تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر الديكتاتورية السوفييتية جـ 3

0
215

وقد كتب كلود آني -الصحفي الرجعي الفرنسي- في ذلك اليوم: “استهل المنتصرون أغنية الانتصار، وإنهم لعلى حق؛ فقد عملوا وسط كل هؤلاء الثرثارين… وإنهم يجمعون اليوم غلتهم. مرحى لكم! إنه لعمل جميل!” ولكن المناشفة قدروا الوضع بصورة مغايرة تمامًا. فقد كتبت صحيفة دان تقول: “مضت أربع وعشرون ساعة على “انتصار” البلاشفة، وقد بدأت الحتمية التاريخية تنتقم منهم بصورة قاسية… إن حولهم الآن فراغًا خلقوه بأنفسهم… إنهم معزولون عن الجميع… ويرفض كل جهاز الموظفين والتقنيين أن يعمل في خدمتهم… إنهم… ينهارون في لحظة انتصارهم ذاتها ويسقطون في الهاوية…”.

وكانت الدوائر الليبرالية والتوفيقية تؤمن بصورة غريبة بأن البلاشفة سيعفون عنهم؛ وقد شجعها على هذا الاعتقاد التخريب الذي مارسه الموظفون. وتحدثت هذه الدوائر وكتبت عن البلاشفة بلغة أيام يوليو (تموز): “يا مرتزقة غليوم!”، “إن جيوب رجال الحرس الأحمر مملوءة بالماركات الألمانية”، “إن الضباط الألمان يقودون الانتفاضة”… وكان من واجب السلطة الجديدة أن تبرهن لهؤلاء الناس على قوة قبضتها قبل أن يبدءوا بالإيمان بقوتها. فمنعت أكثر الصحف اندفاعًا منذ ليلة 25/ 26. وصودرت بعض الصحف الأخرى في خلال يوم 26. ولم يشمل المنع الصحافة الاشتراكية في ذلك اليوم: كان من الواجب إعطاء الاشتراكيين – الثوريين اليساريين، وبعض عناصر الحزب البلشفي فرصة الاقتناع بعدم صلابة الآمال بائتلاف مع الديمقراطية الرسمية.

وطور البلاشفة انتصارهم وسط التخريب والفوضى. واهتمت هيئة أركان مؤقتة شكلت ليلاً بالدفاع عن بتروغراد في حالة قيام هجوم من كرنسكي. وأرسل جنود الإشارة العسكريون إلى مركز الهاتف الذي بدأ فيه الإضراب. ودعيت الجيوش لإنشاء لجانها العسكرية الثورية. وأرسلت إلى الجبهة والمناطق مجموعات من المحرضين والمنظمين الذين أصبحوا جاهزين بعد الانتصار. وكتبت الصحيفة الناطقة باسم الحزب: “لقد أدلى سوفييت بتروغراد برأيه، وجاء دور السوفييتات الأخرى”.

وفي بحر اليوم وصل خبر أثار الاضطراب بصورة خاصة وسط الجنود: لقد فر كورنيلوف. وفي الحقيقة، كان هذا الأسير الوجيه، الذي أقام في بيخوف تحت حراسة رجاله الأمناء من التيك، والذي كانت هيئة أركان كرنسكي العليا تطلعه على مجريات كل الأحداث، كان هذا الأسير قد قرر بتاريخ 25 بأن المسألة تتخذ انعطافًا جديًّا، وترك سجنه الوهمي دون أقل صعوبة. وتأكد الاتصال من جديد بين كرنسكي وكورنيلوف، وأصبح واضحًا في أنظار الجماهير. وقد أبرقت اللجنة العسكرية الثورية إلى الجنود والضباط الثوريين تطلب منهم اعتقال هذين القائدين العامين القديمين وتسليمهما لها عند اعتقالهما فورًا.

وقد أصبح معهد سمولني الآن مركز كل وظائف العاصمة والدولة، كما كان قصر توريد في فبراير (شباط)؛ إذ تمركزت فيه كل المؤسسات الحاكمة. وانطلقت منه كل القرارات، أو كان الجميع يبحثون عن القرارات فيه. وكان الجميع يطالبونه بالسلاح، وفيه تسلم الأسلحة والمسدسات المصادرة من الأعداء. وكان الثوار يحضرون إليه الشخصيات الموقوفة من مختلف أنحاء المدينة. وتجمع فيه كل أولئك الذين وجهت إليهم الإهانات والشتائم فجاءوا إلى القصر يطالبون بالعدل. وكان الجمهور البورجوازي وخوذيو العربات، الذين دب الهلع إلى نفوسهم يحيطون قصر سمولني مشكلين حوله دائرة واسعة.

