تاريخ الثورة الروسية: استنتاج

0
71

 

نلاحظ خلال تطور الثورة الروسية استمرارية رائعة للمراحل، ويرجع ذلك قبل كل شيء إلى أن هذه الثورة كانت عملاً شعبيًّا حقيقيًّا حرك عشرات ملايين الرجال. وتتوالى الأحداث فيها كما لو أنها خاضعة لقانون الثقالة. ويتم التحقق من ميزان القوى في كل مرحلة بشكلين؛ إذ تبدأ الجماهير بعرض قوة اندفاعها، ثم تحاول الطبقات المالكة الرد على ذلك، فتكتشف عزلتها بشكل أوضح.

ففي فبراير (شباط)، انتفض عمال بتروغراد وجنودها، لا رغم الإرادة الوطنية لكافة الطبقات المالكة المتعلمة فحسب، بل بالرغم من حسابات التنظيمات الثورية أيضًا. وبدت الجماهير قوة لا تقاوم. ولو أنها وعت ذلك لاستولت على السلطة منذ تلك اللحظة، ولكنها كانت تفتقر لحزب ثوري قوي مصمم يقودها. وسقطت السلطة بين يدي الديمقراطية البرجوازية الصغيرة، المموهة تحت الأردية الوطنية. وكان المناشفة والاشتراكيون – الثوريون عاجزين عن الإفادة من ثقة الجماهير، واستخدامها بعمل آخر غير دعوة البرجوازية الليبرالية إلى القيادة. ولم يكن بوسع هذه الأخيرة سوى أن تضع السلطة التي استلمتها من التوفيقيين في خدمة دول الحلفاء.

وخلال أيام أبريل (نيسان)، نزلت الأفواج والجماهير الثائرة إلى شوارع بتروغراد دون تلقي الدعوة من أي حزب، وطرحت فكرة مقاومة السياسة الإمبريالية التي تتبعها حكومة فرضها التوفيقيون على الشعب. وحصلت المظاهرة المسلحة على نتيجة هامة. وأُبعد زعيم الإمبريالية الروسية ميليوكوف عن الحكم. ودخل التوفيقيون الحكومة وكأنهم ممثلون لسلطة الشعب، ولكنهم كانوا في الحقيقة وكلاء البرجوازية في السلطة.

ولما رأت حكومة الائتلاف أنها لم تحل أية معضلة من المعضلات التي سببت الثورة، لجأت إلى خرق الهدنة القائمة فعلاً على الجبهة، وشنت هجومًا عسكريًّا. وبهذا التصرف سدد نظام فبراير (شباط)، الذي يمثل انهيار ثقة الجماهير بالتوفيقيين، ضربة قاضية لنفسه. ومنذ ذلك الحين بدأت مرحلة الإعداد المباشر لثورة جديدة.

وفي بداية يوليو (تموز)، رأت الحكومة أن وراءها كافة الطبقات المالكة والمثقفة، فمنعت كل تظاهرة ثورية، واعتبرتها خيانة للوطن، ومساعدة أكيدة للعدو. وناضلت التنظيمات الرسمية للجماهير، كالسوفييتات، والأحزاب الاشتراكية – الوطنية، بكل قواها ضد الهجوم العمالي. وضبط البلاشفة عمالهم وجنودهم بدوافع تكتيكية، ومنعوهم من النزول إلى الشارع. ومع هذا بدأت الجماهير بالحركة والاضطراب. وبدت الحركة عامة لا تقاوم. ولم يعد أحد يلحظ وجود الحكومة. واختبأ التوفيقيون. وغدا العمال والجنود سادة الموقف في العاصمة. وتحطم الهجوم، أمام نقص أعداد المقاطعات والجبهة.

وفي نهاية شهر أغسطس (آب)، كانت كافة أجهزة ومؤسسات الطبقات المالكة تستعد للقيام بانقلاب مضاد للثورة، وعملت دبلوماسية الحلفاء، والبنوك، واتحاد الملاكين الصناعيين والزراعيين، وحزب الكاديت، وهيئات الأركان والضباط والصحافة الكبرى على تحقيق ذلك. ولم يكن منظم الانقلاب شخصًا آخر غير القائد الأعلى، الذي كان يعتمد على القيادة العليا لجيش يضم عدة ملايين من الرجال. واختيرت القطعات من كافة الجبهات بصورة خاصة، وأرسلت باتجاه بتروغراد وفقًا لاتفاق سري مع رئيس الحكومة. وغُطيت هذه الحركة بالضرورات الإستراتيجية.

