رأس المال: الفصل السابع/ معدل فائض القيمة

0
238

                    أولا – درجة استغلال قوة العمل

إن فائض القيمة الذي يولده رأس المال المدفوع في البدء (ر) خلال عملية الإنتاج، أو بتعبير آخر النماء الذاتي في قيمة رأس المال (ر)، يظهر للعيان أولا، بمثابة فضلة، أو المقدار الذي تزيد به قيمة المنتوج على قيمة عناصر إنتاجه.
إن رأس المال (ر) يتألف من جزءين، الأول مبلغ من النقد (ث) مُنفق على وسائل الإنتاج، والآخر مبلغ من النقد (م) مُنفق على قوة العمل، حيث تمثل (ث) جزء القيمة الذي تحول إلى رأس المال الثابت، ويمثل (م) جزء القيمة الذي أصبح رأس المال المتغير. إذن في البدء: (ر = ث + م). ولو افترضنا أن رأس المال المدفوع يبلغ 500 جنيه، فإن عناصره قد تنقسم إلى 500=410 جنيهات كرأسمال ثابت + 90 جنيها كرأسمال متغير. وفي نهاية عملية الإنتاج نحصل على سلعة قيمتها = (ث + م) + ف، حيث تمثل (ف) فائض القيمة، أو إذا استخدمنا المقادير الواردة في فرضيتنا، فإن قيمة السلعة = (410 جنيهات ثابت + 90 جنيها متغيرة) + 90 جنيها فائض قيمة. إن رأس المال الأصلي (ر) قد تحول الآن إلى (ژ)، وتغير من 500 جنيه إلى 590 جنيها.
والفرق بين الاثنين هو (ف)، وهو فائض القيمة، وقدره 90 جنيها. وبما أن قيمة عناصر الإنتاج تساوي قيمة رأس المال المدفوع، فيكون من قبيل التكرار والحشو القول بأن الزيادة في قيمة المنتوج على قيمة عناصر إنتاجه المكونة تساوي مقدار نماء قيمة رأس المال المدفوع أو تساوي فائض القيمة الناتج.
مع ذلك ينبغي لنا فحص هذا التكرار والحشو عن كثب. إن ما جرت المقارنة بينهما، هما قيمة المنتوج وقيمة العناصر التي استهلكت في عملية الإنتاج لتكوينه. ولكن سبق أن رأينا أن ذلك الجزء المستخدم من رأس المال الثابت، الذي يتألف من وسائل العمل، لا ينقل إلى المنتوج إلا جزءا من قيمته، في حين أن الجزء المتبقي من القيمة يظل ماثلاً في شكل وجوده الأصلي. ونظرا لأن هذا الجزء المتبقي لا يلعب أي دور في تكوين القيمة، نستطيع تجريده في الوقت الحاضر. فدخوله في الحساب لن يغير شيئا. لنأخذ مثالنا السابق حيث ث = 410 جنيهات، ونفرض أن هذا المبلغ ينقسم إلى 312 جنيها قيمة المواد الأولية، و44 جنيها قيمة المواد المساعدة، و54 جنيها قيمة اندثار الآلة خلال العملية، ثم نفرض أن القيمة الكلية للآلة المستخدمة فعلا تساوي 1054 جنيها. ولكننا لا نحسب من هذا المبلغ بمثابة سلفة مدفوعة لصنع قيمة المتوج، سوى 54 جنيها فقط، وهو المقدار الذي تخسره الآلة بالاهتراء خلال العملية وتنقله بالتالي إلى المنتوج.
وإذا رغبنا في أن نحسب الألف جنيه المتبقية، والتي تظل ماثلة في الشكل القديم لوجودها، مثل الآلة البخارية، على أنها جزء من المنتوج، فإن علينا أيضا أن نحسبها كجزء من القيمة المدفوعة، وعندها ستظهر في طرفي المعادلة (1)، وهكذا سنحصل على 1500 جنيه في الطرف الأيمن من المعادلة، و1590 جنيها في الطرف الأيسر. والفرق بين هذين المقدارين، أي فائض القيمة، سيبقى 90 جنيها. إذن يرد اصطلاح رأس المال الثابت المدفوع لإنتاج القيمة على امتداد هذا المجلد بمعنى واحد هو قيمة وسائل الإنتاج المستهلكة فعلا في العملية، ولا شيء غير تلك القيمة، ما لم يدل السياق على خلاف ذلك.
