رأس المال: الفصل الثامن

0
267

ثالثا – فروع الصناعة الإنكليزية حيث الاستغلال غير مقيد بقانون

اقتصر البحث، حتى الآن، على نزوع رأس المال إلى تمديد يوم العمل، اقتصر على شهية الذئب الرأسمالي إلى العمل الفائض بميدان لم تستطع فظائع الإسبان تجاه الهنود الحمر في أميركا (1) تجاوز النهب الوحشي لرأس المال فيه، على حد تعبير أحد الاقتصاديين البورجوازيين الإنكليز، مما اقتضى، في آخر المطاف، تكبيل رأس المال بأغلال ضوابط القانون. والآن دعونا نلقي نظرة على بعض فروع الإنتاج حيث ما يزال استنزاف قوة العمل، إما طليق اليدين حتى يومنا هذا، أو هكذا كان حتى الأمس القريب.
“أعلن قاضي المقاطعة السيد بروتون شالتون، بوصفه رئیس الاجتماع الذي عقد في دار بلدية نوتنغهام، في الرابع عشر من كانون الثاني / يناير 1860 أنه كان ثمة قدر من الحرمان والبؤس عند ذلك الشطر من السكان العاملين في صناعة المحرمات، لا نظير له في أنحاء أخرى من المملكة، بل وفي العالم المتمدن…. ففي حوالي الثانية أو الثالثة أو الرابعة فجراً، ينتزع أطفال في التاسعة أو العاشرة من العمر، من أَسرّتهم القذرة، ويرغمون على العمل، لقاء ما يسد الرمق لا غير، حتى الساعة العاشرة أو الحادية عشرة أو الثانية عشرة ليلا. إن أطرافهم تذوي، وأجسادهم تهزل، ووجوههم يكتسبها الشحوب، وطبيعتهم البشرية تغرق في خمود وتحجر يبعث مرآه على الذعر… لا عجب إذن أن ينبري السيد ماليت وغيره من الصناعيين إلى المعارضة والاحتجاج على بحث مثل هذه الأمور… إن هذا النظام، كما وصفه المحترم مونتاغيو فالبي، هو نظام عبودية مطلق من أي النواحي أتيته، اجتماعية كانت أم جسدية أم أخلاقية أم روحية … ماذا نقول عن مدينة تعقد اجتماعا عاما لتتقدم بالتماس يدعو إلى تقليص فترة عمل الراشدين إلى 18 ساعة في اليوم؟… إننا ننتقد بشدة أرباب مزارع القطن في ولايتي فرجينيا وكارولينا. ولكن يا ترى هل سوقهم التي يباع فيها الزنوج، وجلد العبيد بالسياط، والمتاجرة باللحم البشري، هي أفظع من هذا الذبح البطيء للبشر الذي يجري ابتغاء صنع براقع وياقات ليغنم الرأسماليون منها الربح (2).
لقد تعرضت معامل الخزف والفخار (Pottery) في ستافوردشاير إلى ثلاثة تحقيقات برلمانية خلال الاثنين والعشرين عاما الماضية. وثبتت نتائج هذه التحقيقات في تقرير السيد سكريفن عام 1841 الذي أحيل إلى «مراقبي لجنة استخدام الأطفال»، وكذلك في تقرير الدكتور غرينهو لعام 1860 الذي نشر على الملا بأمر من المدير الطبي للمجلس الاستشاري (*). تقارير الصحة العامة، التقرير الثالث ص 112-113، وأخيراً في تقرير السيد لونج لعام 1862 والذي ورد في التقرير الأول للجنة استخدام الأطفال الصادر في 13 حزيران/ يونيو . 1863 ويكفي للغرض الذي نتوخاه أن نستل من تقارير عامي 1860 و1863 بعض شهادات الأطفال المستغلين أنفسهم، ونستطيع، من إفادة هؤلاء، أن نحكم على وضع الراشدين، وبخاصة الفتيات والنساء، في فرع صناعي تبدو صناعة غزل القطن، إن قورنت معه، مهنة لطيفة وصحية (3).
كان وليم وود، وعمره 9 سنوات، و”يبلغ 7 سنوات و10 أشهر حين شرع في العمل”. وكان هذا الصبي يعمل “ناقل قوالب” (ran moulds) منذ البداية (يحمل الآنية التي صبت في القوالب إلى غرفة التجفيف، ثم يعود بالقالب الفارغ). كان يوم العمل في السادسة صباحا وينصرف نحو التاسعة مساء، على مدى أيام الأسبوع. “إنني أعمل حتى التاسعة مساء طوال ستة أيام في الأسبوع. وقد دأبت على هذا 7 أو 8 أسابيع”. طفل في السابعة يكدّ 15 ساعة في اليوم!