إن السيارة رمز السلطة وهي أقوى من الصولجان والكرة. وكانت السيارات في ظل نظام ازدواجية السلطات موزعة بين الحكومة، واللجنة التنفيذية المركزية، والأفراد. أما الآن، فإن كل الآليات المصادرة قد سلمت إلى معسكر الانتفاضة. وأصبحت دائرة سمولني أشبه بمرآب ريفي هائل. وكانت تفوح من أفضل السيارات رائحة كريهة لمحروقات سيئة. وكانت الدراجات النارية تهز الأرض بملل وبتهديد مع حلول الظلام. وكانت السيارات المصفحة تزمجر بمنبهها. وكان سمولني أشبه بمصنع، ومحطة، ومركز طاقة للانتفاضة.

وانتشر على أرصفة الشوارع المجاورة سيل هادر من الأشخاص. وكانت جذعات الحطب تشتعل أمام الأبواب الداخلية والخارجية. وكان العمال المسلحون والجنود يفتشون إجازات المرور على أضوائها المتذبذبة. واهتزت بعض الآليات المصفحة في الباحة بتشغيل محركاتها. لم تكن الآلات والأشخاص تريد التوقف. وكانت الرشاشات رابضة على كل مدخل، وحولها شرائط الذخيرة بأعداد هائلة. وكانت الممرات الطويلة والقاتمة والمضاءة بأنوار باهتة تدوي بضجيج الخطوات، ونداءات التعجب، والدعوات. وكان القادمون والخارجون يتوافدون إلى السلالم الواسعة بعضهم يتسلقها صاعدًا، وبعضهم الآخر نازلاً. ويصطدم بهذه الكتلة من السائل البشري أفراد من أصحاب السلطة الذين نفد صبرهم، ومناضلو سمولني، والمراسلون، والمفوضون، الذين يمدون أيديهم التي تمسك بتفويض أو أمر، وهم يحملون البندقية على الكتف مربوطة بحبل خفيف، أو يحملون محفظة خفيفة تحت الذراع.

لم تنقطع اللجنة العسكرية الثورية عن العمل لحظة واحدة، واستقبلت المندوبين، والمراسلين، والمخبرين الذين جاءوا طواعية، وبعض الأصدقاء المتجردين، وبعض الأنذال، وأرسلت بعض المفوضين إلى كل أنحاء العاصمة، ووضعت أختامًا لا حصر لها على الأوامر وشهادات السلطة، وقد تم كل هذا عبر طلبات المعلومات المتقاطعة، والبيانات العاجلة، والنداءات الهاتفية وصليل السلاح. وكان الرجال الذين انهدت قواهم، ولم يناموا ولم يأكلوا منذ وقت طويل، ولم يحلقوا ذقونهم، وارتدوا ألبسة وسخة، وتطاير الشرر من عيونهم، كان هؤلاء الرجال يصيحون بصوت أبح، ويقومون بإشارات مبالغ بها. ويبدو أن هؤلاء الرجال لم يسقطوا على الأرض بلا حركة من شدة الإعياء بفضل المناخ الحماسي الذي جعلهم يقاومون كل أنواع الإجهاد وحملهم على جناحيه الجبارين.

وسار بعض المغامرين، وبعض الفاسقين، وبقايا الأنظمة القديمة مع اتجاه الريح، وحاولوا الدخول إلى سمولني. ووجد بعضهم وسيلة للدخول. كانوا يعرفون بعض الأسرار الصغيرة للإدارة: من يملك مفاتيح المراسلات الدبلوماسية، كيف تكتب الوصلات لدفع الأموال، أين يمكن الحصول على المحروقات أو الآلات الكاتبة، وأين تحفظ بصورة خاصة أفضل خمور القصر. ولم يدخل هؤلاء السجن أو يقتلوا بطلقة مسدس بعد قيامهم بأول محاولة دنيئة بل استطاع بعضهم القيام بأكثر من محاولة.

