تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر الديكتاتورية السوفييتية جـ 1

0
665

كان من المفترض أن يبدأ بتاريخ 25 أكتوبر (تشرين الأول) في سمولني برلمان من أكثر البرلمانات التي عرفها تاريخ العالم ديمقراطية. ومن يدري؟ ربما كان هذا البرلمان أهمها أيضًا.

وأرسلت سوفييتات المناطق مندوبيها من العمال والجنود أساسًا بعد أن تحررت من نفوذ الأنتليجنسيا التوفيقية. ولم يكن معظم هؤلاء المندوبين يتمتع بأية شهرة، ولكنهم كانوا بالمقابل رجالاً متمرسين اكتسبوا ثقة كبيرة في مديرياتهم. وكان جنود الصف هم الوحيدين الذين اخترقوا الصفوف كمندوبين للجيش والجبهة عبر الحصار الذي فرضته لجان الجيش وهيئات الأركان. وكان معظمهم لا يعرف الحياة السياسية ولم يمارسها إلا منذ الثورة. فقد أهلتهم تجربة ثمانية أشهر، وكان ما يعرفه عبارة عن أشياء قليلة. بَيد أنهم يعرفون هذا القليل بصورة جيدة. وقد كشف المظهر الخارجي للمؤتمر عن تركيبه. فقد اختفت تقريبًا شرائط رتب الضباط، ونظارات المثقفين وربطات عنقهم تمامًا. وكان اللون الرمادي في الألبسة والوجوه هو اللون السائد في المؤتمر. وكانت الحرب قد أجهدتهم جميعًا. وقد ارتدى عدد وافر من العمال معاطف الجنود. ولم تكن هيئة مندوبي الخنادق هيئة مقبولة؛ فهم لم يحلقوا ذقونهم وشعورهم منذ مدة طويلة، ويتدثرون بمعاطف قديمة ممزقة، وقبعات ثقيلة من الوبر مملوءة بالخروق، فوق شعر متشعث. وكانت وجوههم قاسية أثرت عليها الأحوال الجوية، كما انتفخت أيديهم وغطتها القروح، واصفرت أصابعهم من كثرة تدخين لفافات التبغ الرخيصة، كما كانت أزرار معاطفهم منتزعة، وحمالات سراويلهم مدلاة، وانتفخت أحذيتهم واحمرت. وظهر واضحًا أنها لم تصبغ منذ زمن طويل. وقد أرسلت الجماهير الشعبية للمرة الأولى تمثيلاً شريفًا غير مزور، يمثلها ويشبهها.

إن إحصاء أعضاء المؤتمر الذي انعقد في ساعات الانتفاضة إحصاء غير دقيق. ويقدر عدد المشتركين فيه عند افتتاحه بـ650 مشتركًا يتمتعون بحق التصويت. وكان للبلاشفة 390 مندوبًا في المؤتمر، لم يكونوا كلهم أعضاء في الحزب، ولكنهم كانوا بالمقابل زبدة الجماهير ذاتها. ولم يكن قد بقي أمام هذه الجماهير سبل أخرى غير سبل البلشفية. وكان عدد المندوبين الذين وصلوا إلى المؤتمر والذين ما زالت الشكوك تراودهم بشأن الانتفاضة عددًا وافرًا، بَيد أنهم نضجوا بسرعة وسط المناخ الحماسي لبتروغراد.

