الثورة والثورة المضادة في الشرق الأوسط بعد مقتل الزعيم الإيراني واستهداف الطائرة الأوكرانية

0
189

في خضم الثورات في العراق ولبنان، كانت فورة غضب الإمبريالية الأمريكية والنظام الإيراني الناجمة عن اغتيال قاسم سليماني قصير الأمد.

بقلم حسن البرازيلي

في البداية، عزز الرئيس ترامب موقعه من خلال عرض قوي عن طريق القتل الجبان لكلا القائدين العسكريين، الإيراني قاسم سليماني، والعراقي أبو مهدي المهندس، زعيم أحد الميليشيات الشيعية العراقية الرئيسية المتحالفة مع النظام الإيراني، بالإضافة لستة أعضاء آخرين، مما تسبب بإرباك بين حلفاء الإمبريالية الأوروبية ودوائر البرجوازية الأمريكية نفسها.
إثر ذلك، هدّد ترامب بقصف (52) هدفا إيرانيا في حالة الرد والانتقام. أخيرا، كان الانتقام الإيراني الأول محدوداً: قصف قاعدتين جويتين تتشاركهما القوات الأمريكية والعراقية، لم يوقع أي إصابات بسبب التحذير الذي وجهه النظام الإيراني إلى رئيس الوزراء العراقي قبل الهجوم بأكثر من ساعتين، مما مكنهما من إخلاء القواعد.
اكتسب النظام الإيراني قوة إضافية عن طريق تجنب الحرب مع الإمبريالية، واستخدام اغتيال سليماني لاكتساب الشرعية لسياساته داخل إيران وخارجها.
داخل البلاد، نُظّمت عدة مظاهرات ضد العدوان الأمريكي تلت المذبحة الأخيرة التي ارتكبها النظام لمدة أربعة أيام في منتصف نوفمبر، حيث قُتل حوالي 1500 محتج واعتُقل أكثر من سبعة آلاف لاحتجاجهم على ارتفاع أسعار الوقود والمطالبة بإنهاء الديكتاتورية وبحياة وظروف معيشية أفضل.
في العراق، دعم النظام الطائفي الذي فرضه الاحتلال الأمريكي في عام 2003 وتقاسمته القطاعات البرجوازية الموالية للإمبريالية ولإيران، تصويتاً لصالح إيران في 5 يناير، أتاح للبرلمان مطالبة القوات العسكرية الإمبريالية مغادرة البلاد. بالإضافة إلى ذلك، استمرّت الميليشيات الشيعية الموالية لإيران بمهاجمة المظاهرات المستمرة منذ الأول من أكتوبر للمطالبة بإنهاء النظام الطائفي وظروف معيشية أفضل.
أخيرا، شجع هذا الصراع الستالينيين والكاسترويين (نسبة إلى الرئيس الكوبي الراحل فيدال كاسترو) في جميع أنحاء العالم للدفاع عن الديكتاتورية الإيرانية دون عناء عن طريق الإهمال المتعمّد للنضالات الشعبية والثورات الديمقراطية في المنطقة.

القوة التي لا تدوم طويلاً

لم تدم قوة ترامب طويلا.
صوّت مجلس النواب الذي تقوده المعارضة الديمقراطية للحد من سلطات الرئاسة للقيام بأي عمل عسكري في المستقبل ضد إيران دون استشارة البرلمان، والآن على مجلس الشيوخ المنقسم اتخاذ موقف ما.
كانت الصحافة الأمريكية قد ذكرت بأن ترامب أذِن أيضاً بعملية عسكرية لاغتيال زعيم إيراني آخر في اليمن، لكن العملية فشلت. في الوقت ذاته، أجرى وزير الدفاع الأميركي مارك إسبر مقابلة علنية ذكر فيها أنه لم يكن على علم بأي خطط من قبل سليماني لمهاجمة السفارات الأمريكية، وهو السبب الرئيسي الذي تذرّع به ترامب للسماح بقتله. فيما نشرت صحيفة “الاندبندنت” البريطانية مقالاً يشير إلى صفقات كانت قد أُبرمت بين ترامب والشركات الإيرانية التي كانت بمثابة واجهة لشركات الحرس الثوري الإيراني برئاسة قاسم سليماني نفسه.
أخيراً، كان دعم الإمبريالية الأوروبية لترامب محدوداً، فيما تلقى دعماً متحمساً من دولة “إسرائيل” وحلفائه السعوديين. وقد انتقد ضابط احتياط برازيلي بارز العملية التي قام بها ترامب، معتبراً أن العملية كانت بمثابة قصف للولايات المتحدة للبرازيل بذريعة مهاجمة PCC (واحدة من أكبر منظمات المافيا في العالم، وهي متورطة بتجارة المخدرات والجريمة المنظمة، ومقرها الرئيسي ولاية ساوباولو البرازيلية – المترجم).