ولم تعط أبدًا منذ أن تكوَّن هذا العالم مثل تلك الأوامر شفويًّا وبالقلم الرصاص وعلى الآلة الكاتبة، وهاتفيًّا وكان كل أمر يلحق بأمر آخر -ألوف وعدد لا يحصى من الأوامر- ولم ترسل هذه الأوامر دائمًا من قبل أولئك الذين كان يحق لهم إصدارها، ونادرًا ما استلمت من قبل أولئك الذين يسمح لهم وضعهم بتنفيذها. ولكن المعجزة تمثلت في أنه وسط هذه الدوامة الجنونية، ظهر وعي عميق، وبذل الناس كل ما في وسعهم ليفهم بعضهم البعض الآخر. ونفذ المهم والضروري على كل حال، ومدت الخطوط الأولى لقيادة جديدة بغية الحلول محل جهاز القيادة القديم؛ كانت الثورة تتعزز وتتقوى.

وعملت اللجنة المركزية للبلاشفة خلال اليوم في سمولني، وكان الهدف تشكيل الحكومة الجديدة لروسيا. لم يوضع أي محضر لاجتماعات أو بالأحرى لم يحتفظ بأي محضر لذلك. ولم يهتم أحد بمؤرخي المستقبل، مع أن الأحداث كانت تعد لهم كثيرًا من المشاغل والاهتمامات. وفي الجلسة المسائية للمؤتمر، كان على المجلس إنشاء مجلس وزراء. فهل نعين وزراء؟ إن هذه الكلمة كلمة مشبوهة! إنها توحي بأعلى مهنة بيروقراطية؛ إذ تشكل تتويجًا لطموح برلماني. وتقرر تسمية الحكومة: “مجلس مفوضي الشعب” فلهذه التسمية على كل حال شكل جديد. ونظرًا لأن المباحثات عن ائتلاف “كل الديمقراطية” لم يؤد إلى أية نتيجة حتى تلك اللحظة؛ فإن مسألة تأليف الحكومة، سواء تجاه الحزب أم تجاه الشخصيات قد تبسطت. فكان الاشتراكيون – الثوريون اليساريون يتغنجون وينكمشون على أنفسهم، فما كادوا يقطعون صلتهم بحزب كرنسكي حتى أصبحوا يجهلون ماذا سيفعلون. وتبنت اللجنة المركزية اقتراح لينين بوصفه الاقتراح الوحيد الذي يمكن قبوله؛ تشكيل حكومة من البلاشفة فقط.

وجاء مارتوف في خلال هذه الجلسة للدفاع عن قضية الوزراء الاشتراكيين المعتقلين. وقد أتيحت له الفرصة قبل فترة قصيرة للتدخل لدى الوزراء الاشتراكيين لإطلاق سراح البلاشفة. ودارت عجلة الزمان الآن دورة رائعة. وأكدت اللجنة المركزية بواسطة أحد أعضائها الذين انتدبتهم للتفاوض مع مارتوف، وهو كامنييف من دون شك، أكدت اللجنة المركزية بأن الوزراء الاشتراكيين ستفرض عليهم الإقامة الجبرية في منازلهم، وتشير كل الظواهر إلى أن اللجنة المركزية نسيت أن تفكر في وضعهم، وسط كثير من المسائل الأخرى، أو أنهم تخلوا عن امتيازاتهم حتى أنهم تقيدوا في حصن تروبتسكي بمبدأ التضامن الوزاري.

وافتتحت جلسة المؤتمر في الساعة التاسعة مساء. “وكانت الصورة مختلفة بعض الشيء عن صورة الأمس. سلاح أقل، وتجمعات أقل”. ووصف سوخانوف المؤتمر بهذه الكلمات لا بصفته مندوبًا كأحد المندوبين، ولكن بصفته إنسانًا اختلط بالعامة، ووجد بينهم مكانًا له. وكان من الواجب تقرير مسائل السلم والأرض والحكومة في هذه الجلسة. وهكذا كانت المسائل لا تتجاوز ثلاث مسائل: إنهاء الحرب، إعطاء الأرض للشعب، إقامة الديكتاتورية الاشتراكية. وبدأ كامنييف بقراءة تقرير عن الأعمال التي قام بها المكتب خلال اليوم؛ فقد تم إلغاء عقوبة الإعدام في الجبهة، التي أعادها كرنسكي، وأعيدت حرية التحريض السياسي. وأعطيت الأوامر لإخلاء سبيل الجنود الذين اعتقلوا بجرائم تتعلق بحرية الرأي، وأطلق سراح أعضاء اللجان الزراعية. واستدعي كل مفوضي الحكومة المؤقتة. وأعطى الأمر لاعتقال كرنسكي وكورنيلوف وتسليمها بعد الاعتقال. ووافق المؤتمر وأقر كل هذه الإجراءات.