فكم كان نجاح المناشفة والاشتراكيين – الثوريين في تبديد رأس المال السياسي لثورة فبراير (شباط) كبيرًا! وكان التوفيقيون يملكون في مؤتمر السوفييتات في يونيو (حزيران) أكثرية 600 صوت من أصل 832 صوتًا. أما الآن، فإن المعارضة التوفيقية تشكل على مختلف أشكالها أقل من ربع المؤتمر. ولا يضم المناشفة من المجموعات القومية المرتبطة بهم أكثر من 80 مندوبًا، نصفهم “يساريون”. ويشكل اليساريون من بين 159 اشتراكيًّا – ثوريًّا، ومن بين 190 اشتراكيًّا – ثوريًّا، حسب بعض الإحصاءات، ثلاثة أخماسهم. وبالإضافة إلى هذا كان اليمينيون مستمرين في الاضمحلال بسرعة وسط تطور المؤتمر ذاته. وارتفع عدد المندوبين، حسب بعض الإحصاء، إلى 900 شخص في نهاية الجلسات. ولكن هذا الرقم يضم عددًا وافرًا من الأصوات الاستشارية، ولا يشتمل من ناحية أخرى على كل الأعداد التي تتمتع بحق التصويت. وتعرضت مراقبة التفويضات إلى توقفات، وضاعت بعض الأوراق، وكانت المعلومات عن الانتماء إلى هذا الحزب أو ذاك غير كاملة. وعلى كل حال بقي تفوق البلاشفة في المؤتمر مؤكدًا لا جدال فيه.

وقد أظهر التحقيق الذي تم مع المندوبين أن 505 سوفييت تتمسك بانتقال كل السلطة إلى أيدي السوفييتات: 86 لسلطة “الديمقراطية”، و55 للائتلاف، 21 للائتلاف بدون الكاديت. وتعطي هذه الأرقام الواضحة، حتى من هذه الزاوية فكرة مبالغًا بها لكل ما بقي من نفوذ للتوفيقيين؛ كانت سوفييتات أكثر الأقاليم تخلفًا وأقل المديريات أهمية هي التي بنت دعم الديمقراطية والائتلاف.

وانعقدت في الصباح الباكر من يوم 25 في سمولني اجتماعات المجموعات، ولم يحضر اجتماعات المجموعة البلشفية من البلاشفة إلا الذين كانوا معفيين من مهمات القتال. وتأخر افتتاح المؤتمر؛ كانت الإدارة البلشفية تريد في بادئ الأمر الانتهاء من قصر الشتاء. ولكن المجموعات المعادية لم تكن متعجلة أبدًا؛ كانت هي نفسها بحاجة إلى تقرير ماذا ستفعل، ولم يكن ذلك سهلاً. ومرت الساعات، وكانت الشلل في داخل المجموعات والتكتلات تتصارع. وحدث الانقسام في صفوف الاشتراكيين – الثوريين عندما رفض قرار الانسحاب من المؤتمر بـ92 صوتًا مقابل 60 صوتًا. وفي ساعة متأخرة من المساء اجتمع الاشتراكيون – الثوريون اليمينيون واليساريون في قاعتين مختلفتين. وطالب المناشفة في الساعة الثامنة بمهلة جديدة:؛ فقد كانت الآراء لديهم مختلفة ومتباينة. وجاء الليل. وطالت عملية الهجوم على القصر، ولكنه أصبح من المستحيل الانتظار مزيدًا من الوقت؛ كان من الواجب التحدث بوضوح أمام البلاد التي استيقظت من سياستها.

وقد علمت الثورة فن الضغط. وتجمع المندوبون والزوار والحرس في صالة أعياد بنات الطبقة النبيلة لإدخال الواصلين الجدد بدون توقف. ولم تُجد كل التحذيرات التي وجهت خشية انهيار أرضية القاعة المحتمل، والتحذيرات بعدم التدخين. كان الجميع يتدافعون ويدخنون أكثر فأكثر. وقد شق جون ريد طريقة بصعوبة عبر هذا الجمع الذي كان يزمجر أمام الباب. وكانت القاعة خالية من التدفئة، ولكن الهواء كان ثقيلاً وحارقًا.