وظهر الأمر في العاصمة، وكأن كل شيء معد لنجاح المشروع؛ فلقد جردت السلطات العمال من سلاحهم بمساعدة التوفيقيين، وتعرض البلاشفة لضربة إثر أخرى، وأُبعدت أكثر الأفواج ثورية عن المدينة، وجُمع مئات الضباط المختارين لتشكيل وحدة صدمة، وكان على هؤلاء الضباط أن يشكلوا مع مدارس اليونكرز وقطعات القوزاق قوة كبيرة فعالة. وماذا ينبغي بعد كل هذا؟ ولكن المؤامرة التي ظهرت وكأنها محمية من قبل الآلهة نفسها لم تصمد لحظة، وما أن اصطدمت بالشعب الثوري حتى غدت هباءً منثورًا.

وكان بين حركتي بداية يوليو (تموز) ونهاية أغسطس (آب) علاقة تشبه العلاقة القائمة بين النظرية وبرهانها. وأكدت أيام يوليو (تموز) على عجز الزعماء الكامل. وأشار ميزان القوى الذي ظهر آنذاك إلى حتمية وقوع صراع جديد. وخلال هذا الوقت انضمت المقاطعات والجبهة إلى العاصمة بشكل أوثق. وكان هذا دليلاً مسبقًا على انتصار أكتوبر (تشرين الأول).

ويقول الكاديت نابوكوف: “إن السهولة التي استطاع بها لينين وتروتسكي قلب آخر حكومة ائتلافية شكلها كرنسكي، برهنت على عجز هذه الحكومة الداخلي. ولقد سبب هذا العجز كثيرًا من الاستغراب، حتى لدى الأشخاص المطلعين على بواطن الأمور آنذاك”، ويبدو أن نابوكوف نفسه لم يتخيل أن الأمر كان يتعلق بعجزه هو، وعجز طبقته، وبنظامه الاجتماعي كله.

ومنذ مظاهرة يوليو (تموز) المسلحة، صعد منحنى الأحداث نحو انتفاضة أكتوبر. وكانت حملة كورنيلوف أشبه بتدريب نهائي على حملة الثورة المضادة التي شنتها كرنسكي في الأيام الأخيرة من أكتوبر. وما أن هرب قائد الديمقراطية الأعلى تحت راية السفارة الأمريكية، حتى التجأ إلى الجبهة لينجو من البلاشفة وليبحث عن قوة تدعمه، فلم يجد سوى فيلق الخيالة الثالث، الذي كلفه كورنيلوف قبل شهرين بقلب كرنسكي نفسه. كان على رأس هذا الفيلق قائده السابق جنرال القوزاق كراسنوف. الملكي القح، الذي عينه كورنيلوف في هذا المنصب من قبل: ولم يكن من الممكن إيجاد رجل حربي أفضل منه للدفاع عن الديمقراطية.

ولكن هذا الفيلق لم يحتفظ إلا باسمه؛ إذ أن القيادة خفضت عدده، فلم يعد يضم سوى عدة سرايا قوزاق. وبدأ هؤلاء القوزاق يتآخون مع البحارة الثوريين بعد محاولة هجوم فاشلة على الحمر قرب بتروغراد. ثم سلموا كراسنوف للبلاشفة. ورأى كرنسكي أن عليه بعد ذلك أن يهرب من القوزاق والبحارة. وهكذا وجد العمال بعد ثمانية أشهر من قلب الملكية أنهم غدوا على رأس البلاد. فتمسكوا بهذا الوضع بكل صلابة.