ويقول ج. مواري، وهو صبي في الثانية عشرة من العمر: “إنني أدير الآلة وأحمل القوالب آتي إلى العمل في السادسة صباحا، وأحيانا في الرابعة فجرا. اشتغلت طوال الليل الفائت حتى السادسة من هذا الصباح. ولم أنم منذ ليلة أمس الأول. وهناك ثمانية أو تسعة أولاد اشتغلوا معي في الليلة الماضية. وقد عادوا جميعا هذا الصباح ما عدا واحد. إنني أتقاضى 3 شلنات و6 بنسات (= تالر واحد وخمسة غروشنات). ولا أحصل على بنس إضافي لقاء العمل الليلي. لقد عملت ليلتين خلال الأسبوع الماضي.
ويقول فيرنيهو، وهو صبي في العاشرة: “لا أحصل دائما على ساعة (للغداء). ولا أنال أحياناً غير نصف ساعة في أيام الخميس والجمعة والسبت” (4).
ويفيد الدكتور غرينهو أن حياة الإنسان خارقة القِصر في مناطق صناعة الفخار في ستوك أون ترنت ووولستانتون. ورغم أن العاملين في معامل الفخار لا يزيدون عن 36,6% في مقاطعة ستوك و30,4% في مقاطعة وولستانتون من السكان الذكور الراشدين ممن تجاوزوا سن العشرين، فإن أكثر من نصف وفياتهم في المقاطعة الأولى وزهاء 2/5 من الوفيات في المقاطعة الثانية ناتجة عن الأمراض الصدرية المستشرية بين عمال الفخار الذكور. ويقول الدكتور بوثرويد، وهو طبيب ممارس في هانلي: “إن كل جيل جديد من عمال الفخار هو أقصر قامة وأضعف بنية من الجيل السابق”.
وعلى غرار ذلك نجد دكتوراً آخر هو السيد ماك بين: “لاحظت، منذ أن شرعت بممارسة مهنتي بين عمال الفخار قبل 25 عاما، أن هناك انحطاطاً جسدياً مذهلا لدى هؤلاء، يتجلى بوجه خاص، في قصر القامة وهزال البدن”.
وقد استقيت هذه الشهادات من تقرير الدكتور غرينهو عام 1860(5).
وجاء في تقرير مفوضي اللجنة لعام 1863 ما يلي: «يقول الدكتور ج. ت. آرلیدج، رئيس الأطباء في مصح نورث ستافورد شایر: “إن عمال الفخار، ذكورا كانوا أم إناثا، يمثلون من حيث كونهم فئة، قوماً يعانون من انحطاط جسدي ومعنوي على السواء. فنموهم، على العموم، قد توقف، وبنيتهم مشوهة، وهم مصابون في الغالب بتشويه في الصدر، إنهم يشيخون قبل الأوان، ويموتون في سن مبكرة دون ریب، ويعانون من البلغم وفقر الدم، ويظهر ضعف بنيتهم في الإصابة بنوبات حادة من سوء الهضم، والتهابات الكبد والكليتين والروماتيزم. ولعل الأمراض الصدرية هي أشد ما يفتك بهم، فهم عرضة للإصابة بذات الرئة والسل الرئوي، والتهاب القصبات والربو، وثمة داء غریب خاص بهم يعرف بربو عمال الفخار أو سل الفخار. إن التدرن اللمفاوي الذي يصيب الغدد والعظام، وأعضاء أخرى من الجسم، هو المرض الساري عند ثلثي عمال الفخار ولربما أكثر… وإذا كان “انحطاط بنية” (degenerescence) سكان هذه المقاطعة ليس أعظم من ذلك، فإن الفضل يرجع إلى تدفق أناس جدد من القرى المتاخمة، وتحسين النسل بالتزاوج مع أجناس اوفر صحة” (*2).