وكان المندوبون ينتظرون بملل أن يقرع الرئيس الجرس معلنًا افتتاح الجلسة، وقد تجمعوا على الأبواب وفي الممرات الجانبية، أو جلسوا على مساند النوافذ. ولم يكن تسيريتلي وتشخيدزه وتشيرنوف موجودين على المنصة كما جرت العادة في العهد البائد. كان زعماء النسق الثاني هم الوحيدين الذين ظهروا ليحضروا جنازتهم الخاصة. وافتتح الجلسة باسم اللجنة التنفيذية رجل صغير القامة بلباس طبيب – رائد في الساعة 10.40. وكان المؤتمر قد اجتمع في “ظروف استثنائية جدًا” لدرجة أن دان الذي كان مشغولاً بتنفيذ إحدى المهام التي كلف بها امتنع عن إلقاء خطاب سياسي:؛ لأن رفاقه الحزبيين موجودون حاليًا في قصر الشتاء، ويتعرضون لإطلاق النار، ويقومون بواجبهم كوزراء بمنتهى التجرد”. وكان المندوبون لا يتوقعون أبدًا مباركة اللجنة التنفيذية المركزية. وكانوا ينظرون إلى المنصة شذرًا، وكأن لسان حالهم يقول: إذا كان لهؤلاء وجود سياسي حتى الآن، فما هي صلتهم بنا وما هي علاقتهم بقضيتنا؟

واقترح أفانيسوف أحد المندوبين عن موسكو تشكيل مكتب للمؤتمر على أساس نسبي: 14 بلشفيًّا، 7 أعضاء من الاشتراكيين – الثوريين، و3 أعضاء من البلاشفة، و1 أممي. ورفض اليمينيون فورًا الانضمام إلى المؤتمر. وامتنعت مجموعة مارتوف مؤقتًا؛ إذ أنها لم تقرر بعد. وانتقلت سبعة أصوات إلى جانب الاشتراكيين – الثوريين اليساريين. وقد لاحظ المؤتمر الذي اكفهر جوه هذا الرفض الأولي.

وقرأ أفانيسوف لائحة المرشحين البلاشفة إلى المكتب: لينين، وتروتسكي، وزينوفييف، وكامنييف، وريكوف، ونوغين، وسكليانسكي، وكريلنكو، وأنطونوف – أوفسينكو، وريازانوف، ومورانوف، ولوتاتشارسكي، وكوالونتاي، وستوتشكا. وقد كتب سوخانوف قائلاً: “تألف المكتب من الزعماء البلاشفة الرئيسيين اليساريين”. وقد ضُم زينوفييف وكامنييف إلى المكتب نظرًا لما لهما من شهرة في الحزب، ولنفوذهما فيه، مع أنهما يعارضان الانتفاضة. ودخل ريكوف ونوغين في المكتب كممثلين لسوفييت موسكو. وضم لوناتشارسكي وكوللونتاي لأنهما كانا محرضين شعبيين معروفين في تلك الفترة. أما ريازانوف فقد دخل كممثل للنقابات. ودخل مورانوف كعامل بلشفي قديم تصرف بشجاعة أثناء قضية مندوبي مجلس الدوما الإمبراطوري. أما ستوتشكا فقد انضم كزعيم للتنظيم الليتوني. وانضم كريلنكو وسكليانسكي كممثلين للجيش. كما ضُم أنطونوف – أوفسينكو كقائد للمعارك في بتروغراد. وقد خلت القائمة من اسم سفردلوف لأنه هو الذي وضع اللائحة بنفسه، ولم يخطر ببال أحد أن يعدل قائمة الأسماء وسط الفوضى والحماس. وأنه لمما يسترعي الاهتمام بالنسبة لأخلاق الحزب في تلك الفترة أن المكتب اشتمل على كل هيئة أركان خصوم الانتفاضة: زينوفييف وكامنييف، ونوغين وريكوف ولوناتشارسكي وريازانوف. وكانت سبيريدونوفا، تلك الفتاة النحيلة والشجاعة الوحيدة من بين الاشتراكيين – الثوريين اليساريين التي تتمتع بشهرة واسعة في كل أنحاء روسيا. وقد أمضت سبيريدونوفا سنوات طويلة في المنفى لأنها قتلت أحد الذين قاموا بتعذيب فلاحي طامبوف. ولم يكن هناك “أسماء” أخرى مشهورة بين الاشتراكيين – الثوريين اليساريين. وإذا ما وضعنا جانبًا الأسماء الرنانة التي يتمتع بها مندوبو الجناح اليميني للاشتراكيين – الثوريين وجدنا أنه لم يبق منهم أي شيء تقريبًا.