وإذا سلمنا بهذا الأمر، نعود إلى صيغة المعادلة (ر =ث + م)، التي أصبحت: = (ث + م) + في، حيث تحولت (ر) بذلك إلى (رَ). ونحن نعرف أن قيمة رأس المال الثابت تنتقل إلى المنتوج وتظهر فيه من جديد. إذن فالقيمة الجديدة التي خُلقت فعلا خلال العملية، هي شيء آخر غير قيمة المنتوج؛ فإن القيمة الجديدة لا تتألف، كما قد يبدو للوهلة الأولى، من (ث + م) + ف أو 410 ثابت + 90 متغير + 90 فائض قيمة، بل إنها تتألف من م +ف، أي من 90 متغير + 90 فائض قيمة، إنها ليست 590 جنيها بل 180 جنيها. فلو كان رأس المال الثابت ث = صفراً، أو بتعبير آخر لو كان ثمة فرع من فروع الصناعة يستطيع الرأسمالي أن يستغني فيه عن جميع وسائل الإنتاج التي خلقها العمل السابق، سواء كانت هذه الوسائل مادة أولية أو مادة مساعدة أو أدوات عمل، واقتصر على استخدام قوة العمل والمواد التي تقدمها الطبيعة، لما كان، في هذه الحالة، ثمة رأسمال ثابت كي تنتقل قيمته إلى المتوج. وهذا العنصر من عناصر قيمة المنتوج سوف يزول، وهو في مثالنا السابق 410 جنيهات، غير أن القيمة الجديدة التي خلقت حديثا أي القيمة المنتجة، وقدرها 180 جنيها، والتي تحتوي على فائض قيمة قدره 90 جنيها، تظل على حجمها نفسه كما لو أن رأس المال الثابت (ث) يمثل أعلى مقدار قيمة يمكن تخيلها(*). وسنحصل على المعادلة ر = (صفر + م) وبالتالي فإن (رَ – م)، أو أن رأس المال الذي توسعت قيمته وهو (رَ = م + ف)، وبالتالي فإن: (رَ -ر = ف) كما في السابق. أما إذا كان فائض القيمة ف = صفرة، أو بتعبير آخر إذا كانت قوة العمل، التي دفعت قيمتها على شكل رأسمال متغير، لا تنتج شيئا غير ما يعادلها، عندئذ يصيح لدينا (ر = ث + م)، أي أن قيمة المنتوج وهي رَ = (ث + م) + صفر، ومعنى ذلك أن (ر = رَ). إذن فقيمة راس المال المدفوع لم تتوسع في هذه الحالة.
نحن نعرف، مما تقدم، أن فائض القيمة ما هو إلا نتيجة لتغير قيمة (م)، ونعني بها ذلك الجزء من رأس المال الذي حُوِّل إلى قوة عمل، وبالتالي فإن: م + ف = م + ∆م (**) (أي م مضافا إليها الزيادة في م). بيد أن التغير الفعلي في قيمة م، وشروط هذا التغير، واقع تنطمس معالمه ويكتنفه الغموض، وذلك لأن زيادة الجزء المتغير من رأس المال تؤدي كذلك إلى زيادة المقدار الكلي لرأس المال المدفوع. فقد كان بالأصل 500 جنيه، وأضحى الآن 590 جنيها. وعليه، فإن تحليل القضية في شكلها الصافي يقتضي أن نُقصي عن الاعتبار ذلك الجزء من قيمة المنتوج، الذي لا يظهر فيه سوى رأس المال الثابت وحده، وأن نجعله مساوية لصفر، أي أن نجعل ث = صفراً. وهذا مجرد تطبيق لقانون رياضي نستخدمه في العمليات التي تحتوي على مقادير ثابتة ومقادير متغيرة، حيث لا تربط بين الاثنين سوى علاقات الجمع أو الطرح.