ويشير السيد تشارلز بارسونز، وكان حتی آونة قريبة جراح المصح المذكور عينه، في رسالة للمفوض لونج، إلى أمور عديدة من بينها ما يلي: “لا أستطيع التحدث استنادا إلى معطيات احصائية وإنما تبعاً لملاحظاتي الشخصية، ولكنني لا أتردد في القول إن سخطي ثار، مراراً وتكراراً، عند مرأى الأطفال المساكين الذين يُضحّى بصحتهم على مذبح جشع الآباء أو أرباب العمل”.
ويعدد الدكتور العوامل المسببة لأمراض عمال الخزف، فیوجزها في هذه العبارة  المقتضبة “ساعات العامل الطويلة”، (long hours). ويعبر تقرير اللجنة عن الأمل في أن: “صناعة كهذه تتبوأ مكانة عالمية بارزة، لن ترتضي لنفسها أن تكون عرضة للانتقاد من أن نجاحها الكبير يقترن بالانحطاط الجسدي والعذابات الجسيمة المستشرية، والموت المبكر للعاملين… الذين لولا جهودهم لما أينعت هذه الثمار الباهرة (6).
إن كل ما ينطبق على معامل الفخار في إنكلترا ينطبق على مثيلاتها في اسكتلندا أيضا (7). يرجع عهد صناعة عيدان الثقاب الكبريتية إلى عام 1833، وهو عام اكتشاف طريقة تثبيت الفوسفور على عود الثقاب نفسه. ونمت هذه الصناعة نمواً سريعاً في إنكلترا، ابتداء من عام 1845، ثم انتشرت في احياء لندن المكتظة بالسكان بوجه خاص، وكذلك في مانشستر وبرمنغهام، وليفربول وبريستول ونورويتش، ونيوكاسل وغلاسكو، وانتشر معها ضرب من الكزاز (*3). واكتشف أحد الأطباء من فيينا في عام 1845 أنه مرض خاص بالعاملين في صناعة عيدان الثقاب الكبريتية. إن نصف العمال هم أطفال دون الثالثة عشرة أو فتيان دون الثامنة عشرة. وهذه الصناعة مضرة بالصحة وكريهة، وسيئة السمعة، إلى درجة أن لا أحد يرتضي أن يرسل إليها أطفاله، غير تلك الفئات الأشد بؤساً من الطبقة العاملة، كالأرامل المتضورات جوعاً (وغيرهن) اللائي يبعثن ب «أطفال خام، شبه جياع وعراة» (8). ومن بين الشهود الذين استجوبهم المفوض وايت (عام 1863)، كان ثمة 270 دون سن الثامنة عشرة، و40 درن العاشرة، و10 في الثامنة، و5 في السادسة من العمر. ويتراوح يوم العمل بين 12 إلى 14 ساعة، أو يمتد إلى 15 ساعة، مقرونة بعمل ليلي، وعدم انتظام أوقات الطعام، وغالبا ما يأكلون الوجبات في ورش العمل نفسها المسممة بالفوسفور. وكان حرياً بدانتي أن يرى في عذابات هذه الصناعة ما يفوق أسوأ العذاب الذي تخيله في جحيمه.
ونجد في صناعة ورق تزيين الجدران، أن الأنواع الخشنة تطبع بواسطة الآلة، أما الأنواع الدقيقة فتطبع باليد (الطباعة بالكليشه block printing). وأنشط موسم لرواج هذه الصناعة يمتد من بداية تشرين الأول/ أكتوبر حتى نهاية نيسان/ إبريل. ويمضي العمل خلال هذه الفترة على نحو مدوّم وعاصف دون لحظة انقطاع منذ السادسة صباحا وحتى العاشرة مساء، بل ولربما يمتد ليلا أكثر من ذلك.