واستقبل المؤتمر مكتبه بحماس. ولم يكن لينين موجودًا على المنصة. وفي حين كانت المجموعات تجتمع وتتباحث، كان لينين الذي ما زال متنكرًا، بشعره المستعار ونظارتيه السميكتين بصحبة اثنين أو ثلاثة من البلاشفة في غرفة جانبية. ووقف دان وسكوبوليف وهما في طريقهما إلى مجموعتهما أمام طاولة المتآمرين، وأخذا يحدقان بلينين بانتباه، فتعرفا عليه فورًا. وكان كشفه يعني بالنسبة إليه، أنه قد حان وقت رفع قناع التنكر.

ومع ذلك لم يتعجل لينين الظهور أمام المندوبين؛ كان يفضل مراقبة الأشياء عن كثب، وأن يجمع الخيوط بين يديه مع بقائه في الكواليس. وقد كتب تروتسكي في عام 1924 في مذكراته قائلاً: “تمت في سمولني الجلسة الأولى لمؤتمر السوفييتات الثاني. ولم يظهر لينين. فقد بقي في إحدى قاعات سمولني، وإني أذكر أن تلك القاعة كانت خالية من الأثاث. وفيما بعد جاء أحدهم، ومد على أرضية القاعة بعض الأغطية، ووضع عليها بعض الوسادات. واسترحنا، فلاديمير إيليتش وأنا، ونمنا جنبًا إلى جنب. ولكن بعد عدة دقائق، استدعيت إلى قاعة المؤتمر بعد أن قيل لي: “لقد بدأ دان الكلام، وينبغي الرد عليه”. وعدت بعد الرد عليه، ونمت من جديد إلى جانب فلاديمير إيليتش، الذي لم يكن يفكر بالطبع بالنوم. فهل كان بوسعنا أن ننام؟ ففي كل خمسة دقائق أو عشرة كان أحد الأعضاء يهرع من قاعة الجلسات لينقل إلينا ما يجري فيها”.

وانتقل جرس رئاسة المجلس إلى يد كامنييف. وكان كامنييف من أولئك الرجال الباردين الذين اختارتهم الطبيعة ذاتها لكي يتزعموا. وأعلن كامنييف ما يلي: هناك ثلاث مسائل في جدول الأعمال: تنظيم السلطة، والحرب والسلم، واستدعاء المجلس التأسيسي. وكان ضجيج المجلس ينبعث إلى الخارج، ووسط هذا الضجيج صاح دوي بهيم خارق للعادة ومثير للفزع: إن قلعة بطرس وبولص هي التي وضعت جدول الأعمال بواسطة رمي المدفعية. ومر تيار عالي التوتر عبر المؤتمر، الذي استشعر أعضاؤه فجأة حقيقته، وهو أنه يشكل المجلس الثوري (الكونفانسيون) للحرب الأهلية.

وطالب لوزوفسكي خصم الانتفاضة بتقرير من سوفييت بتروغراد. ولكن اللجنة العسكرية الثورية قد تأخرت، وكان تراشق المدفعية يشهد بأن التقرير ليس جاهزًا. وكانت الانتفاضة في قمة نشاطها. وكان زعماء البلاشفة يتغيبون في كل لحظة ليصلوا إلى المبنى الذي احتلته اللجنة العسكرية الثورية لتلقي الأخبار أو إعطاء الأوامر. وكانت أصداء المعارك تتلاشى وتذوب في قاعة الجلسات كألسنة نارية؛ فعندما يتم التصويت، ترتفع الأيدي وسط انتصاب الحراب. وكان الدخان المائل إلى الزرقة، واللاذع للماخوركا (التبغ الرخيص) يحفي الأعمدة البيضاء الجميلة والثريات.