وثمة صعوبة أخرى تنشأ عن الشكل الأولي لرأس المال المتغير. ففي مثالنا السابق حيث: ر = 410 ثابت + 90 متغير + 90 فائض قيمة، نجد أن ال 90 جنيها مقدار معيَّن وبالتالي فهو مقدار ثابت، لذلك يبدو أن من السخف معاملته كمقدار متغير. ولكن مصطلح: 90 جنيها م، ليس سوى رمز يشير إلى أن هذه القيمة تمر بعملية تغير. والواقع أن ذلك الجزء من رأس المال، الموظف في شراء قوة العمل هو كمية معينة من العمل المتشییء، أي أنه قيمة ثابتة شأن قيمة قوة العمل المشتراة. ولكن في أثناء عملية الإنتاج تحل قوة العمل الفاعلة محل التسعين جنيهاً المدفوعة، يحل العمل الحي محل العمل الميت، يحل مقدار سيّال محل مقدار راکد، يحل متغیر محل ثابت. والنتيجة هي إعادة إنتاج رأس المال المتغير (م) مضافا إليه الزيادة التي طرأت على (م). إذن فمن وجهة نظر الإنتاج الرأسمالي تبدو العملية كلها بمثابة حركة ذاتية في القيمة الأصلية الثابتة التي تحولت إلى قوة عمل. كما يبدو أن عملية الإنتاج ونتيجتها إنما ترجعان إلى هذه القيمة الأصلية. وعليه إذا كانت تعابير من قبيل 90″ جنيها رأسمالا متغيراً”، أو «كذا مقدار من قيمة تنمي نفسها ذاتية» تبدو تعابير متناقضة، فما ذلك إلا لأنها تبرز للعيان تناقضاً كامناً في الإنتاج الرأسمالي.
وقد يبدو للوهلة الأولى، أن جعل رأس المال الثابت مساوياً لصفر، عملية غريبة.
مع ذلك فهذا ما نفعله في حياتنا يومياً. فلو رغبنا على سبيل المثال في أن نحسب مقدار الربح الذي تجنيه بريطانيا من صناعة القطن، فأول خطوة نقوم بها هي حذف المبالغ المدفوعة لقاء القطن إلى الولايات المتحدة والهند ومصر، وغيرها من البلدان؛ معنى ذلك أننا نجعل قيمة رأس المال الذي يعود إلى الظهور من جديد في قيمة المنتوج، نجعلها مساوية لصفر.
لا ريب في أن نسبة فائض القيمة إلى ذلك الجزء من رأس المال الذي تنبثق عنه مباشرة وتمثل التغير الحاصل في قيمته، أمر عظيم الأهمية من الناحية الاقتصادية، ولا يقل عن ذلك أهمية نسبة فائض القيمة إلى إجمالي رأس المال المدفوع. ولهذا سوف نعالج هذه المسالة في المجلد الثالث بصورة مفصلة. ولكي يستطيع جزء من رأس المال إنماء قيمته، عبر تحويله إلى قوة عمل، فلا بد من تحويل جزء آخر من رأس المال إلى وسائل إنتاج. ولكي يؤدي رأس المال المتغير وظيفته، لا بد من دفع رأسمال ثابت بنسبة تتطابق مع الشروط التقنية التي تميز كل عملية عمل. غير أن ضرورة وجود أنابيب الاختبار المعوجة والأوعية الأخرى للتجارب الكيميائية، لا تمنع الكيميائي من إقصائها عن نتائج التحليل. وبما أننا نعالج خلق القيمة، وتغير القيمة لذاته هو، أي بصورة صافية، فإن وسائل الإنتاج، هذا المظهر المتشییء لرأس المال الثابت، لا تقدم سوى مادة تستوعب قوة العمل الدفّاقة الخالقة للقيمة كي تثبتها. وعليه، لا أهمية البتة لطبيعة هذه المادة، فسيان إن كانت قطناً أو حديداً. ولا أهمية البتة لقيمة هذه المادة. الشرط الوحيد هو أن تكون متوافرة بكمية كافية لكي تمتص العمل المنفق أثناء عملية الإنتاج. وما دام هذا المقدار من المادة مُعيّناً، فلن يؤثر في شيء على عملية خلق القيمة أو تغير كمية القيمة، إن ارتفعت قيمة هذه المادة أو هبطت، بل حتى إن كانت من دون أي قيمة كالأرض العذراء والبحر(2).