ويشهد ج. ليتش قائلا: “في الشتاء الماضي، (عام 1862) «انقطعت 6 فتيات من أصل 19 بسبب تدهور صحتهن من جراء الإفراط في العمل. وكان عليّ أن أزعق بهن كي أبقيهن متيقظات». ويقول و. دوفي: “شهدت الأطفال وهم في حال لا يستطيعون معه أن يفتحوا عيونهم لمواصلة العمل، والحق لم يكن باستطاعتنا نحن أيضا أن نفعل ذلك”. وهذا ج. لايتبورن يقول: “عمري 13 سنة… عملنا في الشتاء الماضي حتى التاسعة “مساء)، وفي الشتاء الذي سبقه حتى العاشرة. وفي كل ليالي الشتاء الماضي كنت أبكي بسبب قدمي المتقرحتين”. ج. أبسدن: “ولدي الصغير هذا… حين كان في السابعة كنت أحمله على ظهري، وأخوض الجليد جيئة وذهابا إلى المصنع، وكان يعمل، في العادة، 16 ساعة يوميا … وغالبا ما كنت اركع كي أطعمه أثناء عمله خلف الآلة، لأنه لم يكن يستطيع أن يتركها ولا أن يتوقف عن العمل. ويقول سميث الشريك والمدير في أحد مصانع مانشستر: «نحن (يقصد المستخدمين) الذين يعملون ل “نحن” نستمر في العمل دون توقف لتناول وجبات الطعام، بحيث أن يوم العمل المؤلف من عشر ساعات ونصف الساعة ينتهي في الرابعة والنصف عصرا، وكل عمل بعد ذلك هو عمل إضافي» (9). (هل حقا أن هذا السيد سميث نفسه لا يتناول أي وجبة خلال عشر ساعات ونصف الساعة؟) ونحن (هذا السميث نفسه) نادرا ما نكف عن العمل قبل السادسة مساء (يعني نادرا ما نكف عن استهلاك “آلاتنا البشرية”) بحيث أننا (ها أنت ثانية با کریسبینوس iterum Crispinus) (*4) نمارس العمل الإضافي في الواقع على مدار السنة كلها … وإن الأطفال والراشدين على حد سواء (152 طفلا وولداً و140 راشداً) كانوا يعملون، بصورة وسطية، 7 نهارات و5 ساعات أي 78، 1/2 ساعة في الأسبوع خلال الأشهر الثمانية عشر الأخيرة. وكان المعدل الوسطي أكبر من ذلك خلال الأسابيع الستة التي تنتهي في الثاني من أيار/ مايو لهذا العام 1863) – ويبلغ 8 نهارات، أي 84 ساعة في الأسبوع!”.

مع ذلك فهذا السيد سميث عينه، المنذور لأصحاب الفخامة (pluralis majestatis) (*5)، يضيف بابتسامة رضى: «إن العمل بالآلة ليس شاقاً». وعلى عكس ذلك يقول أرباب المصانع الذين يستخدمون الطباعة باليد (block printing): «إن العمل اليدوي أسلم للصحة من العمل الآلي». وعلى العموم يجابه أرباب المصانع، في سخط، الاقتراح الداعي إلى “توقف الآلات خلال فترات تناول الطعام على الأقل”.
ويقول السيد أوتلي، مدير مصنع ورق تزيين الجدران في بورو (لندن)، إن «مادة قانونية تسمح بالعمل بين السادسة صباحا، على سبيل المثال، والتاسعة مساء… سوف تكون مناسبة (!) لنا تماما، بيد أن ساعات عمل المصانع التي تبدأ في السادسة صباحا وتنتهي في السادسة مساء غير مناسبة (!) فآلاتنا تتوقف دائما عند حلول موعد الغداء (يا للسخاء!). وليس ثمة خسارة تستحق الذكر في الورق والألوان». ويضيف في تعاطف وتأييد «بوسعي أن أتفهم النفور من أي خسارة في الوقت».
ويعرب تقرير لجنة استخدام الأطفال بسذاجة عن الرأي بأن خوف بعض “الشركات الكبرى” من خسارة الوقت، ومعنى ذلك خسارة الوقت المخصص لنهب عمل الآخرين، وبالتالي خسارة “الأرباح”، ليس سببا كافياً، لدفع أطفال دون الثالثة عشرة وأحداث دون الثامنة عشرة، للعمل من 12 إلى 16 ساعة يوميا، وحرمانهم من غدائهم، أو تقديم هذا الغداء لهم على غرار تقديم الفحم والماء للمحرك البخاري، والصابون للصوف، والزيت للدولاب – أي كما تقدم المادة المساعدة لوسائل العمل في أثناء سير الإنتاج نفسه (10).
وليس ثمة صناعة في إنكلترا (عدا عن صناعة الخبز آلياً، التي بدأت مؤخراً والتي سنغفل عنها راهنا) قد حافظت حتى يومنا هذا، على أنماط إنتاج بالية، موغلة في القدم، تعود إلى ما قبل ظهور المسيح – كما نرى من قصائد شعراء الإمبراطورية الرومانية – مثل صناعة الخبز. ولكن سبق أن ذكرنا أن رأس المال إذ يغزو ميداناً، لا يعبأ، بادئ الأمر، للطابع التقني لعملية العمل فيه، فهو يأخذها بادئ الأمر كما يجدها.