وأخذ السجال الخطابي بين المعسكرين معنًى لا مثيل له على صوت التراشق بالمدفعية. وطلب مارتوف الكلام. إن فرصة هذا السياسي الخلاق للتردد الأبدي تحين عندما تتذبذب كفتا الميزان. ورد مارتوف بصوته الأجش، الذي يشبه صوت المسلولين، رد على الصوت المعدني للمدافع قائلاً: “من الضروري إيقاف الاشتباكات من كلا الجانبين.. لقد بدأ حل مسألة السلطة بطريق التآمر… وقد وضعت كل الأحزاب الثورية أمام الأمر الواقع… وتهدد الحرب الأهلية بانفجار الثورة المضادة. ومن الممكن الحصول على حل سلمي للأزمة بإقامة سلطة تعترف بها الديمقراطية كلها”. وصفق عدد كبير من أعضاء المؤتمر. وقد ذكر سوخانوف هازئًا ما يلي: “من الواضح أن عددًا وافرًا من البلاشفة الذين لم يهضموا أفكار لينين وتروتسكي العقائدية كانوا سيغدون سعداء جدًا لو تم السير على هذا السبيل”.

وضم اقتراح الشروع بمحادثات سلمية الاشتراكيين – الثوريين اليساريين ومجموعة من الأمميين الموحدين. لقد خدعوا. ودفع البلاشفة لوناتشارسكي، أكثر زعمائهم اتسامًا بالروح السلمية، وأكثر خطبائهم رقة. قال لوناتشارسكي: “ليس لدى المجموعة البلشفية أي اعتراض على اقتراح مارتوف”. وذهل الخصوم. وقد علق سوخانوف على هذا قائلاً: “إن لينين وتروتسكي اللذين ذهبا لملاقاة الجماهير التي تنتمي إليهما يسحبان في الوقت ذاته الأرض من تحت أقدام رجالات اليمين”. وصُدق على اقتراح مارتوف بالإجماع. وكانت مجموعة مارتوف تفكر على الشكل التالي: “إذا انسحب المناشفة أو الاشتراكيون – الثوريون فورًا، فإنهم يعترفون بالتهم المنسوبة إليهم”. وبناء على هذا، من الممكن أن نأمل “بأن يسير المؤتمر في الطريق السليم لإنشاء جبهة ديمقراطية موحدة”. إنه لأمل فارغ! فالثورة لا تسير أبدًا على خط مائل قطري “Diagonale”.

وصرف الجناح اليميني النظر فورًا عن مبادرة مباحثات السلم التي صدق عليها. وأدلي المنشفي خاراش، مندوب الجيش الثاني عشر، الذي يحمل على كتفه نجوم النقيب بالتصريح التالي: “إن الدجالين السياسيين الذين يسيطرون على هذا المؤتمر قالوا لنا، إن من واجبنا تسوية مسألة السلطة، وها هي تسوى من وراء ظهورنا قبل افتتاح المؤتمر. ولكن الطلقات الموجهة في هذه اللحظة إلى قصر الشتاء ليست إلا المسامير التي تغرز في نعش الحزب السياسي الذي جازف بمثل هذه المغامرة…”. وقد رد المؤتمر على دعوة النقيب بضجيج وجلبة.