إذن، بادىء الأمر، نجعل رأس المال الثابت مساوياً لصفر. وعليه فرأس المال المدفوع (ث +م) يُختزل إلى (م)، وعوضا عن قيمة المنتوج (ث + م) + ف، لدينا الآن القيمة التي جرى إنتاجها وهي (م + ف). وبما أن القيمة الجديدة المنتجة معلومة، وتساوي 180 جنيها، حيث يمثل هذا المبلغ مجمل العمل الذي أنفق خلال عملية الإنتاج، فإننا نطرح منه 90 جنيها قيمة رأس المال المتغير، ونحصل على باقٍ قدره 90 جنيها هو فائض القيمة. إن هذه الجنيهات التسعين أو (ف)، تعبر عن المقدار المطلق لفائض القيمة الذي تم إنتاجه، أما مقداره النسبي، أو نسبة الزيادة التي طرأت على رأس المال المتغير، فإنها تتحدد، كما هو معروف، بنسبة فائض القيمة إلى رأس المال المتغير، ويُعبّر عنها بالمقدار ف/م، وهو، حسب مثالنا السابق، 90/90 وحاصل ذلك زيادة نسبتها 100%. إن هذه الزيادة النسبية في قيمة رأس المال المتغير، أو المقدار النسبي لفائض القيمة هو ما اسميه “معدل فائض القيمة” (3).
لقد رأينا أن العامل خلال جزء معين من سير عملية العمل، لا ينتج سوى قيمة قوة عمله، نعني قيمة وسائل عيشه الضرورية. ولكن بما أن عمله يؤلف جزءا من نظام يرتكز على تقسيم اجتماعي للعمل، فهو لا ينتج وسائل عيشه مباشرة، وإنما ينتج عوضاً عن ذلك سلعة خاصة، كالخيوط مثلا، ذات قيمة تساوي قيمة وسائل عيشه، أو تعادل قيمة النقد الذي يتيح له شراءها. إن ذلك الجزء من يوم عمله المكرس لهذا الغرض، قد يطول أو يقصر تبعا لقيمة وسائل العيش التي يحتاجها يوميا بصورة وسطية أو – وهذا يعني الشيء نفسه – تبعا لمتوسط وقت العمل اليومي الذي يقتضيه إنتاج هذه الضروريات.
فلو أن قيمة وسائل العيش تلك تمثل، كمعدل وسطي، إنفاق 6 ساعات من العمل المتشییء، وجب على العامل أن يعمل، بصورة وسطية، ست ساعات في اليوم لكي ينتج تلك القيمة. وحتى لو كان يعمل على نحو مستقل لحسابه الخاص، لا للرأسمالي، يظل لزاماً عليه، إذا ما بقيت الظروف الأخرى ثابتة على حالها، أن يعمل كالسابق نفس العدد من الساعات بغية إنتاج قيمة قوة عمله، ليكسب بالتالي وسائل العيش اللازمة لحفظه أو إعادة إنتاجه بصورة دائمة. ولكن العامل، خلال ذلك الجزء من يوم العمل الذي ينتج فيه قيمة قوة عمله، ولنفترض أنها 3 شلنات، لا ينتج غير مُعادل لقيمة قوة عمله، وقد سبق للرأسمالي أن دفع ثمنها مقدماً (4)، إذن فالقيمة الجديدة التي يخلقها لا تعوض إلا عن قيمة رأس المال المتغير المدفوع. وبسبب هذا الواقع، يتخذ إنتاج القيمة الجديدة، وهي 3 شلنات، شكل إعادة إنتاج محض. إذن فأنا أسمي ذلك الجزء من يوم العمل الذي تجري خلاله إعادة الإنتاج بـ وقت العمل الضروري، وأسمي العمل المنفق في أثناء ذلك الوقت بـ العمل الضروري (5). إنه ضروري فيما يتعلق بالعامل لأنه مستقل عن الشكل الاجتماعي الخاص لعمله. وهو ضروري بالنسبة لرأس المال وعالمه، فاستمرار وجود العامل هو أساس وجودهما.