لقد افتضح غش الخبز، هذا الغش الذي لا يصدق، وخصوصا في لندن، الأول مرة، على يد لجنة مجلس العموم الخاصة بـ “غش الأطعمة”، وفي مؤلف الدكتور هاسال المعنون کشف حالات الغش Adulterations detected (11)، الملحق. وفي أعقاب هذه الفضائح شرع قانون السادس من آب/ أغسطس 1860 “لمنع غش الأطعمة والمشروبات” (for preventing the adulteration of articles of food and drink)، وهو قانون ظل بلا مفعول، لأنه يبدي أقصى ما يمكن من رقة نحو كل تاجر حر يسعی، بشراء وبيع السلع المغشوشة، إلى كسب قرش حلاله (12)، وعبرت اللجنة نفسها، بهذا القدر أو ذاك من السذاجة، عن قناعتها بان التجارة الحرة تعني، في الأساس، المتاجرة ببضائع مغشوشة، أو بضائع تنطوي على “مادة مغالطة” (*6)، حسب التعبير الإنكليزي الحاذق. والواقع أن هذا النوع من “السفسطة”، يجيد جعل الأبيض أسود، والأسود أبيض، خيراً من بروتاغورس (*7)، ويفوق الأيليين (*8) في أن يظهر للعين (ad oculos) أن كل الأشياء الواقعية ليست إلا مظهراً (13). ومهما يكن الأمر فإن اللجنة قد لفتت انتباه الجمهور إلى خبزه اليومي، وبالتالي إلى صناعة الخبز. وفي الوقت عينه جعل عمال الخبازة المياومون في لندن يضجون في الاجتماعات العامة والعرائض المرفوعة إلى البرلمان، شاكين من الإفراط المرهق في العمل وما إلى ذلك. وكان ضجيجهم من الإلحاح بحيث أن السيد هـ. س. تریمنهير، وهو عضو لجنة عام 1863 التي ذكرناها مراراً، عُيّن مفوضاً ملكياً للتحقيق في جلية الأمر. وجاء تقريره (14)، وما قدم من أدلة، ليحرك معدة الجمهور لا قلبه. ويعرف الإنكليز، المتمسكون دوما بالكتاب المقدس، خير معرفة أن على الإنسان أن يأكل خبزه بعرق جبينه ما لم تصطفيه العناية الإلهية لتجعل منه رأسمالياً أو مالكاً عقارياً أو موظفاً طفيلياً (*9)، ولكنهم كانوا يجهلون أن عليه أن يتناول في خبزه اليومي كمية معينة من العرق البشري الممزوج بالقيح وخيوط العنكبوت وجثث الخنافس السوداء، والخميرة الألمانية المتعفنة، هذا من دون أن نذكر مسحوق الشب والرمل، وغير ذلك من المواد المعدنية اللطيفة. وهكذا من دون مراعاة “للتجارة الحرة” (Free trade) صاحبة القداسة، أخضعت صناعة الخبز «الحرة» حتى ذلك الحين لرقابة مفتشي الدولة (في ختام الدورة البرلمانية العام 1863)، وحُظر على الخبازين المياومين ممن هم دون سن الثامنة عشرة من العمل من التاسعة مساء حتى الخامسة صباحا بموجب القرار البرلماني نفسه. ويفصح هذا البند القانوني الأخير، بما يعادل كتابة مجلدات، عن العمل المرهق في هذه الحرفة الأبوية، المنزلية القديمة.

