تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر الديكتاتورية السوفييتية جـ 2

0
407

بقي اقتراح مباحثات السلم الذي صدق عليه المؤتمر معلقًا. ولو أن اليمينيين قبلوا فكرة الاتفاق مع البروليتاريا الظافرة، لما سارعوا إلى القطيعة مع المؤتمر. ولا يستطيع مارتوف أن يعتذر عن فهم هذا، ولكنه تعلق بفكرة تسوية استندت إليها كل سياسته؛ فقد أضاف قائلاً: “من الضروري إيقاف إهراق الدماء…”. وصرخ أحدهم في وجهه قائلاً: “ليس كلامك هذا سوى شائعات!”. فرد عليه مارتوف: “إننا لا نسمع هنا الشائعات فقط، فإذا ما اقتربت من النوافذ، فلسوف تسمع طهقات المدافع أيضًا!” إنها لحجة لا يمكن دحضها؛ فعندما يسكت المجلس، تسمع طلقات النيران، وهي لا تسمع على مقربة من النوافذ فقط.

وأدان تصريح مارتوف، المعادي تمامًا للبلاشفة، والذي أصابه العقم في استنتاجاته، أدان الانتفاضة لأنها “تحققت من قبل الحزب البلشفي وحده، وبوسائل مؤامرة عسكرية صرفة”، وطالب بإيقاف أعمال المؤتمر إلى أن يتم التفاهم مع “كل الأحزاب الاشتراكية”. إن الركض بعد ثورة من الثورات وراء مصلحة عدة قوى، أسوأ بكثير من محاولة إمساك المرء بظله!

وفي غضون ذلك ظهر أيوفيه الذي أصبح أول سفير للسوفييتات لدى حكومة برلين في الجلسة، على رأس المجموعة البلشفية في مجلس الدوما البلدي، التي رفضت الذهاب للبحث عن موت مريب تحت جدران قصر الشتاء. وتجمع أعضاء المؤتمر أيضًا لاستقبال الأصدقاء وتقديم التهاني المليئة بالفرح.

ووجد الحزب البلشفي أن من الضروري الرد على مارتوف ببعض الكلمات. وقد أوكلت هذه المهمة لتروتسكي. وقد اعترف سوخانوف قائلاً: “كان موقفه بعد رحيل اليمينيين متينًا جدًا بقدر ما كان موقف مارتوف ضعيفًا”. ووقف الخصوم في المنصة، الواحد إلى جانب الآخر، تحدق بهم من كل الجهات حلقة ضيقة شكلها المندوبون الهائجون إلى حد كبير. وقال تروتسكي: “إن ما حدث هو انتفاضة وليس مؤامرة. ولا تحتاج انتفاضة الجماهير الشعبية إلى تبرير. وقد أعطينا للطاقة الثورية لعمال وجنود بتروغراد جبلتها وصنعنا بصورة مكشفة إرادة الجماهير للانتفاضة ولم نصنعها لمؤامرة عسكرية.. وقد انتصرت انتفاضتنا. وهم يقترحون علينا الآن أن نتخلى عن انتصارنا وأن نعقد معهم اتفاقًا. فمع من نتفق؟ إني أسأل مع من ينبغي علينا أن نتفق؟ أينبغي علينا أن نتفق مع المجموعات الصغيرة البائسة التي خرجت من هنا؟… ولكننا رأيناها جميعًا بكاملها، فهم لا يملكون وراءهم أحدًا في روسيا. أينبغي أن يعقد معهم ملايين العمال والفلاحين، الممثلين في هذه المؤتمر اتفاق الند للند، مع أنهم مستعدون كل الاستعداد، وليس استعدادهم هذا للمرة الأولى، لوضع العمال والفلاحين تحت رحمة البرجوازية؟ كلا، إن الاتفاق هنا لا يساوي شيئًا. وإلى هؤلاء الذين خرجوا من هنا، وإلى كل الذين يتقدمون إلينا باقتراحات مماثلة، علينا أن نقول أنتم منعزلون محزنون، أنتم حثالة، وقد انتهى دوركم فاذهبوا حيث ستكون طبقتكم بعد الآن في قمامة التاريخ!…”.