ومن جديد، برهنت مختلف أنواع بقايا العهد البائد على وجودها أمام مؤتمر يتسم بالروح العدوانية، وقد نفد صبر أعضائه، وأعلن البعض بأنهم سينسحبون -“في ساعة انتصار الانتفاضة لا في ساعة الهزيمة”- وعلى العكس، تبجح الآخرون بالبقاء. وطالب ممثل عمال مناجم الدونيتز باتخاذ التدابير اللازمة لكيلا يوقف كاليدين شحن الفحم إلى الشمال. ومضى بعد ذلك وقت طويل قبل أن تتعلم الثورة اتخاذ التدابير الواسعة بهذا الشكل. وقد أمكن في نهاية الأمر الانتقال إلى الفقرة الأولى من جدول الأعمال.

وأخذ لينين الذي لم يره المؤتمر بعد الكلام لمعالجة مسألة السلم. وقد أثار ظهوره على المنصة عاصفة من التصفيق المستمر. ونظر مندوبو الخنادق بعيونهم إلى الرجل الغامض الذي علمهم التوفيقيون ازدراءه، فتعلموا كيف يحبونه دون أن يعرفوه. وأمسك لينين بأطراف المنبر بينما أخذت عيناه الراعشتان تتجولان في هذا الجمع الحاشد بصورة تدل على أنه لا يحس بهذا التكريم الرائع وموجة التصفيق الحاد التي استمرت عدة دقائق. وعندما انتهت هذه الموجة قال ببساطة: “سننتقل الآن إلى بناء المجتمع الاشتراكي”.

ولا أثر الآن لمحاضر جلسات المجلس. فقد انسحب المختزلون البرلمانيون الذين دعوا لتسجيل المناقشات، وكان خروجهم من سمولني مع خروج المناشفة والاشتراكيين – الثوريين، وكان عملهم هذا أول عمل من أعمال التخريب. وضاعت الملاحظات التي أخذها أمناء السر نهائيًّا في غمرة الأحداث. ولم يبق إلا التقارير السرية والمغرضة التي نقلتها الصحف والتي كتبت تحت هدير المدفعية، أو عبر صرير أسنان المعركة السياسية. وتعرضت تقارير لينين لهذا الوضع ذاته؛ فلم تكن التقارير ذاتها نظرًا لسرعة إيقاعها، ونظرًا لتعقد بناء المراحل، حتى في أكثر الظروف ملاءمة، صالحة بسهولة لكي تكتب عنها بعض الملاحظات. ولا نجد أي أثر للجملة التي افتتح بها لينين خطابه، تلك الجمة التي نقلها جون ريد من شفتي لينين، في أي تقرير صحفي. ولكنها تتفق مع ما في ذهن الخطيب وفكره تمامًا. ولا يمكن لريد أن يخترعها. وبهذه الكلمة بدأ لينين حديثه أمام مؤتمر السوفييتات ببساطة وبدون شقشقة كلامية وبثقة لا تقاوم: “سننتقل الآن إلى بناء النظام الاشتراكي”.

ولكن ينبغي أن ننهي الحرب لهذا الغرض. وكان لينين قد أطلق الشعار التالي منذ حياته كمهاجر في سويسرا: “تحويل الحرب الإمبريالية إلى حرب أهلية”. والآن ينبغي أن نحول الحرب الأهلية الظافرة إلى السلم. وبدأ لينين مباشرة بقراءة مشروع بيان كي تنشره الحكومة التي ينبغي أن تنتخب. وكانت آذان أعضاء المؤتمر صاغية لدى قراءة كل كلمة من الوثيقة(2).