 الطائرة المستهدفة تضع النظام الإيراني في أزمة

كان غلوّ النظام الإيراني قصير الأمد، فبإسقاط الطائرة الأوكرانية وعلى متنها 176 راكباً معظمهم من الإيرانيين في 7 كانون الثاني/ يناير، وإنكار أي مسؤولية عن تفجيرها لمدة ثلاثة أيام، انتهى باحتشاد المحتجّين في الشوارع مرة أخرى، وقد استمرّت الاحتجاجات لأربعة أيام بقيادة الحركة الطلابية ومشاركة قطاعات أخرى.
استقال عدّة صحافيين ممّن يعملون في وسائل إعلام النظام، وأطلق الفنانون بياناً أعلنوا فيه مقاطعة مهرجان “الفجر” الذي ينظّمه النظام، ويقدّم فيه جوائز مكافِئة لـ “أوسكار” هوليود.
أعلنت الرياضية الإيرانية الأهم والأكثر شهرة عن مغادرتها البلاد وانتقدت بشدة النظام لمعاملته السيئة للنساء وبقية فئات المجتمع بشكل عام، فيما طالب زعيم المعارضة البرجوازية باستقالة المرشد الأعلى آية الله خامنئي. على خلفية كل ذلك، أعلن الرئيس حسن روحاني أن ما حدث خطأ غير مقبول ودعا إلى تشكيل محكمة لمحاكمة جميع المعنيين باستهداف الطائرة، وهم في أغلبهم من قطاعات النظام المرتبطة مباشرة بآية الله خامنئي، كـ “الحرس الثوري”، وهو المسؤول المباشر عن إطلاق الصواريخ.
أخيراً، استعادت الثورة العراقية زخمها هذا الأسبوع من خلال تنظيم مظاهرة كبرى في بغداد للمطالبة بإسقاط النظام البرجوازي الطائفي، والتعبير عن رفض الثوار تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة صراع أميركية – إيرانية، رافضين أيضاً تأثير كلا الدولتين على بلادهم.
على الجانب الآخر، نفّذت الثورة اللبنانية (التي تواجه أيضاً النظام البرجوازي الطائفي، والذي يُعتبر “حزب الله” المدافع الرئيسي عنه في الوقت الحالي، وهو حزب لبناني متحالف مع النظام الإيراني) نفّذت “أسبوع الغضب” الذي تخلّلته أعمال عنف (احتجاجات ضد البنك المركزي، إغلاق الطرق العامة، واحتلال المباني الحكومية) على الرغم من تناقص أعداد المتظاهرين.