وصاح مارتوف قائلاً: سنخرج إذن دون انتظار تصويت المؤتمر. وقد كتب سوخانوف وهو يشكو قائلاً: “وشرع مارتوف، وهو ثائر ومنفعل، يشق طريق له من المنصة إلى المخرج. أما بالنسبة لي، فقد بدأت باستدعاء أفراد مجموعتي إلى اجتماع فوق العادة…”. ولم يكن الموضوع موضوع طريق أو منفذ أبدًا. فقد قام بطل الاشتراكية الديمقراطية مارتوف بخطوة إلى الأمام عندما كانت الثورة تتراجع كما حدث في يوليو (تموز). أما الآن فنظرًا لأن الثورة تستعد للوثوب كحيوان مفترس، فإن مارتوف يتراجع، وقد انتزع منه خروج اليمينيين إمكانية القيام بمناورة برلمانية. ووجد نفسه، دفعة واحدة على غير عادته متضايقًا. وسارع مارتوف إلى الانسحاب من المجلس ليحرر نفسه من الانتفاضة. ورد سوخانوف كما استطاع أن يرد. وانقسمت المجموعة إلى قسمين متساويين، وانتصر مارتوف بأربعة عشر صوتًا مقابل أثنى عشر صوتًا.

واقترح تروتسكي على المؤتمر التصديق على قرار يشكل اتهامًا للتوفيقيين بأنهم أعدوا الهجوم المأساوي بتاريخ 18 يونيو (حزيران)، وأنهم دعموا الحكومة التي خانت الشعب، وأنهم أخفوا عن الفلاحين مراوغة الحكومة في المسألة الزراعية، وأنهم ضمنوا نزع سلاح العمال، وأنهم المسئولون عن الإطالة السخيفة للحرب، وأنهم سمحوا للبرجوازية بزيادة حدة الفوضى الاقتصادية، وأنهم عارضوا استدعاء مؤتمر السوفييتات لأنهم فقدوا الثقة بالجماهير. وأخيرًا، قطعوا صلتهم مع السوفييتات بعد أن وجدوا أنهم ليسوا سوى أقلية.

وقدم اقتراح من جديد، والحقيقة، لم يكن لصبر المكتب البلشفي حدود؛ فقد وصل ممثل اللجنة التنفيذية لسوفييتات الفلاحين مكلفًا بدعوة الزراعيين إلى مغادرة هذا المؤتمر “غير المناسب” والذهاب إلى قصر الشتاء “للموت مع أولئك الذين أرسلوا إلى هناك لتحقيق إرادتنا”. وقد أصبحت الدعوات للموت تحت أنقاض قصر الشتاء مزعجة بانتظامها ورتابتها. وقال أحد بحارة أورور الذي حضر إلى المؤتمر بلهجة هازئة بأنه ليس هناك أنقاض، نظرًا لأن الطراد يرمي رميًّا خلبيًّا. وأضاف البحار قائلاً: “استمروا في أعمالكم بهدوء”. وتنفس المؤتمر الصعداء من أقوال هذا البحار الرائع ذي اللحية السوداء الذي يجسد الإرادة البسيطة والملزمة بالانتفاضة. أما مارتوف بأفكاره المتلونة ومشاعره، فإنه ينتمي إلى عالم آخر؛ ولهذا فقد قطع صلاته مع المؤتمر أيضًا.

وقُدم اقتراح آخر كان في هذه المرة نصف ودي. وقال كامكوف صاحب الاقتراح: “لقد انسحب الاشتراكيون – الثوريون اليمينيون، أما نحن اليساريون فقد بقينا”. وقد حيي المؤتمر الذين بقوا. ومع ذلك، فإن الذين بقوا يجدون من الضروري تحقيق جبهة موحدة ثورية، ويعارضون القرار العنيف الذي اقترحه تروتسكي والذي أغلق الأبواب أمام اتفاق مع الديمقراطية المعتدلة.