وكتب الجنرال الروسي زاليسكي عن هذا الأمر بمرارة وسخط فقال: “من يصدق أن صبيًّا من غلمان البلاط، أو حارسًا في قصر العدل، وصل فجأة إلى منصب الرئاسة في مجلس قضاة الصلح؟ أو أن ممرضًا غدا رئيسًا لوحدة إسعاف؟ وأن حلاقًا ارتقى حتى أصبح موظفًا كبيرًا، وأن حاجبًا أو عاملاً مأجورًا غدا حاكم منطقة بأسرها! إن من كان بالأمس يشحم عجلات القاطرات أصبح اليوم رئيس قسم من شبكة المواصلات أو مدير محطة… ويعمل صانع الأقفال الآن رئيس ورشة!”.

“من يصدق؟”. ولكن من الضروري تصديق ذلك. ولا يمكن تجاهل هذه الحقيقة، طالما أن الملازمين أسقطوا الجنرالات، وأن حاكم المقاطعة الذي كان بالأمس عاملاً مأجورًا قد تغلب على سادة المدينة، وأن مشحمي العجلات أمنوا النقل بشكل جيد، وأن صانعي الأقفال، رفعوا مستوى الصناعة عندما عملوا كمديرين.

وتقول القاعدة الإنكليزية الشهيرة، بأن مهمة النظام السياسي الرئيسية تتمثل في وضع الرجل المناسب في المكان المناسب “the right man in the right place(1) فكيف تبدو تجربة عام 1917 إذا ما نظرنا إليها وفق وجهة النظر هذه؟ لقد كانت روسيا في الشهرين الأول والثاني لا تزال خاضعة لأوامر حق الملكية الوراثية، ويتربع على رأسها رجل حرمته الطبيعة من الميزات، ويؤمن بالأحجية ويخضع لراسبوتين. وفي الأشهر الثمانية التي تلت ذلك، حاول الديموقراطيون والليبراليون من مواقعهم الحكومية الرفيعة إقناع الشعب بأن الثورات تتم ليبقى كل شيء كما كان عليه في الأزمان الغابرة. وليس من المستغرب أن يمر هؤلاء الناس فوق البلاد كأشباح، دون أن يتركوا أثرًا. ومنذ 25 أكتوبر (تشرين الأول)، تربع على رأس القيادة في روسيا لينين، أكبر شخصية عرفها التاريخ السياسي لهذه البلاد. وكانت تحيط به هيئة أركان من المساعدين، الذين أنصفهم حتى أشرس أعدائهم، واعترفوا بأنهم يعرفون ما يريدون، وعلى استعداد للقتال بغية تحقيق أهدافهم. فأي نظام من هذه الأنظمة الثلاث كان قادرًا في الظروف الملموسة التي عاشها على أن يضع الرجل المناسب في المكان المناسب.

وإذا أخذنا ارتقاء الإنسانية بمجمله وجدنا أنه عبارة عن تسلسل انتصارات الوعي على القوى العمياء في: الطبيعة، والمجتمع، والإنسان نفسه. ويفاخر الفكر النقاد الخلاق بالنجاحات الكبيرة التي حققها حتى الآن في صراعه ضد الطبيعة. ولقد وصلت العلوم الفيزيائية – الكيماوية إلى نقطة تساعد الإنسان ولا شك على أن يكون سيد المادة. ولكن العلاقات الاجتماعية تتابع تشكلها بشكل أشبه ما يكون بالجزر المرجانية. ولم تنر البرلمانية سوى سطح المجتمع. ويتصف نورها بالإضافة إلى ذلك، بأنه نور اصطناعي إلى حد ما. فإذا ما قارنا الديمقراطية مع الملكية، ومخلفات عهود أكلة لحوم البشر، وحشية الكهوف، وجدنا أن هذه الديمقراطية تمثل تقدمًا كبيرًا. ولكنها لم تؤثر أبدًا على اللعبة العمياء للقوى في علاقات المجتمع المتبادلة. ففي هذا المجال العميق من مجالات اللاوعي بالذات، رفعت انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) لأول مرة يدها. ويشاء النظام السوفييتي أن يدخل الهدف والخطة إلى أسس المجتمع نفسها؛ حيث سادت حتى تلك اللحظة مجموعة من النتائج المتراكمة فقط.