  استمرار الصراع على الهيمنة الإقليمية

على الرغم من الصعوبات والنكسات، لم تغادر أي من القوى السياسية الثلاث ساحة المعركة.
حصل ترامب على دعم من الإمبريالية الأوروبية لفرض صفقة نووية جديدة مع إيران ومنع القوات الأمريكية من مغادرة العراق، الأمر الذي يضع البلاد فعلياً تحت الهيمنة الإيرانية. وقد ساعده أيضاً موقف الدول التي كان لديها مواطنون في رحلة الخطوط الجوية الأوكرانية التي أسقطتها الصواريخ الإيرانية لزيادة الضغط على النظام الإيراني.
على المستوى الإقليمي، يتمتع ترامب بالدعم العسكري “الإسرائيلي” الذي يقصف بانتظام الميليشيات المرتبطة بالنظام الإيراني على الأراضي السورية وفيما بعد على الأراضي العراقية بمصادقة النظام الروسي، كما يحظى بدعم البرجوازية الكردية التي تعمل للحفاظ على نفوذها في العراق.
من جهة أخرى، اعترض النظام الإيراني على إعادة ترشّح نحو (90) نائباً ينوون خوض انتخابات 21 شباط/ فبراير، على اعتبار أنهم مرشحون “إصلاحيون”، يؤيدون النظام، لكنهم ينتقدون آية الله علي خامنئي، وهو ما سيقوض شرعية الانتخابات من خلال السماح بالمشاركة فقط للمرشحين المؤيدين لآية الله علي خامنئي. بالتزامن، عقدت الميليشيات الشيعية العراقية الرئيسية اجتماعاً في مدينة قم المقدسة لتوحيد الجهود لإنهاء النفوذ الأمريكي في العراق والقضاء على الثورة العراقية تماماً. حظي الاجتماع بدعم كبير من الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، الفائز في الانتخابات الأخيرة، وزعيم “جيش المهدي” (الذي يعمل تحت اسم جديد “سرايا السلام”). وقد اقترح الصدر تنظيم مسيرة مليونية باتجاه “ميدان التحرير” وسط العاصمة بغداد، احتجاجاً على الوجود العسكري الأميركي على الأراضي العراقية. اختيار “ميدان التحرير، وهو المكان الرئيسي والأكثر رمزية للمظاهرات المناهضة للنظام، يعني في الواقع شن هجوم على المتظاهرين المناهضين للنظام.
أخيراً، يستأنف المتظاهرون المناهضون لأنظمة الحكم في إيران والعراق ولبنان التعبئة والتحشيد دون أي تحالف مع الإمبريالية الأمريكية. وقد عبّر الطلاب الإيرانيين في بيانهم عن وقوفهم ضد كل من نهجي الشاه (الذي يرمز إلى النظام الموالي للولايات المتحدة) والمرشد الأعلى (الذي يرمز إلى نظام ولاية الفقيه الحالي)، فيما يحذو المتظاهرون في العراق ولبنان حذوهم.

موقفنا في “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”

إننا في “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة” نرفض العدوان الأمريكي ونطالب بانسحاب القوات الأمريكية من جميع أنحاء الشرق الأوسط، وندعو جميع العمال والقوى الديموقراطية المناهضة للإمبريالية إلى الحشد والتعبئة في كافة البلدان وفي كل مكان، خاصة في الولايات المتحدة، ضد العدوان الأمريكي، ومن أجل سحب جميع القوات، وإغلاق جميع القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وإنهاء العقوبات الجائرة ضد إيران.
في الوقت نفسه، نحن ندعم الثورة العراقية التي تناضل لإسقاط النظام الطائفي وإنهاء الهيمنة الأمريكية والإيرانية على البلاد. كما ندعم المحتجين الإيرانيين الذين يناضلون في سبيل إسقاط نظام ولاية الفقيه.
أخيراً، نعبّر عن دعمنا للثورة اللبنانية ضد النظام الطائفي، وندعو جميع القوى العمالية والتقدمية لبناء حالة من التضامن الأممي مع هذه السيرورة الثورية.
يمر طريق انتصار الثورات من خلال الحفاظ على الروح الثورية، وتنظيم المجالس العمالية والشعبية، وتوحيد الطبقة العاملة ووسائل كفاحها، والانشقاقات في الجيش وقوات الشرطة، واستقطاب الجنود إلى جانب الثورة، وعبر تشكيل منظمات سياسية ثورية تلعب دوراً أساسياً في مساندة هذه الثورات حتى تحقيق النصر، والانتقال إلى الإشتراكية، ومناهضة الرأسمالية، كي  لا تحصر نفسها في تفكيك الأنظمة الاستبدادية والثيوقراطية والطائفية.

ترجمة فيكتوريوس بيان شمس