وفي هذه المرة أيضًا سبق البلاشفة، ويبدو أنهم لم يكونوا أبدًا بمثل هذا الاستعداد لتقديم التنازلات. وأن هذا الموقف لا يثير الدهشة؛ إنهم أسياد الموقف، ولا يحتاجون أبدًا للإلحاح على التعابير. ووقف لوناتشارسكي على المنصة من جديد وقال: “إن وزن المهمة الملقاة على عاتقنا لا تثير أي شك”. وإن توحيد كل العناصر الثورية الديمقراطية فعلاً أمر ضروري. ولكن هل قمنا نحن البلاشفة بأية خطوة تستبعد المجموعات الأخرى؟ ألم نتبنى بالإجماع اقتراح مارتوف؟ وردوا على موقفنا هذا باتهامات وتهديدات، أليس من الواضح أن الذين انسحبوا من المؤتمر “قد أوقفوا نشاطهم التوفيقي وانتقلوا بصورة مكشوفة إلى معسكر الكورنيلوفيين”؟

إن البلاشفة لا يلحون على ضرورة التصويت على قرار تروتسكي فورًا، وهم لا يريدون تعطيل المحاولات التي تمت للحصول على اتفاق على الأساس السوفييتي. وقد طبقت طريقة دروس الأحداث بنجاح، ويرافقها تراشق الرمي بالمدفعية أيضًا! وكما في السابق يكشف تبني اقتراح مارتوف، والتنازل لكامكوف الآن. يكشف فقط عجز الجهود التوفيقية. ومع ذلك فإن الاشتراكيين – الثوريين اليساريين الذين تميزوا عن المناشفة اليساريين لا يغادرون المؤتمر، إنهم يحسون مباشرة بضغط القرية الثائرة على أكتافهم.

ولقد بالغنا في مسايرة بعضنا بعضًا. وشغلت مواقع الانطلاق. وأعطيت استراحة وكان النقاش يدور حول تبني المراسيم الأساسية وإنشاء حكومة سوفييتية؟ مستحيل؛ فما زالت الحكومة القديمة مجتمعة في قصر الشتاء، في قاعة نصف مظلمة حيث حجبت صحيفة قديمة ضوء المصباح الوحيد فيها. وبعد الساعة الثانية صباحًا أعلن “البريزيديوم” تعليق الجلسة لمدة نصف ساعة.

واستخدم المارشالات الحمر بنجاح كل الفترة القصيرة التي منحت لهم. ووقع شيء جديد في مناخ المؤتمر عندما أعيد عقد الجلسة، وقرأ كامنييف رسالة هاتفية وصلته من أنطونوف: استولت قطعات اللجنة العسكرية الثورية على قصر الشتاء، واعتقل كل أعضاء الحكومة المؤقتة، وعلى رأسهم الديكتاتور كيشكين، باستثناء كرنسكي. ومع أن الخبر انتقل فورًا من فم إلى فم فقد كان وقع البيان الرسمي أقوى من وقع صلية مجموعة من المدافع. وقد تم قفز الهوة التي تفصل الطبقة الثورية عن السلطة. وعاد البلاشفة الذين طردوا في يوليو (تموز) من قصر كشيسينسكايا، ودخلوا اليوم كأسياد إلى قصر الشتاء. وليس هناك في روسيا سلطة أخرى غير سلطة هذا المؤتمر. ودوت عاصفة من التصفيق والحماس الممزوجة بالانفعالات والمشاعر: الانتصار والأمل، والخوف أيضًا. ودوت عاصفة أخرى من التصفيق المشوب بالانفعال. لقد تمت العملية! إن أكثر موازين القوى ملاءمة يُخفي بعض الأمور غير المتوقعة. ويصبح الانتصار مؤكدًا عندما تؤسر هيئة أركان العدو.