“يبدأ عمل الخباز المياوم في لندن، عادة، زهاء الحادية عشرة مساء. وفي تلك الساعة يبدأ ب “صنع العجين” – وهي عملية مرهقة تستغرق نصف ساعة أو ثلاثة أرباع الساعة حسب كتلة العجين أو مقدار ما تقتضيه من عمل، ثم يضطجع على لوح العجن الذي يستخدم غطاء الوعاء المعجن، يفترش کیسا ويلف آخر بمثابة وسادة، ليرقد زهاء ساعتين. وينخرط بعدئذ في عمل سریع متواصل على مدى 5 ساعات – يكور العجين، و”يزنه”، ويشكله ويضعه في الفرن، ثم يحضر ويخبز الأرغفة والخبز الفاخر، ويستل الخبز الناضج من الفرن، وينقله إلى مخزن البيع، إلخ، إلخ. وتتراوح درجة حرارة الفرن من 75 إلى 90 (درجة فهرنهایت)، وفي الأفران الصغيرة تكون درجة الحرارة، عادة، قرب الحد الأعلى، وليس الأدنى. وما إن ينتهي صنع الخبز والأقراص، إلخ، حتى يبدأ التوزيع، وأن قسماً كبيراً من العمال المياومين في هذه الحرفة يظلون بعد أداء العمل الليلي المضني على النحو الذي وصفناه، على الأقدام، ساعات وساعات خلال النهار، حاملين السلال أو دافعين العربات باليد لتوزيع الخبز، وفي بعض الأحيان يؤوبون إلى المخبز مرة أخرى، ويمكثون حتى ينتهي العمل في وقت ما بين الساعة الواحدة والسادسة بعد الظهر، وذلك تبعا للموسم، ومقدار وطبيعة عمل سيدهم، في حين أن عمالا آخرين يتولون “صنع” المزيد من الأرغفة حتى آخر العصره” (15).. و”خلال ما يسمى بـ «موسم لندن»، فإن شغيلة المخابز التي تبيع الخبز بالسعر “الكامل” في الحي الغربي بلندن، يبدأون العمل، عموما، منذ الحادية عشرة مساء وحتى الثامنة صباحا من دون أن يتوقفوا للاستراحة سوى مرة أو مرتين لفترة قصيرة (وأحياناً قصيرة جدا). بعد ذلك يعملون طوال النهار، حتى الرابعة أو الخامسة أو السادسة، ولربما السابعة مساء، في توزيع الخبز، أو يعودون بعض الأحيان إلى المخبز للمشاركة في إعداد البسكويت. وبعد أن ينجزوا العمل، قد يتسنى لهم الخلود إلى النوم 5 أو 6 ساعات، وأحيانا لا أكثر من 4 إلى 5 ساعات، قبل أن يعاودوا الكرة من جديد. وفي أيام الجمعة يباشرون العمل، عادة، في موعد أبكر، وبعضهم يبدأ في حوالي العاشرة مساء، ثم يستمرون في صنع الخبز أو توزيعه حتى الثامنة من مساء السبت، وفي أغلب الأحيان يظلون حتى الرابعة أو الخامسة من صباح الأحد. وفي أيام الآحاد يتعين على الخبازين الحضور مرتين أو ثلاث مرات في النهار لقضاء ساعة أو ساعتين في العمل التحضيري لخبز اليوم القادم… أما عمال أرباب المخابز الذين يبيعون الخبز دون سعره الكامل (under selling masters) (ويؤلف هؤلاء ثلاثة أرباع الخبازين في لندن كما أشرنا سابقا) فإن عليهم، عادة، ليس أن يشتغلوا ساعات أطول فحسب، بل وإن عملهم محصور، بكامله تقريبا، في المخبز. فأرباب المخابز هؤلاء يبيعون الخبز … في الحانوت. وإذا ما عنّ لهم توزيعه، وهذا أمر غير مألوف عدا عن تزويد حوانيت باعة المفرق بالخبز، فإنهم يستخدمون بعض العمال لهذا الغرض. فليس من عادتهم بيع الخبز من بيت لبيت. وعند نهاية الأسبوع… يبدأ الرجال بالعمل في العاشرة من مساء الخميس، ويستمرون به حتى وقت متأخر من مساء السبت، باستثناء توقف وجيز ليس إلا(16).
وحتى العقل البورجوازي يفهم وضع أرباب المخابز ممن يبيعون «دون السعر الكامل» (under selling masters) فعمل العمال غير مدفوع الأجر هو المنبع الذي يتيح لهم خوض غمار المنافسة (17). ويتّهم أرباب المخابز الذين يبيعون بالسعر الكامل، منافسيهم ممن يبيعون «دون هذا السعر» (under selling)، أمام لجنة التحقيق، بأنهم لصوص يسرقون عمل الغير ويغشون الخبز.

“إنهم لا ينجحون إلا لأنهم أولا يغشون الجمهور ثم لأنهم ينتزعون من عمالهم 18 ساعة عمل لقاء أجر 12 ساعة (18).