وحاول الملازم الأول كوتشين الذي تكلم في مؤتمر الدولة الذي انعقد بموسكو باسم الجبهة، حاول هنا أيضًا استخدام سلطة منظمات الجيش فقال: “ينعقد هذا المؤتمر في غير أوانه، كما أنه مشكَّل أيضًا بصورة غير نظامية”. فصاح بعض أصحاب المعاطف الممزقة الذين كتب أفراد الجيش تفويضًا لهم عليها بوحل الخنادق، صاحوا به قائلين: “باسم من تتكلم؟ ومن تمثل؟”. فعدَّد كوتشين أحد عشر جيشًا. ولكن هذا التعداد لا يخدع أحدًا هنا. ففي الجبهة كما في المؤخرة لا يملك الجنرالات التوفيقيون جنودًا. وأضاف الملازم الأول المنشفي قائلاً: “نحن مجموعة الجبهة نتنصل من مسئولية كل الأحداث السابقة والحالية. ونعتبر أن من الضروري تعبئة كل القوى الثورية الواعية لإنقاذ الثورة”. وهذا يعني: الوحدة مع الثورة المضادة ضد السوفييتات. وختم كلمته قائلاً: “لقد صممت مجموعة الجبهة على الانسحاب من المؤتمر. وإننا سنقاتل في الشوارع”.

وصعد ممثلو اليمين على المنصة، واحدًا أثر الآخر. لقد خسروا رعيتهم وكنائسهم، ولكنهم احتفظوا بأجراسها. وهم يسارعون للمرة الأخيرة إلى دق النواقيس المتصدعة. ورفض الاشتراكيون والديموقراطيون الذين اتفقوا بكل الوسائل الشريفة أو الدنيئة مع البرجوازية الإمبريالية، رفضوا اليوم بوضوح التفاهم مع الشعب المتمرد. وقد انكشف حسابهم السياسي القائل بما يلي: سيقلب البلاشفة خلال بضعة أيام. ومن الواجب الانفصال عنهم بأسرع ما يمكن، ومن الواجب أيضًا أن نساعد على قلبهم، والحصول بهذا الشكل وقدر الإمكان على ضمانة لأنفسنا في المستقبل.

وتقدم خينتشوك الرئيس السابق لسوفييت موسكو والذي أصبح فيما بعد سفيرًا للسوفييتات في برلين باسم الجناح اليمين للمناشفة بالبيان التالي: “إن المؤامرة العسكرية للبلاشفة… توقع البلاد في حرب داخلية، وتخرب المجلس التأسيسي، وتهدد بكارثة في الجبهة، وتؤدي إلى انتصار الثورة المضادة”. والمخرج الوحيد لهذا الوضع هو “المباحثات مع الحكومة المؤقتة حول تشكيل سلطة تعتمد على كل شرائح الديمقراطية”. وكان هؤلاء الناس الذين لم يتعلموا شيئًا حتى الآن يقترحون القضاء على الانتفاضة والعودة إلى حكم كرنسكي. ووسط الضجيج والخوار، ووسط الصفير أيضًا، ميزت بالكاد أقوال ممثل الاشتراكيين – الثوريين اليمينيين. وكان رأي حزبه “استحالة قيام عمل مشترك” مع البلاشفة، وتأكيده بأن مؤتمر السوفييتات ذاته الذي استدعي وافتتح من قبل اللجنة التنفيذية المركزية التوفيقية، ليس مؤلفًا بصورة قانونية.

ولم ترهب تظاهرة اليمينيين أحدًا. ولكنها أثارت القلق والإزعاج. وقد نفد صبر أكثرية المندوبين من تصرف الزعماء المدعين والمحدودين الأفق الذين أشبعوهم في بادئ الأمر جملاً وكلمات، ثم مارسوا ضدهم عملية القمع. فهل من الممكن أن يتأهب إتباع دان وخينتشوك وكوتشين أيضًا للقيادة وإعطاء المثل؟ واتهم بيترسون وهو جندي ليتوني نحيل الوجه، عيناه تلمعان، اتهم خاراش وكوتشين بالدجل والمراوغة. “كفانا قرارات وكفانا كلامًا! نريد أعمالاً! نريد السلطة! فليترك المندوبون المحتالون المؤتمر! فليس الجيش معهم!” وقد برد هذا الصوت القوي المنفعل الأفكار في هذا المؤتمر الذي لم يكن يلتقط سوى الشتائم. وسارع بعض رجال الجبهة الآخرين إلى دعم بيترسون. “إن كوتشين وأمثاله يملثون رأي مجموعات صغيرة تجمعت منذ إبريل (نيسان) في لجان الجيش. إن الجيش يطالب منذ وقت طويل بانتخابات جديدة لهذه اللجان”. “إن سكان الخنادق يتمنون من قلوبهم انتقال السلطة إلى أيدي السوفييتات”.