وعدَّد كامنييف بصوت مهيب أسماء الشخصيات المعتقلة. وانتزع ذكر الأسماء المعروفة صياحًا معاديًا أو هازئًا. وكان هذا الجمع الغفير يسمع اسم تيريشتشنكو الذي كان يدير المصائر الخارجية لروسيا بحنق خاص. ولكن أين كرنسكي؟ كرنسكي؟ من المعروف أنه كان يمارس فن الخطابة في الساعة العاشرة صباحًا دون نجاح كبير، أمام حامية غاتشينا. “فإلى أين ذهب فيما بعد؟” إننا لا نعرف بالضبط، لقد ذهب إلى الجبهة حسب رواية بعض الشائعات.

ولم يستشعر رفقاء الطريق إلى الانتفاضة الراحة؛ فقد أحسوا بأن سلوك البلاشفة سيكون بعد الآن أكثر حزمًا. واحتج أحد المشتركين – الثوريين اليساريين على اعتقال الوزراء الاشتراكيين. وأطلق ممثل الأمميين الموحدين الإنذار التالي: لا يجوز على كل حال أن يكون وزير الزراعة ماسلوف في نفس السجن المنفرد الذي آواه في ظل الملكية. فرد عليه تروتسكي الذي أوقف في عهد ماسلوف في سجن كرستي، كما اعتُقل في السجن ذاته في عهد نيقولا: “إن اعتقاله مسألة سياسية، لا مسألة انتقام؛ وقد أملتها… اعتبارات عقلانية. وينبغي أن تحال الحكومة إلى المحكمة، أولاً لاتصالها الذي لا جدال فيه مع كورنيلوف… إن الوزراء الاشتراكيين وحدهم هم الذين ستفرض عليهم الإقامة الجبرية بمنازلهم”. وكان من الأسهل والأصح القول بأن اعتقال الحكومة القديمة أملته ضرورات معركة لم تنته بعد. إن الهدف هو القضاء سياسيًّا على المعسكر المعادي لا الاقتصاص منه على الإساءات السابقة.

وقضي على الاستجواب البرلماني حول موضوع الاعتقالات بواقعة ذات أهمية أكبر: لقد انضمت كتيبة الدراجات النارية الثالثة التي أمرها كرنسكي بالزحف إلى بتروغراد إلى الشعب الثوري! وقد بدا أن هذا الخبر الملائم إلى حد كبير يفتقر إلى الصحة. وقد كان الأمر كذلك:؛ فقد انضمت للانتفاضة قوة منتقاة، وهي أول قوة أفرزت من الجبهة، وتم الانضمام قبل أن تصل إلى العاصمة. وإذا كان المؤتمر قد أظهر بعض الاعتدال، وسط فرحته بمعرفة اعتقال الوزراء، إلا أن عاصفة من الحماس الآن سيطرت عليه دون أي تحفظ.

وظهر على المنصة مفوض تساركويه – سيلا البلشفي إلى جانب مندوب كتيبة الدراجات النارية، وقد وصل كلاهما لتقديم تقرير إلى المؤتمر. “إن حامية تساركويه – سيلا تحرس مشارف بتروغراد”. وغادر أنصار الدفاع الوطني مجلس السوفييت. “ووقع كل العمل علينا وحدنا”. وعندما علم سوفييت تساركويه – سيلا بقرب وصول راكبي الدراجات، استعد للمقاومة. ولكن الإنذار تبدَّى لحسن الحظ إنذارًا لا جدوى منه؛ “فلم يكن هناك بين راكبي الدراجات النارية خصوم لمؤتمر السوفييتات”. وقيل بأن كتيبة أخرى ستصل فورًا إلى تساركويه – سيلا؛ فتأهبنا لاستقبالها وديًّا. وشرب المؤتمر هذا التقرير وكأنه يشرب الحليب.