ويعود تاريخ غش الخبز، وظهور طائفة من أرباب المخابز تبيع الخبز دون سعره الكامل، إلى بداية القرن الثامن عشر، منذ أن أخذت مهنة الخبازة تفقد طابعها كطائفة حرفية مغلقة (*10)، ودخل الرأسمالي، في شكل طحان أو تاجر طحين، ليطغى على الأسطة الخباز جاعلا منه رب عمل اسمياً (19). وبهذا توطدت في هذه الصناعة أسس الإنتاج الرأسمالي، والتمديد بلا حدود ليوم العمل، والعمل الليلي، رغم أن هذا الأخير لم يقف على قدميه فعلا، حتى في لندن، إلا في عام 1824(20).
وبعد هذا الذي قيل توا، يمكن للمرء أن يفهم لماذا يصنف تقرير اللجنة الخبازين المياومين بين فئة العمال ذوي الأعمار القصيرة، فهم بعد أن أفلتوا، بضربة حظ، من الموت الاعتيادي لأطفال سائر شرائح الطبقة العاملة، نادرا ما يبلغون سن الثانية والأربعين. مع هذا، فإن مهنة الخبازة تعج على الدوام بالراغبين في العمل. ومصادر تزويد لندن “بقوى العمل” الجديدة، تنبع من اسكتلندا والمناطق الزراعية في غرب إنكلترا وأيضا ألمانيا.
وقد نظم الخبازون المياومون في إيرلندا، خلال سنوات 1858-1860، على نفقتهم الخاصة، مؤتمرات كبيرة للتحريض ضد العمل الليلي والعمل في أيام الآحاد. وانحاز الجمهور – كما في مؤتمر دبلن في أيار/ مايو 1860 – إلى جانبهم بحمية إيرلندية مشهودة. وتمخض عن هذه الحركة فرض العمل النهاري فعلا في ويكسفورد وکیلکني وكلونمل وواترفورد، إلخ.

“وفي ليميرك، حيث يعترف الكل بأن مآسي العمال فائقة، هزمت الحركة من جراء معارضة أرباب المخابز، وكانت معارضة الخبازين من أرباب المطاحن (*11) أشد ضراوة. وأدى الإخفاق في ليميرك إلى نكوص في أينس ونيبيراري. أما في كوك، حيث تجلت المشاعر بأعنف صورها، فقد عمد أرباب المخابز إلى ممارسة سلطانهم بطرد العمال، فالحقوا الهزيمة بالحركة. وفي دبلن أبدى أرباب المخابز أعنف مقاومة للحركة، وبتركيز النار على قادة الخبازين المياومين أفلحوا في حمل العمال على الإذعان لعمل الأحد والعمل الليلي، خلافا لمعتقداتهم”(21).

ووجهت مفوضية الحكومة الإنكليزية في إيرلندا، وهي مدججة بالسلاح، من الرأس حتى أخمص القدمين، وجهت بنبرة مخففة، موعظة جنائزية إلى أرباب المخابز القساة في دبلن وليميرك وكورك، إلخ.
“تعتقد المفوضية أن ساعات العمل محددة بقوانین طبيعية لا يمكن أن تخرق من دون التعرض للعقاب. إن أرباب المخابز إذ يرغمون عمالهم، تحت طائلة التهديد بالطرد من العمل، على خرق معتقداتهم الدينية وجرح مشاعرهم الخيرة، وعصيان قوانين البلاد، وازدراء الرأي العام”، (هذا كله يتعلق بالعمل يوم الأحد) “إنما يستثيرون الشقاق بين العمال وأرباب العمل.. ويعرضون قدوة سيئة تشكل خطرا على الدين والأخلاق والنظام الاجتماعي… وتعتقد المفوضية أن أي تمديد مستمر للعمل أكثر من اثنتي عشرة ساعة يشكل اعتداء على حياة العامل الخاصة والعائلية، مما يفضي إلى عواقب أخلاقية مدمرة، وإنزال الضرر بأسرته، ومنعه من أداء واجباته العائلية كابن وأخ وزوج وأب. فالعمل الذي يتجاوز اثنتي عشرة ساعة، ينزع إلى تقويض صحة العامل، ويلقيه في براثن شیخوخة مبكرة وموت مبكر، مما ينزل أفدح الضرر بأسرة العامل، فتحرم (are deprived) من رعاية ومؤازرة رب الأسرة حين تكون في أمس الحاجة إليهما” (22).