“إن حكومة العمال والفلاحين المنبثقة عن ثورة 24 – 25 أكتوبر (تشرين الأول) (6 – 7 نوفمبر (تشرين الثاني) والمعتمدة على سوفييتات مندوبي العمال والجنود والفلاحين تقترح على جميع الشعوب والحكومات المتحاربة الشروع فورًا في مفاوضات تهدف إلى تحقيق سلم ديموقراطي عادل”. ودعا البيان إلى السلم دون “ضم”، وإلى رفض كل أنواع الدمج أو الضم والتعويضات. “وتعني الحكومة من الدمج أو احتلال الأراضي -استنادًا إلى مفهوم الحقوق الديمقراطية بشكل عام وحقوق الطبقات العاملة بشكل خاص- كل عملية يتم فيها ضم قومية صغيرة أو ضعيفة إلى دولة كبيرة وقوية بدون التعبير الإرادي والواضح والمحدد عن موافقتها، ورغبتها في ذلك أيًّا كان موعد حدوث هذا الدمج القسري، ومهما كان المستوى الحضاري للأمة التي دمجت بالقوة أو فصلت عن حدود دولة أخرى، ولا يؤثر في ذلك إذا كانت هذه الأمة في أوربا أو في البلدان البعيدة فيما وراء البحار”. “وفي الوقت نفسه فإن الحكومة تعلن أنها لا تعتبر أبدًا شروط السلم المشار إليها إنذارًا؛ فهي تقبل دراسة كل شروط السلم الأخرى. وتؤكد فقط على قبول اقتراحاتها هذه من قبل أية دولة محاربة بأسرع وقت ممكن لكي تصاغ هذه الاقتراحات بمنتهى الوضوح، ودون أي التباس ودون طبعها بأي طابع سري”.

“وقد ألغت حكومتنا الثورية أساليب الدبلوماسية السرية، وهي تعلن من جهتها عن عزمها على القيام بجميع المفاوضات بصورة واضحة ومكشوفة أمام الشعب كله، وسوف تعمل فورًا على نشر النصوص الكاملة لجميع المعاهدات السرية التي صادقت عليها، أو وقعت عليها حكومة الإقطاعيين والرأسماليين، منذ فبراير (شباط) حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) 1917. وأن الحكومة ترفض فورًا وبصورة مطلقة كل بنود هذه المعاهدات السرية، الهادفة في معظمها إلى إتاحة المزيد من الفوائد والامتيازات لكبار ملاكي الأرض والرأسماليين الروس، وإلى المحافظة على المكاسب أو زيادة التوسع الذي حققه الروس الكبار”. واقترحت الحكومة للبدء بالمفاوضات تحديد هدنة مدتها ثلاثة أشهر على الأقل. وقد وجهت حكومة العمال والفلاحين اقتراحاتها بآن واحد “إلى حكومات وشعوب جميع البلدان المتحاربة… وتتوجه بدعوتها في الوقت ذاته وبنوع خاص إلى العمال الواعين في الأمم الثلاث الأكثر إخلاصًا للإنسانية، والتي هي في الوقت نفسه المساهمة الكبرى في الحرب الحالية؛ إنكلترا وفرنسا وألمانيا. ونحن واثقون من أن عمال هذه البلدان سيعاونوننا بنشاطاتهم المتعددة وتصميمهم، وطاقتهم، وتجردهم، على إنجاح قضية السلم، وعلى إنجاح قضية تحرير الجماهير العاملة والمستثمرة بكل أساليب الاستثمار والاستعباد في الوقت ذاته”.

واكتفى لينين ببعض التفسيرات القصيرة لنص البيان قائلاً: “إننا لا نستطيع أن نتجاهل الحكومات، لأن تجاهلها سيؤخر إمكانية عقد السلم… ولكننا لا نملك الحق في الوقت ذاته من إهمال توجيهه إلى الشعوب. ففي كل مكان نجد أن الحكومات والشعوب ليست على وفاق تام، ومن واجبنا مساعدة الشعوب على التدخل في مسألتي الحرب والسلم”. “وسندافع بالتأكيد وبكل الوسائل عن برنامجنا للسلم دون ضم أو تعويضات”، ولكننا لن نفرض شروطنا كإنذار، محترسين من أن نعطي للحكومات مبررًا سهلاً لرفض المحادثات. وسنفحص كل الاقتراحات الأخرى. “سنفحص كل الشروط، وهذا لا يعني أننا سنقبلها”.