واستقبل ممثل راكبي الدراجات بعاصفة مدوية من التصفيق أعقبتها عاصفة أقوى. فقد أرسلت الكتيبة الثالثة من الجبهة الشمالية الغربية إلى الشمال بأمر بَرقي: “الدفاع عن بتروغراد”. وسار راكبو الدراجات و”عيونهم معصوبة” لأنهم لم يتكهنوا بالهدف من ذهابهم إلا بصورة غامضة. وفي بيريدولسكايا اصطدموا بنسق تابع لكتيبة الدراجات الخامسة أرسل أيضًا للزحف إلى العاصمة. وفي اجتماع مشترك انعقد في المحطة ظهر “أنه لا يوجد جندي واحد بين راكبي الدراجات يوافق على الزحف ضد إخوانه”. واتخذوا القرار المشترك التالي: عدم الخضوع للحكومة. وقال أحد جنود كتيبة الدراجات ما يلي: “إنني أصرح لكم بشكل ملموس بأننا لن نعطي السلطة لحكومة يرأسها البورجوازيون والملاكون النبلاء!” وكانت كلمة “بشكل ملموس” التي أدخلتها الثورة في الاستخدام الشعبي ذات رنة في تلك اللحظة!

ألم يهدد المؤتمر منذ وقت قصير بتأديب الجبهة له، ومن على نفس المنصة؟ أما الآن، فقد قالت الجبهة ذات كلمتها “بشكل ملموس” فإذا خربت لجان الجيش المؤتمر، وإذا كانت كتلة الجنود قد نجحت استثنائيًّا بإرسال مندوبيها، وإذا كانت بعض الأفواج والفرق لم تتعلم حتى الآن التمييز بين البلشفي والاشتراكي – الثوري، فلا أهمية لكل هذا! إن الصوت الذي جاء من بيريدولسكايا هو الصوت الحقيقي، والصوت المنزه، والصوت الذي لا يدحض للجيش. وليس هناك أي اعتراض على هذا القرار. وقد فهم البلاشفة وحدهم في الوقت الملائم بأن طباخ كتيبة الدراجات يمثل الجبهة بصورة أفضل بكثير من كل أتباع خاراش وكوتشين مع أوراق التفويض المهترئة التي يحملونها. وحدث في المناخ الفكري للمندوبين تحول مفاجئ، كثير المعاني. وقد كتب سوخانوف قائلاً: “بدأنا نحس بأن المسألة تسير وحدها وبصورة ملائمة، وأن المخاطر التي أعلن عنها اليمين لا تبدو رهيبة بالشكل الذي أعلنه، وأن بوسع الزعماء أن يتغلبوا في اللحظات القادمة”.

وكانت هذه اللحظة هي الوقت الذي اختاره المناشفة اليساريون الذين يستحقون الرثاء للتذكير بوجودهم. ولاحظ الجميع أنهم لم يخرجوا بعد من المؤتمر؛ فقد كانوا يناقشون في مجموعتهم مسألة معرفة سلوكهم الذي ينبغي التقيد به. وكان كابيلنسكي المكلف بإعلان القرار المتخذ، والذي يحاول جاهدًا جر المجموعات المترددة، قد وجد أخيرًا أكثر الدوافع صراحة للقطيعة مع البلاشفة: “تذكروا أن بعض القطعات تتقدم إلى بتروغراد. إننا مهددون بكارثة”. فرد عليه الحاضرون “كيف؟ أما زلتم هنا في المؤتمر”. وانطلقت هذه الأصوات من مختلف أنحاء القاعة. “ولكنكم خرجتم مرة!” واتجه المناشفة إلى الباب مشكلين مجموعة صغيرة مصحوبين بصيحات الاستنكار والازدراء. وصرح سوخانوف بلهجة بائسة “خرجنا بعد أن أطلقنا أيدي البلاشفة تمامًا وتنازلنا لهم عن كل أرض الثورة”. ولو أن الذين تحدث عنهم سوخانوف لم يذهبوا لبقي شيء قليل. وعلى كل حال، إنهم يغرقون. وأن مد الأحداث وأمواجها الهادرة سيبتلعهم بلا شفقة ولا رحمة.