بَيد أن رجال اليمين ما زالوا يحتلون أيضًا بعض المراكز الهامة. وصرح ممثل البوند(1) بأن “كل ما يجري في هذه اللحظة في بتروغراد لهو النكبة الرهيبة”، ودعا المندوبين إلى الانضمام إلى ممثلي مجلس الدوما البلدي الذي يتأهب للذهاب إلى قصر الشتاء وهو أعزل من السلاح كيما يموت فيه مع الحكومة. وقد كتب سوخانوف قائلاً: “وسط الجلبة، يميز المرء عددًا من السخريات بعضها فج غليظ، وبعضها لاذع وخبيث” وقد انخدع الخطيب المحرك للمشاعر على ما يبدو بالجمع الذي استمع إليه. وصاح المندوبون والمدعوون، والحرس الأحمر، والجنود الذين كانوا يقومون بالحراسة خلف الذين خرجوا قائلين: “كفى! أيها الرفاق!” “اذهبوا إلى كورنيلوف! يا أعداء الشعب!”.

ولم يحدث انسحاب رجالات اليمين أي فراغ. ورفض مندوبو الجنود الانضمام إلى الضباط واليونكرز للكفاح ضد العمال والجنود. وانسحبت مجموعات مختلفة من الجناح اليميني، أي حوالي 70 مندوبًا تقريبًا، وهو رقم يعادل أكثر من نصف اليمينيين بقليل. واتخذ المترددون مكانهم إلى جانب المجموعات الوسيطة التي قررت ألا تنسحب من المؤتمر. وإذا لم يكن عدد الاشتراكيين – الثوريين الممثلين لكل التيارات قد تجاوز قبل افتتاح الجلسة 190 عضوًا،  فإن عدد الاشتراكيين – الثوريين اليساريين وحدهم قد ارتفع في الساعات الأولى التي تلت إلى 180 عضوًا؛ فقد انضم إليهم كل الذين لم يكونوا قد قرروا الانضمام بعد إلى البلاشفة، بالرغم من أنهم كانوا مستعدين لدعمهم.

وكان المناشفة والاشتراكيون – الثوريون يبقون في الحكومة المؤقتة أو في أية لجنة تحضيرية للمجلس النيابي مهما تكن الظروف والأحوال. فهل يمكن في الواقع إجراء القطيعة مع المجتمع المثقف؟ ولكن السوفييتات ليس في آخر المطاف سوى جزء من الشعب. والسوفييتات مفيدة لشيء ما، ما دام من الممكن الاعتماد عليها للتفاهم مع البرجوازية. ولكن هل يمكن تصور التساهل مع سوفييتات تدعي بأنها أصبحت سيدة البلاد؟ وقد كتب الاشتراكي – الثوري زينزينوف فيما بعد قائلاً: “بقي البلاشفة وحدهم. واعتبارًا من هذا الوقت بدأوا بالاعتماد على القوة المادية الشرسة فقط”. ومما لا شك فيه أن المبدأ الأخلاقي قد ذهب وهو يصفق الأبواب خلفه، في نفس الوقت ذهاب دان وغوتز. وقد ذهب المبدأ الأخلاقي فيما بعد في موكب حاشد مؤلف من 300 شخص مع مصباحين إلى قصر الشتاء ليصطدم أيضًا بالقوة المادية الشرسة للبلاشفة، وليقاتل تراجعيًّا.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) ج 3