والحق، في الجزء الثاني من سير عملية العمل يظل العامل، حيث لا يعود عمله بعد عملا ضرورياً، يكد وينفق قوة عمله، ولكن بما أنه لم يعد عملا ضرورياً فإنه لا يخلق أي قيمة لنفسه. إنه يخلق فائض قيمة له بالنسبة للرأسمالي جميع مفاتن خلق شيء، من لا شيء. وأسمي هذا الجزء من يوم العمل بـ: وقت العمل الفائض، والعمل المنفق خلاله ب: العمل الفائض (surplus labour). ولئن كان ضرورياً لإدراك القيمة على نحو صائب أن ننظر إليها على أنها مجرد وقت عمل متبلور، أن نراها بمثابة محض عمل متشییء، فإن من الضروري كذلك لفهم فائض القيمة فهماً دقيقاً ألا نرى فيه غير مجرد وقت عمل فائض متبلور، غير عمل فائض متشییء. والفارق الجوهري بين مختلف التشكيلات الاقتصادية للمجتمع، بين مجتمع يرتكز على عمل العبيد وآخر يقوم على العمل المأجور مثلا، لا يتميز إلا بأسلوب أو شكل انتزاع العمل الفائض من منتجه المباشر: العامل (6).
وبما أن قيمة رأس المال المتغير تساوي قيمة قوة العمل التي يشتريها رأس المال هذا، وأن قيمة قوة العمل تقرر الجزء الضروري من يوم العمل، من جهة، وأن فائض القيمة، من جهة ثانية، يتحدد بالجزء الفائض من يوم العمل، يترتب على ذلك: إن نسبة فائض القيمة إلى رأس المال المتغير هي كنسبة العمل الفائض إلى العمل الضروري، أو بتعبير آخر أن معدل فائض القيمة ف /م= فائض العمل/ العمل الضروري . وهاتان النسبتان، ف/م وفائض العمل/ العمل الضروري، تعبران عن شيء واحد بشكل مختلف، مرة في شكل العمل المتشيیء، ومرة أخرى في شكل العمل الحي المتدفق. وعليه، فإن معدل فائض القيمة هو التعبير الدقيق عن درجة استغلال رأس المال لقوة العمل، أو استغلال الرأسمالي للعامل (7).
افترضنا في مثالنا السابق أن قيمة المنتوج = 410 جنيهات ثابت + 90 جنيها متغیر + 90 جنيها فائض قيمة، وأن رأس المال المدفوع = 500 جنيه. وبموجب الطريقة الشائعة في الحساب ينبغي لمعدل فائض القيمة (الذي يُخلط بينه وبين الربح) أن يكون 18%، وهو رقم من الصغر نسبياً بحيث قد يشيع مفاجأة سارة لدى السيد كيري وغيره من دعاة الانسجام (*3). ولكن معدل فائض القيمة، في واقع الأمر لا يساوي ف/ ر أو ف/ م+ث، بل يساوي ف/م، إذن فهو ليس 90/500  وإنما 90/90 =100%، وهذا أكبر بخمس مرات من درجة الاستغلال الظاهرية. ورغم أننا، في المثال المفترض، نجهل المقدار المطلق ليوم العمل، كما نجهل أمد عملية العمل (بالأيام والأسابيع، إلخ.). ونجهل كذلك عدد العمال المستخدمين الذين يضعهم رأس المال المتغير 90 جنيها في موضع الحركة معاً وفي آن واحد، مع ذلك فإن معدل فائض القيمة ف/م بتحويله إلى الصيغة المكافئة له وهي العمل الفائض/ العمل الضروري يكشف لنا بدقة عن العلاقة بين الجزءين المكونين ليوم العمل. وهي علاقة مساواة، لأن المعدل يساوي 100%. ومن الواضح إذن أن العامل، في مثالنا هذا، يعمل نصف يوم لنفسه، والنصف الآخر للرأسمالي.
وبناء على ذلك فمنهج حساب معدل فائض القيمة يجري باختصار على النحو التالي: نأخذ القيمة الكلية للمنتوج، ونجعل رأس المال الثابت، الذي لا يقوم إلا بالظهور فيه من جديد، مساوياً لصفر. وإن مقدار القيمة المتبقية هو القيمة الوحيدة التي تولدت فعلا في عملية تكوين السلعة. وإذا كان مقدار فائض القيمة معيّناً، فما علينا سوى طرحه من تلك القيمة المتبقية، لنحصل على رأس المال المتغير. ويحصل العكس، إذا كان رأس المال المتغير معيناً، وكنا نبتغي إيجاد فائض القيمة. أما إذا كان الاثنان معينين معا، فما علينا سوى القيام بالعملية النهائية وهي حساب ف/م، أي إيجاد النسبة بين فائض القيمة ورأس المال المتغير.
وعلى بساطة هذه المنهجية، يحسن تمرین القارىء، عبر عدد من الأمثلة، على تطبيق المبادىء الجديدة التي تكمن في أساسها.