وحان الوقت للمؤتمر أن يوجه نداءً للشعب، ولكن الجلسة مستمرة تشغلها الاقتراحات. ولم تدخل الأحداث أبدًا في جدول الأعمال. وفي الساعة 5.17 صباحًا تسلق كريلنكو المنصة وهو يترنح من التعب وبيده برقية: إن الجيش الثاني عشر يحيي مؤتمر السوفييتات ويعلن له تشكيل لجنة عسكرية ثورية استلمت قيادة الجبهة الشمالية. وتحطمت المحاولات التي قامت بها الحكومة للحصول على مساعدة مسلحة أمام مقاومة القطعات. وخضع الجنرال تشيريميسوف القائد العام للجبهة الشمالية لسلطة اللجنة. وقدم تويتنسكي مفوض الحكومة المؤقتة استقالته وانتظر إرسال بديله. وصرحت وفود الوحدات التي أرسلت إلى بتروغراد وفدًا بعد آخر للجنة العسكرية الثورية بأنها انضمت إلى حامية بتروغراد. وقد كتب جون ريد ما يلي: “لقد وقع شيء لا يمكن تخيله: كان الناس يبكون من الفرح وهم يتعانقون”.

وأتيحت أخيرًا للوناتشارسكي إمكانية قراءة نداء موجه إلى العمال والجنود والفلاحين بصوت عالٍ، ولكنه لم يكن مجرد نداء؛ فقد اقترحت الوثيقة التي كتبت على عجل، وعرضت كل ما جرى، وكل ما يتوقع أن يجري، اقترحت هذه الوثيقة مسبقًا بداية نظام دولة جديدة. “وانتهت السلطات الكاملة للجنة التنفيذية المركزية التوفيقية، وعُزلت الحكومة المؤقتة، واستلم المؤتمر السلطة”. وستقترح الحكومة السوفييتية سلمًا فوريًّا، وستسلم الأرض للفلاحين، وستطبع الجيش بالطابع الديموقراطي، وستضع رقابة على الإنتاج، وستستدعي المجلس التأسيسي في الوقت الملائم، وستمنح شعوب روسيا حق تقرير مصيرها بنفسها. “وقرر المؤتمر تسليم السلطة للسوفييتات في كل المديريات”. وأثارت كل جملة قيلت في المؤتمر عاصفة من التصفيق. “أيها الجنود احترسوا وانتبهوا! يا عمال السكك الحديدية، أوقفوا كل القوافل التي أرسلها كرنسكي إلى بتروغراد!… إن مصير الثورة ومصير السلم الديموقراطي بين أيديكم!”.

وتحرك الفلاحون عندما سمعوا بتسليم الأرض. ولا يمثل المؤتمر -حسب النظام- إلا سوفييتات العمال والجنود. ولكنه يتضمن أيضًا مندوبين عن مختلف سوفييتات الفلاحين: يطالب هؤلاء الفلاحون الآن بأن يشار إليهم في الوثيقة. ومنحوا فورًا حق التصويت. ووقع ممثل سوفييت فلاحي بتروغراد النداء “باليدين والقدمين”. وأعلن برزين عضو اللجنة التنفيذية لافكسانتييف، هذا العضو الذي سكت حتى تلك اللحظة أنه من أصل 68 سوفييتًا من سوفييتات الفلاحين الذين ردوا على التحقيق البرقي، أيد نصفها سلطة السوفييتات، وأيد النصف الآخر انتقال السلطة إلى المجلس التأسيسي. فإذا كان هذا هو المناخ الفكري لسوفييتات المناطق، التي يتألف نصفها من الموظفين، فهل يمكن الشك بأن المؤتمر الفلاحي المقبل سيدعم السلطة السوفييتية؟