وكان البيان الذي نشره التوفيقيون بتاريخ 14 مارس (آذار) يدعو عمال البلدان الأخرى إلى قلب أصحاب المصارف باسم السلم. ومع هذا فإن التوفيقيين أنفسهم، الذين كانوا بعيدين كل البعد عن قلب مصارفهم الخاصة تحالفوا معهم. “ولقد قلبنا الآن حكومة أصحاب المصارف”. ويعطينا هذا الحق بدعوة الشعوب الأخرى لأن تحذو حذونا. وأن لنا كل الأمل بالانتصار، “وينبغي أن نتذكر بأننا لا نعيش في مجاهل أفريقيا، بل في أوروبا؛ حيث يمكن لكل شيء أن يصبح بسرعة معروفًا من قبل الجميع”. وكان لينين يرى، كما رأى دومًا، ضمان الانتصار في تحول الثورة الوطنية إلى ثورة أممية. “إن الحركة العمالية ستتفوق وستشق الطريق إلى السلم والاشتراكية”.

وأرسل الاشتراكيون – الثوريون اليساريون ممثلهم لإعلان انضمامهم إلى البيان الذي قرأه لينين: “فقد كان التصريح بفكره ومعناه قريبًا من فكرهم ومفهومًا لديهم”. وأيَّد الأمميون الموحدون البيان، ولكن شريطة إصداره باسم القوى الديمقراطية. ووافق لابينسكي باسم المناشفة البولونيين اليساريين بصوت عالٍ على “الواقعية البروليتارية السليمة” للوثيقة. وأيد البيان بدون تحفظ دزيرجينسكي باسم الحزب الاشتراكي – الديموقراطي البولوني والليتواني، كما أيد ستوتشكا باسم الحزب الاشتراكي – الديموقراطي الليتوني، وكابسوكاس باسم الحزب الاشتراكي – الديموقراطي الليتواني. ولم تحدث أية اعتراضات على البيان إلا من قبل البلشفي إيريمييف الذي طالب بأن تتخذ شروط السلم طابع الإنذار؛ وإذا لم تتخذ شروط السلم شكل إنذار “فإن الإمبرياليين سيفكرون بأننا ضعفاء، وأننا خائفون”.

وهاجم لينين بحدة وبحزم وتصميم اقتراح تقديم شروط السلم كإنذار، ورد على هذا قائلاً: بهذا الشكل “سنعطي لخصومنا إمكانية إخفاء كل الحقيقة عن الشعب، وإخفائها وراء تشددنا”. وقد قيل بأن “امتناعنا عن تقديم الإنذار سيبرهن عن عجزنا”. لقد حان الوقت للتخلي عن نفاق المفاهيم البرجوازية في السياسة. “إن علينا ألا نخشى شيئًا عندما نقول الحقيقة عن تعبنا…”. وقد برزت الخلافات المقبلة حول بريست – ليتوفسك عبر هذه الحادثة.

ودعا كامنييف كل أنصار توجيه الدعوة إلى إبراز بطاقات عضويتهم في المؤتمر. وقد كتب ريد: “رفع أحد المندوبين يده للمعارضة، فانفجرت ضده موجة من السخط والغضب، اضطر معها إلى إنزال يده”. وصدق على النداء الموجه إلى الشعوب والحكومات بالإجماع. لقد تم الأمر! وشمل هذا العمل كل المشتركين بعظمته المباشرة والقريبة جدًا.

وقد لاحظ سوخانوف، هذا المراقب الدقيق، مع أنه متحامل ومغرض، لاحظ في الجلسة الأولى أكثر من مرة تعب أعضاء المؤتمر. ومما لا شك فيه أن المندوبين، وكل الشعب قد تعب من الاجتماعات، والمؤتمرات، والخطب والقرارات كما تعبوا عمومًا من هذه المراوحة في المكان ذاته. ولم يكونوا واثقين أبدًا بأن هذا المؤتمر يعرف ويستطيع أن يقود هذا العمل العظيم ليتكلل بنهاية حسنة. ألن تضطر عظمة المهام والقوة التي لا يمكن التغلب عليها للمقاومات، ألن تضطر المندوبين في هذه المرة إلى القتال التراجعي أيضًا؟ لقد حدث مد من الثقة عندما علم الأعضاء بسقوط قصر الشتاء، ثم علموا بانضمام راكبي الدراجات إلى الانتفاضة فيما بعد. ولكن كان هذان الحدثان مرتبطين أيضًا بآلية الانتفاضة. وقد اكتشفوا الآن فقط معنى هذا المؤتمر التاريخي فعلاً. فقد وضعت الانتفاضة الظافرة -في مؤتمر العمال والجنود- القاعدة الصلبة للسلطة. ولم يصوت المندوبون في هذه المرة للثورة، بل صوتوا لعمل حكومي له معنى أكبر بكثير.