ويحتج الخصوم قائلين، بأن البلاد بعد 15 سنة من الانتفاضة لا تشبه في أية حال من الأحوال جنة الهناء الشامل، ولا تنبعث هذه الحجة دون ريب إلا من المبالغة في تقدير الإمكانات السحرية التي تملكها الأساليب الاشتراكية، هذا إذا لم نشأ تفسيرها بالحقد الأعمى. لقد كانت الرأسمالية بحاجة لقرون طويلة قبل أن ترفع العلم والتقنية، وتلقي بالإنسان من جراء ذلك في جحيم الحرب والأزمات. ولا يعطي الخصم للاشتراكية سوى 15 عامًا لإقامة الفردوس الأرضي. إننا لم نأخذ على عاتقنا مثل هذه التعهدات. كما أننا لم نحدد هذه الفترة الزمنية في أي وقت من الأوقات. ولا بُدَّ أن يُقيم سير التحولات الكبرى وفق مقاييس ملائمة.

ولكن النكبات التي انهالت على الأحياء! ودم الحرب الأهلية ونارها! وهل يبرر مجمل النتائج التي حققتها الضحايا الذين سقطوا خلالها؟ إن هذا السؤال بحد ذاته يتعلق بفلسفة الوسيلة والغاية، ولذا فهو عقيم بلا معنى. لأن بوسعنا أن نتساءل أمام صعوبات الحياة، ومآسي الوجود الفردي: هل يستحق كل هذا أن يولد المرء في هذا العالم؟ ومع هذا فإن الأفكار السوداوية لم تمنع الناس حتى الآن من أن يولدوا ويتناسلوا. ولا يلجأ إلى الانتحار، حتى في عصرنا الحاضر المليء بالكوارث الجسام، سوى نسبة صغيرة من سكان كوكبنا. وهكذا تبحث الشعوب في الثورة عن مخرج لمتاعب لا تحتمل.

أليس مما يسترعي الانتباه، أن من يُظهرون أشد السخط احتجاجًا على ضحايا الثورات الأهلية هم في أغلب الأحيان ممن مجدوا ضحايا الحرب العالمية، أو اكتفوا على الأقل بالنظر إليها بسلبية وهي تتساقط، إذا لم يكونوا في الأصل مسببي هذه الحرب وصناعتها. ويمكننا أن نتساءل بدورنا: هل الحرب مبررة؟ وماذا أعطت؟ وماذا علمتنا؟

ولا نجد أن هناك ما يستدعي وقوفنا الآن أمام تأكيدات الملاكين الروس المتضررين، التي تحاول البرهان على أن الثورة الروسية سببت انهيار البلاد الثقافي. والحقيقة أن ثقافة النبلاء التي قلبتها ثورة أكتوبر (تشرين الأول) لم تكن تمثل في الحقيقة سوى تقليد سطحي لنماذج أرفع مستقاة من الثقافة الغربية. وبقيت ثقافة النبلاء بعيدة عن متناول الشعب، ولكنها لم تقدم للتراث البشري شيئًا.

وأرسلت ثورة أكتوبر (تشرين الأول) أسس ثقافة جديدة، معدة لخدمة الجميع وهذا ما جعلها تأخذ فورًا أهمية عالمية. ولو افترضنا -لحظة واحدة- بأن النظام السوفييتي انهار مؤقتًا بتأثير الظروف غير الملائمة، وتحت ضغط ضربات العدو لبقي أثر انتفاضة أكتوبر (تشرين الأول) الذي لا يمحى، مطبوعًا رغم كل شيء، على تطور البشرية اللاحق بأسره.

لقد حددت لغة الأمم المتحضرة مرحلتين من مراحل تطور روسيا. فإذا كانت ثقافة النبلاء قد أدخلت في اللغة العالمية المتداولة كلمات بربرية مثل: قيصر وبوغروم (حملات الإبادة والتصفية ضد اليهود)، وناغايكا (سوط من الجلد ذو عدة فروع). فإن ثورة أكتوبر (تشرين الأول) نشرت في كافة أرجاء العالم كلمات حضارية مثل: بلشفي، وسوفييت، وبياتيليتكا (خطة خمسية). وهذا كافٍ لتبرير الثورة البروليتارية، إذا كانت هذه الثورة بحاجة لما يبررها.

“انتهى الكتاب”

الهوامش

  • وردت بالإنكليزية في الأصل.

لقراءة الفصل السابق يمكن مراجعة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: مؤتمر الديكتاتورية السوفييتية جـ 5