وقد أرعب النداء بعض رفاق الطريق بطابعه الذي لا يقاوم، بعد أن جمع مندوبي الجنود ووحدهم بصورة أوثق. وقامت بعض المجموعات الصغيرة بالعرض من جديد أمام المنصة. وحدثت القطيعة مع المؤتمر، قطيعة مجموعة صغيرة من المناشفة، ممن هم أكثر يسارية من الآخرين. وخرجوا ولكن للاحتفاظ بإمكانية إنقاذ البلاشفة قائلين: “لو تصرفنا بشكل آخر، فسوف تخسرون أنفسكم، وتخسروننا أيضًا، وتخسرون الثورة”. وأيد لابينسكي ممثل الحزب الاشتراكي البولوني تصريح مارتوف الذي قال فيه: “لن يستطيع البلاشفة الإفادة من السلطة التي استولوا عليها”، وزعم أنه بقي في المؤتمر ولم ينسحب منه “للدفاع عن وجهة نظره حتى النهاية”. وامتنع الحزب العمالي اليهودي عن التصويت. وحذا الأمميون الموحدون حذوهم. ومع كل هذا، كم يمثل كل هؤلاء “الموحدين” معًا؟ وقد أيد كل الأعضاء النداء وعارضه صوتان، وامتنع 12 عضوًا عن التصويت! ولم يكن لدى المندوبين أية قوة للتصفيق.

ورفعت الجلسة أخيرًا في الساعة السادسة. وأفاقت المدينة على صباح خريفي رمادي وبارد. وتلألأت في الشوارع التي أضاءت تدريجيًّا البقع الحمراء الملتهبة لجذعات الحطب التي أشعلها الساهرون طوال الليل. وكانت الوجوه الكالحة للجنود والعمال المسلحين بالبنادق منفعلة وغير عادية. ولو توفر علماء الأرصاد الجوية في بتروغراد، لتمكنوا من ملاحظة دلائل هامة في خريطة الأجرام السماوية.

واستيقظت العاصمة في ظل سلطة جديدة. واندفع عامة الناس والموظفون، والمثقفون، الذين يعيشون بعيدين عن مسرح الأحداث إلى الصحف منذ الصباح ليعرفوا إلى أية ضفة ألقى بهم مد الأحداث التي وقعت في الليل. ولم يكن من السهل إيضاح ما حدث. وفي الحقيقة كانت الصحف تتحدث عن استيلاء المتآمرين على قصر الشتاء واعتقال الوزراء، وكأنها تتحدث عن حادثة طارئة في تاريخ البلاد. لقد ذهب كرنسكي إلى هيئة الأركان العليا، وستقرر الجبهة مصير السلطة. ونقلت التقارير الصحفية عن المؤتمر تصريحات اليمينيين فقط، وعددت أسماء المنسحبين منهم، ونددت بعجز الذين لم ينسحبوا من المؤتمر. واتسمت المقالات السياسية التي كتبت قبل الاستيلاء على قصر الشتاء بتفاؤل لا تشوبه أية شائبة.

وكانت الشائعات في الشوارع غير متطابقة أبدًا مع لهجة الصحف؛ فالوزراء في نهاية المطاف مسجونون في القلعة، وليست هناك أية تعزيزات تحركت من جانب كرنسكي. وتحرك الموظفون والضباط، وأخذوا يعقدون اجتماعات سرية. وتبادل الصحفيون والمحامون النداء بالهاتف. وحاولت هيئات تحرير الصحف جمع أفكارها وتركيزها. وقال حكماء الصالونات: ينبغي تطويق المغتصبين بحصار من الازدراء العام. وأصبح الباعة في وضع لا يستطيعون معه أن يقرروا متابعة البيع والشراء أم يمتنعوا عن ذلك. وقد أمرت السلطات الجديدة بمتابعة النشاط التجاري ففتحت المطاعم. وعادت حافلات الترام إلى حركتها الطبيعية. وانتظرت المصارف وسط إحساسات سيئة. ورسمت آلات تسجيل البورصة منحنيات متقلبة. فمن الطبيعي أن البلاشفة لن يصمدوا مدة طويلة ولكنهم سيسببون لنا نكبات كثيرة قبل أن يسقطوا.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر الديكتاتورية السوفييتية جـ 1