في البدء نأخذ حالة معمل للغزل يحتوي على 10 آلاف مغزل آلي، ويغزل قطناً أميركياً، فيحوله إلى خيوط من درجة 32، وكل مغزل ينتج باوناً من الخيوط في الأسبوع. ونفترض أن ضياعات القطن تبلغ 6% إذن في هذه الظروف ثمة 10,600 باون من القطن تستهلك اسبوعيا ويتبدد منها 600 باون على شكل ضیاعات. وكان ثمن باون القطن في نيسان/ إبريل 1871 يبلغ 3/4، 7 بنس، إذن فالمادة الأولية، 10,600 باون قطن، تکلف زهاء 342 جنيها بعد إهمال الكسور. وسنفترض أن المغازل العشرة آلاف، وتتضمن هذه آلات الغزل والمحركات البخارية، تكلف جنيهاً واحداً للمغزل الواحد، فيبلغ الإجمالي 10 آلاف جنيه، ونفرض أن نسبة اندثار الآلات هي 10%، أي 1000 جنيه سنويا، وتساوي 20 جنيها في الأسبوع، أما بدل إيجار المبنى فنقدره بـ 300 جنيه سنوياً أي 6 جنيهات كل أسبوع. وكمية الفحم المستهلك (لمائة قوة حصانية حسب المؤشر، تحتاج الواحدة إلى 4 باونات من الفحم في الساعة، وتعمل على مدى 60 ساعة، هذا إضافة إلى الفحم المستخدم لتدفئة المبنی) تصل إلى 11 طنا في الأسبوع بسعر 8 شلنات و6 بنسات للطن الواحد، فيكون المبلغ حوالي 1/2، 4 جنيه أسبوعياً، واستهلاك الغاز في الأسبوع يساوي جنيهاً واحداً، والزيت وما شاكل ذلك 1/2، 4 جنيه في الأسبوع. وبذلك تبلغ الكلفة الإجمالية للمواد المساعدة 10 جنيهات في الأسبوع. إذن فالجزء الثابت من قيمة المنتوج الأسبوعية يساوي 378 جنيها. أما الأجور فتبلغ 52 جنيها في الأسبوع. وثمن الخيوط هو 1/4، 12 بنس للباون الواحد، مما يجعل قيمة الـ 10 آلاف باون تساوي 510 جنيهات، وفائض القيمة في هذه الحالة يكون 510 جنيهات – 430 جنيها = 80 جنيها، ولكننا نجعل الجزء الثابت من قيمة المنتوج مساوية لصفر، نظرا لأنه لا يشارك في خلق القيمة خلال الأسبوع. وعلى هذا يتبقى 132 جنيها من القيمة الجديدة المنتجة كل اسبوع وهي = 52 جنيها رأسمال متغير + 80 جنيها فائض قيمة. إذن فمعدل فائض القيمة يساوي80/52 =  11/13 153% ينجم عن ذلك أن يوم عمل وسطي مؤلف من 10 ساعات ينقسم إلى: 13/30، 3 ساعة عمل ضروري، و 2/33، 6 ساعة عمل فائض (8).
إليكم مثالا آخر. يقدم جاکوب (*4) الحسابات التالية لعام 1815، وهي ناقصة جدأ من جراء التعديلات السابقة التي أجريت على عدد من البنود، إلا أنها مع ذلك كافية للغرض. ويفترض جاکوب في هذه الحسابات أن سعر القمح هو 80 شلنة للكوارتر الواحد، وأن الإيكر الواحد يدر على نحو وسطي، 22 بوشلاً، بقيمة 10 جنيها.

