، وأكثر تشاؤمًا إزاء إبعاد المستقبل القريب، ولكنه بقي في أعماقه مخلصًا لنفسه؛ فقد كان عندما يوضع أمام أية مهمة عملية، يميل عضويًّا إلى التحرر من الإطارات المحددة، وإلى توسيع خطته، وإلى توريط كل الناس، وإلى إشراك الحد الأقصى من القوات حيث يكفي الحد الأدنى. وبوسعنا أن نجد دون صعوبات بصمات فكره مطبوعة على الطابع المتطرف للخطة. وكان أنطونوف – أوفسينكو، بطبيعته متفائلاً مندفعًا، أقدر على الارتجال منه على الحساب والتقدير. ويملك أوفسينكو بصفته ضابطًا سابقًا من الضباط الأعوان بعض المعارف في الفن العسكري. وقد استلم خلال الحرب الكبرى كمهاجر الزاوية العسكرية في صحيفة ناشيه سلوفو (كلمتنا) التي ظهرت في باريس، وبرهن أكثر من مرة عن مهارة إستراتيجية. ولم تكن معلومات أوفسينكو العسكرية الملحوظة قادرة على موازنة تحليقات بودفويسكي المتطرفة. أما تشودنوفسكي ثالث القادة العسكريين فقد عاش عدة أشهر في جبهة هادئة كمحرض، وكان هذا هو كل ما تلقاه من التدريب كرجل حربي. ومع أن تشودنوفسكي يميل إلى الجناح اليميني، إلا أنه رغم هذا كان أول من يشتبك في المعركة ويفتش دومًا عن أخطر المواقع فيها. إن الشجاعة الشخصية والجرأة السياسية كما نعرف لا تتوازنان دومًا. وبعد عدة أيام من الانتفاضة جرح تشودنوفسكي في بتروغراد في مناوشة مع قوزاق كرنسكي، وبعد عدة أشهر قتل في أوكرانيا. ومن الواضح أن تشودنوفسكي المندفع والصريح لا يستطيع أن يعوض ما افتقر إليه الزعيمان الآخران. فلم يكن أي منهما ميالاً إلى بحث التفاصيل، وذلك لسبب بسيط هو أنهما لم يكونا مؤهلين لفهم أسرار المهنة. واستشعر المارشالات الحمر الذين أحسوا بضعفهم في كل ما يتعلق بخدمات الكشافين، والارتباط، والمناورة، الحاجة إلى غمر قصر الشتاء بقوات متفوقة إلى حد كبير حتى أن مسألة القيادة العملية للهجوم لم تطرح أبدًا؛ فقد كانت الأبعاد المفرطة والضخمة للخطة تساوي عدم وجودها تقريبًا. وما قيل أعلاه لا يعني أبدًا وجود قادة عسكريين آخرين أكثر تمرسًا وتجربة في اللجنة العسكرية الثورية أو حولها. وعلى كل حال فإن بوسعنا التأكيد على أنه كان من المتعذر وجود قادة للانتفاضة أكثر إخلاصًا وتجردًا منهم.

وبدأت المعركة للاستيلاء على قصر الشتاء باحتلال كل الدائرة وعلى محيط كبير. وجرت هذه العملية المعقدة ببطء شديد نظرًا لافتقار القادة إلى التجربة، وضعف الاتصال، وعدم صلاحية مفارز الحرس الأحمر، وافتقار القوات النظامية إلى البأس والشدة. وفي نفس الساعات التي كانت فيها مفارز الحرس الأحمر تضيق خناق الحصار تدريجيًّا وتحشد الوحدات الاحتياطية خلفها، كانت سرايا اليونكرز، وسرايا خيالة القوزاق وفرسان القديس جورج، وكتيبة النساء تشق ممرًا لها إلى القصر. وتشكلت قبضة الدفاع في نفس الوقت الذي أطبقت فيه حلقة المهاجمين. ومن الممكن أن نقول بأن المسألة ذاتها نجمت عن الوسيلة الملتوية التي استخدمت لحلها. بَيد أن إغارة ليلية جريئة على القصر أو انقضاضًا مقدامًا يتم خلال النهار لم يكن ليكلف من الضحايا أكثر من عملية تطول وتمتد. وكان من الممكن على كل حال التحقق من الأثر المعنوي لمدفعية اورور قبل اثنتي عشرة ساعة أو 24 ساعة، وكان الطراد يقف مستعدًا للقتال في مياه النييفا، ولم يكن البحارة يشتكون أبدًا من عدم وجود الشحم اللازم لمدافعهم. ولكن قادة العملية كانوا يأملون تسوية الأمر دون قتال، فأرسلوا المفاوضين، وأطلقوا الإنذارات، ولم يهتموا بالمهل المحددة. ولم تخطر لهم فكرة تفتيش مدفعية قلعة بطرس وبولص في الوقت الملائم، لأنهم كانوا يعتمدون بالفعل على إمكانية الاستغناء عنها.