أيتها الشعوب استمعي! إن الثورة تدعوك إلى السلم. وسوف تتهم هذه الثورة بأنها خرقت المعاهدات. ولكنها فخورة بهذا. إنها فخورة بالقطيعة مع المعاهدات الدموية للجشعين؛ وأنها لميزة كبيرة في التاريخ. لقد تجرأ البلاشفة على ذلك، وكانوا الوحيدين الذين تجرءوا. إن العزة تتفجر في كل القلوب. وقد تضرمت العيون. كان الجميع واقفين. ولم يكن أحد يدخن. ويبدو أن أحدًا لا يتنفس. وتوحد المكتب والمندوبون والمدعوون ورجال الحرس في نشيد الانتفاضة والإخاء. وقد روى جون ريد فيما بعد -كمراقب وكمشترك، وكناقد وشاعر للانتفاضة- “وفجأة، وبزخم عام وجدنا أنفسنا واقفين كلنا، ونحن نردد النشيد الأممي الحماسي. وكان جندي قديم ذو شعر رمادي يبكل كالطفل. وانتشر هذا الانسجام القوي في القاعة كلها، واخترق زجاج النوافذ والأبواب، وصعد عاليًا جدًا إلى السماء”.

فهل صعد نحو السماء فعلاً؟ لقد صعد بالأحرى إلى خنادق الخريف التي تخترق أوروبا المصلوبة، صعد نحو المدن والقرى المخربة، صعد نحو النساء والأمهات اللواتي يرتدين ثياب الحداد. “قفوا، أيها المعذبون في الأرض، أيها المحكوم عليكم بالجوع!…” وقد تحررت كلمات النشيد من طابعها التقليدي، واختلطت بالعمل الحكومي. ومن هنا جاء صداها ورنينها كعمل مباشر. واستشعر كل فرد أنه أكبر وأكثر أهمية في تلك اللحظة. واتسع قلب الثورة للعالم كله. “سنحصل على الخلاص…”. وقد أعادت الثورة الفكر المستقل، والمبادأة، والجرأة، والمشاعر السعيدة التي حرم منها المضطهدون في المناسبة العادية. كل هذا أعادته الثورة الآن… “بيدها!” وبيد قادرة وسيخنق، الملايين من الرجال الذين قلبوا الملكية والبرجوازية، الحرب. إن الحرس الأحمر لحي فيبورغ، والجندي الغامض المشجوج الذي جاء من الجبهة، والثوري القديم الذي أمضى سنوات في المنفى، والبحار الشاب ذا اللحية السوداء، الذي يعمل على ظهر اورور، إن كل هؤلاء قد أقسموا على خوض المعركة الحاسمة والنهائية حتى النهاية “سنبني عالمًا لأنفسنا، عالمًا جديدًا!” سنبني! وقد دخلت في هذه الكلمة التي انطلقت من بعض القلوب البشرية، دخلت فيها ضمنًا سنوات الحرب الأهلية المقبلة وفترات العمل الخمسية المقبلة، المليئة بالعمل والحرمان. “وكل من لم يكن شيئًا سيصبح كل شيء!” كل شيء! فإذا كانت حقيقة الماضي قد تحولت أكثر من مرة إلى نشيد، فلماذا لا يصبح النشيد حقيقة الغد؟ ولم يعد لمعاطف الخنادق نفس مظهر لباس المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة. وانتصبت قبعات اللبد، الممزقة، انتصبت بصورة أخرى على عيون تلمع وتؤكد “يقظة العنصر البشري!” فهل يعقل أن لا يستيقظ هذا العنصر من النكبات والإذلال والوحل ودم الحرب.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر الديكتاتورية السوفييتية جـ 2