قيمة إنتاج الإيكر الواحد

شلن | جنيه |                  |شلن   | جنيه
_______________________________
بذور (قمح) | 9   |  1   |ضريبة العُشر   |  1       |  1
|رسوم، وضرائب|
_______________________________
سماد         | 10 | 2    |الريع العقاري   | 8      | 1
_______________________________
أجور         | 10 | 3    |ربح المزارع وفوائد| 2   | 1
_______________________________
المجموع      | 9   | 7   | المجموع       | 11     | 3

 

إذا سلمنا بأن سعر المنتوج مساوٍ لقيمته، وجدنا أن فائض القيمة، هنا، موزع على أبواب مختلفة هي: الربح، الفائدة، العشر، إلخ. ولا شأن لنا بهذه الأبواب على نحو تفصيلي، ولذلك ندمجها معا بكل بساطة فنحصل على مبلغ قدره 3 جنيهات و11 شلنا تؤلف فائض القيمة. أما المقدار البالغ 3 جنيهات و19 شلنا والمدفوع لقاء البذور والسماد، فهو رأس المال الثابت، ونضعه مساوياً لصفر. ثم يبقى مبلغ 3 جنيهات و10 شلنات، ويمثل رأس المال المتغير المدفوع، ونرى أن قيمة جديدة مؤلفة من 3 جنيهات و10 شلنات + 3 جنيهات و11 شلنا، قد أُنتجت عوضا عنه. إذن فمعدل فائض القيمة ف/م + 3ج و11ش/ 3ج و10 ش = أكثر من 100%. إن العامل يقضي أكثر من نصف يوم العمل لإنتاج فائض القيمة الذي يتقاسمه أشخاص عديدون بذرائع شتى (9).

_____________

(1) – «إذا حسبنا قيمة رأس المال الأساسي (Fixen Kapital) المستخدم، بوصفه جزءا من المدفوعات فينبغي أن نحسب ما تبقى في نهاية السنة من قيمة رأس المال هذا كجزء من العائدات السنوية».
(مالتوس، مبادىء الاقتصاد السياسي، الطبعة الثانية، لندن، 1836، ص 269)
(Malthus, Principles of Polit. Econ., 2nd Ed., London, 1836, p. 269).
(*) – قيمة (ث) هنا تساوي صفراً، ولما كان رأس المال الثابت لا يمكن أن يكون دون الصفر أي بالسالب (-1 أو -2، إلخ) فإن الصفر هو أكبر قيمة لرأس المال هذا عندما لا يكون موجوداً … راجع ص 277 من الطبعة الألمانية. [ن. ع].
(**) – المثلث رمز يدل على زيادة المقدار الجبري. [ن. ع].
(2) – حاشية للطبعة الثانية: يقول لوکریتیوس، وقوله بمثابة بديهة، “لا شيء يمكن أن يخلق من العدم” (nil posse creari di nihilo). ذلك أن “خلق القيمة”، هو تحويل قوة العمل إلى عمل. وقوة العمل نفسها هي، بالدرجة الأولى، مواد طبيعية تتحول إلى جسم عضوي بشري. [لوكريتيوس، حول الطبيعة، المجلد الأول، البيتان 156 157].
(3) – وذلك على غرار ما يستخدم الإنكليز اصطلاح معدل الربح (rate of profit) أو معدل الفائدة (rate of interest). ولسوف نرى في المجلد الثالث أن معدل الربع لن يعود لغزاً بعد أن نعرف قوانين فائض القيمة. وإذا سرنا في الطريق المعاكس، فلن نفهم هذا ولا ذاك (ni l’un, ni l’autre).
(4) – [حاشية إلى الطبعة الألمانية الثالثة: يلجأ المؤلف هنا إلى التعابير الاقتصادية الشائعة. ونذكر أنه أوضح على الصفحة 137، [الطبعة الرابعة، ص 188]. أن العامل، في الواقع، هو الذي “یسلّف”، (vorschiesst) الرأسمالي، وليس العكس. ف. إنجلز].
(5) – لقد استخدمنا اصطلاح “وقت العمل الضروري” في هذا الكتاب، حتى الآن، للتعبير عن وقت العمل الضروري اجتماعياً بشكل عام لإنتاج أية سلعة. ومن الآن فصاعدا سنستخدمه أيضا للتعبير عن وقت العمل الضروري لإنتاج السلعة الخاصة التي هي قوة العمل. إن استخدام مصطلح تقني (termini technici) واحد بمعانٍ مختلفة مربك من دون شك، ولكن هذا لا يمكن تحاشيه إطلاقا في أي علم من العلوم. فلنقارن على سبيل المثال الرياضيات بفرعيها: الرياضيات العليا والرياضيات الابتدائية.