وظهر نقص إعداد القيادة العسكرية بوضوح أكبر في موسكو، حيث اعتبر ميزان القوى ملائمًا جدًا، حتى أن لينين أوصى بإلحاح بالبدء بالانتفاضة من موسكو: “إن النصر مضمون، ولن يقاتل أي إنسان”. وفي الحقيقة اتخذت الانتفاضة في موسكو بالضبط طابع معارك طويلة دامت حوالي ثمانية أيام، مع بعض الهدنات المؤقتة. وقد كتب مورالوف -أحد زعماء انتفاضة موسكو الرئيسيين- ما يلي: “في حمى هذا العمل، لم نكن دومًا حازمين ومصممين في كل النقاط. وقد تركنا القتال يستمر طيلة أسبوع، مع أننا نملك تفوقًا عدديًّا ساحقًا يعادل عشرة أضعاف قوة الخصم… ويرجع ذلك إلى ضعف مهارتنا في قيادة الجماهير المقاتلة وافتقار هذه الجماهير للانضباط، والجهل التام بتكتيك قتال الشوارع، سواء لدى القادة أو لدى الجنود”. وقد اعتاد مورالوف على تسمية الأشياء بأسمائها؛ وقد كوفئ على ذلك بنفيه إلى سيبرييا في الوقت الحاضر. ولكن مورالوف يحمِّل القيادة العسكرية في الحالة الراهنة أضخم خطيئة ارتكبتها القيادة السياسية، هذه القيادة التي تميزت في موسكو بعدم ثباتها وسرعة تأثرها بالعناصر التوفيقية. وقد فعل مورالوف هذا لأنه تجنب تحميل الآخرين تبعة مسئوليته. ورغم هذا ينبغي أن لا يغيب عن نظرنا أن عمال موسكو القديمة، وعمال النسيج وعمال دباغة الجلود كانوا متخلفين إلى حد كبير عن بروليتاريا بتروغراد. ولم يكن على موسكو في فبراير (شباط) أن تثور وتنتفض؛ فقد كان قلب النظام القيصري من صنع بتروغراد وحدها. وحافظت موسكو من جديد في يوليو (تموز) على هدوئها. وأحسسنا بهذا الهدوء في أكتوبر (تشرين الأول)؛ كان العمال والجنود لا يملكون تجربة المعارك.

وأكملت تقنية الانتفاضة ما لم تفعله السياسة. وأضعف النمو الجبار للبلشفية بصورة لا ريب فيها الانتباه للناحية العسكرية من المسألة، وكان لتحذيرات لينين الشديدة ما يبررها تمامًا وتبدَّت القيادة العسكرية أضعف بصورة لا تقارن من الإدارة السياسية. وهل يمكن أن تكون على غير ذلك؟ وقد أظهر السلطة الثورية الجديدة فيما بعد خلال شهور وشهور أيضًا عدم كفاءة كبيرة كلما أصبح من الضروري اللجوء إلى السلاح.

بَيد أن القيادة العسكرية التابعة للحكومة أعطت في بتروغراد تقديرًا مصانعًا مبالغًا فيه عن الإدارة العسكرية للانتفاضة. وقد أبلغت وزارة الحربية قصر القيادة العليا للقوات المسلحة هاتفيًّا ومباشرة بعد سقوط القصر بما يلي: “يحافظ المتمردون على النظام والانضباط. ولم يقع نهبٌ، ولا “تصفيات دموية”. بل قامت دوريات الثوار على العكس باعتقال الجنود الذين أخلوا بالانضباط… إن خطة الانتفاضة وضعت بلا جدال مسبقًا وطبقت بمواظبة وبنظام تام… ولم يسو كل شيء تمامًا “وفق الإيقاع الموسيقي المحدد”. هكذا كتب فيما بعد سوخانوف وياروسلافسكي، ومع هذا فلم يكن هناك كثير من “الفوضى” التي أكد سوخانوف وجودها فيما بعد. وبالإضافة إلى هذا، وأمام أقسى حكم نقدي، فإن النجاح هو الذي كلل العملية.

 

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

 

تاريخ الثورة الروسية: انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) ج 2