(6) – عثر السيد فيلهلم توکيدیدس روشر(*1) على سراب. فقد توصل، بعبقرية غوتشيدية (*2)، إلى اکتشاف مهم يقول حقا، إنه إذا كان نشوء فائض القيمة أو المنتوج الفائض، وما ينجم عن ذلك من تراكم في رأس المال، هما في أيامنا هذه نتيجة التقتير الرأسمالي الذي “يطالب بالفائدة” على سبيل المثال، ففي “المراحل البدائية، من الحضارة… كان القوي هو الذي يرغم الضعيف على أن يقتصد” (روشر، المرجع المذكور نفسه، ص 82 و78). يقتصد بماذا؟ يقتصد في العمل؟ أم بفائض من المنتوجات لا وجود له؟ ترى ما الذي يدفع أناسا من طراز روشر إلى تعليل انبثاق فائض القيمة بتكرار الذرائع الواهية، المحقة ظاهرية، التي يتعلل بها الرأسمالي في استحواذه على فائض القيمة؟ مرد ذلك، بالإضافة إلى جهل حقيقي، خوف ذرائعي من إجراء أي تحليل علمي للقيمة وفائض القيمة، وفزع من التوصل إلى نتيجة قد لا تسر أصحاب الحكم.
[(*1) إن مارکس يطلق على فيلهلم روشر اسم : فيلهلم توکیدیدس روشر، لأن هذا الأخير قدم نفسه في مقدمة كتابه المعنون أسس الاقتصاد القومي، باعتباره توکیدیدس الاقتصاد السياسي على حد تعبير مارکس. وقد وصف مارکس أعمال روشر بانها “مقبرة علم الاقتصاد السياسي”.
أنظر: کارل مارکس، نظریات فائض القيمة، الجزء الثالث، برلين، 1962، ص 499، المجلد الرابع من رأس المال. ن. برلین].
(*2) أما كنية العبقرية الغوتشيدية، فقد جاءت على سبيل السخرية، نسبة إلى الكاتب والناقد الألماني يوهان کریستوف غوتشيد ( J.Ch.Gothsched ) الذي لعب في الأدب دورا هاماً نسبيا، لكنه أبدى تزمتاً فائقاً إزاء التيارات الأدبية الجديدة. لذلك صار اسمه مرادفا للغطرسة والحماقة في الأدب. [ن. برلین].
(7) – حاشية للطبعة الثانية: رغم أن معدل فائض القيمة يعبر بدقة عن درجة استغلال قوة العمل، فإنه لا يعبر عن المقدار المطلق للاستغلال. فلو كان العمل الضروري مثلا = 5 ساعات والعمل الفائض = 5 ساعات، فإن درجة الاستغلال تبلغ 100%. ومقدار الاستغلال قياسه 5 ساعات.
ولكن لو بات العمل الضروري، من جهة ثانية، 6 ساعات والعمل الفائض 6 ساعات أيضأ، فإن درجة الاستغلال تظل 100% كما في السابق، في حين أن المقدار الفعلي للاستغلال يزداد بنسبة 20%، فهو يرتفع من 5 إلى 6 ساعات.
(*3) – دعاة الانسجام اعتبروا العلاقات في المجتمع الرأسمالي متناغمة، وأن التناحر الذي وصفه رجال الاقتصاد السياسي الكلاسيكي كان سطحياً وعرضياً. [ن. ع].
(8) – حاشية للطبعة الثانية: إن المثال الوارد في الطبعة الأولى حول معمل للغزل لسنة 1860 يحتوي على بعض المعطيات الخاطئة. أما هنا فالمعطيات التي يمكن الركون إليها قد زودني بها صاحب معمل للغزل في مانشستر. وقد كانت القوة الحصانية في إنكلترا تحسب، في السابق، بموجب قطر أسطوانة المحرك، أما الآن فإن القوة الحصانية الفعلية تُحسب وفق ما يدل عليه المؤشر.
(*4) – وليم جاکوب، رسالة إلى صامويل وایتبرید، في أعقاب تأملات حول الحماية اللازمة للزراعة البريطانية، لندن، 1815، ص 33.
(9) – لا تتوخى الأرقام الواردة في السياق غير تقديم مثال إيضاحي. فقد افترضنا، في واقع الأمر، أن الأسعار = القيم، ولكننا سنرى، في المجلد الثالث، أن افتراض مساواة الأسعار للقيم لا يمكن أن يتم بهذه البساطة حتى بالنسبة للأسعار الوسطية.

 

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

 

رأس المال: الفصل السادس/ رأس المال الثابت ورأس المال المتغير