لقد تحدثنا حتى الآن عن إيرلندا. أما على الجانب الآخر من القنال، في اسكتلندا، فنجد أن العامل الزراعي، رجل المحراث، يحتج على تشغيله 13-14 ساعة في أقسى مناخ، علاوة على عمل إضافي أمده 4 ساعات يوم الأحد (في بلد يقدس عطلة الأحد) (23)! هذا في حين يمثل أمام هيئة المحلفين الكبرى في لندن للتحقيق ثلاثة من عمال سكك الحديد – وهم ناظر رکاب، وسائق قاطرة، وعامل إشارات. لقد وقع حادث مروع على الخط الحديدي نقل مئات المسافرين إلى العالم الآخر. وكان إصبع الاتهام يشير، إلى أن إهمال هؤلاء العمال هو سبب الكارثة. وأعلن العمال بصوت واحد، أمام هيئة المحلفين، أن عملهم، قبل 10 أو 12 سنة، لم يكن يستمر غير 8 ساعات في اليوم الواحد. وقد مدد هذا العمل خلال السنوات الخمس أو الست الأخيرة إلى 14 و18 ثم 20 ساعة، وعلى وجه الخصوص حين يشتد زخم هواة السفر، كما هو الحال لدى تسيير قطارات النزهة، فيستمر عملهم 40 أو 50 ساعة دون استراحة. غير أنهم بشر عاديون وليسوا مردة جبابرة (*12). فعند لحظة معينة تخونهم قوة العمل، ويستحوذ عليهم الخدر، وتكفّ أدمغتهم عن التفكير، وعيونهم عن الرؤية. ورد عليهم عضو هيئة المحلفين البريطانية الموقرة حتى العظام (respectable British Juryman)، بقرار يحيلهم إلى محكمة الجنايات بتهمة القتل غير العَمد (manslaughter)، مع “ملحق” رقيق الحاشية أضيف للقرار، يعبر عن الرجاء الورع في أن يكون أساطين رأس المال في سكك الحديد، أكثر بذخاً في المستقبل بشراء عدد كاف من قوى العمل، وأكثر “زهدا” أو “تقشفاً”، أو “تقتيراً”، في استنزاف ما اشتروا من قوة العمل (24).
ومن بين جمهرة العمال من كل لون وشاكلة، وكل مهنة، وكل عمر وجنس، الذين يتدافعون من حولنا في هرج أكبر من تدافع أرواح الموتی حول أوديسيوس (أوليسيس)، والذين نرى عليهم من أول نظرة – من دون الرجوع إلى الكتب الزرقاء التي يتأبّطونها – سيماء العمل المرهق، من بين هذه الجمهرة نختار نموذجين يثبت تباينهما الصارخ أن جميع البشر متساوون عند رأس المال – وهما صانعة قبعات وحدّاد.

في الأسبوع الأخير من حزيران/ يونيو 1863، نشرت جميع الصحف اللندنية تعليقا بعنوان «صارخ» (sensational): “موت لمجرد الإفراط في العمل”، Death from simple) (overwork . وكان التعليق يدور حول موت صانعة القبعات ماري آن والكلي، وهي يافعة في العشرين، في مؤسسة راقية لصنع الأزياء، تستثمرها سيدة تحمل اسماً لطيفاً: اليزا. وبذلك اكتشفوا القصة القديمة المكرورة (25). كانت هاته الفتيات يعملن، بصورة وسطية، 16 ساعة، أما في المواسم فيشتغلن 30 ساعة دون انقطاع، وتنتعش قوة العمل الخائرة بما يقدم إليها أحيانا من شراب الشيري أو البورتو أو القهوة. ويومها كان الموسم في الذروة. وكان الأمر يقتضي أن تبتدع، في غمضة عين، فساتين زاهية لسيدات نبيلات دعين إلى حفلة راقصة تُقام على شرف أميرة ويلز المستوردة حديثة. انهمكت ماري آن والكلي في العمل دون انقطاع 26 ساعة ونصف هي و60 فتاة أخرى، كل 30 فتاة يعملن في غرفة واحدة لا توفر غير ثلث كمية الهواء اللازمة لهن مقاسة بالأقدام المكعبة. وفي الليل، كن ينمن أزواجا في كوخ حقیر مزرٍ، ثم إلى زرائب نوم بقواطع من ألواح خشبية (26). هذا هو الحال في واحدة من أرقى مؤسسات صنع الأزياء في لندن. سقطت آن ماري والكلي فريسة المرض يوم الجمعة، وماتت يوم الأحد، قبل أن تنجز القطعة التي كانت بيدها، مما أثار دهشة مدام اليزا. وأفاد الدكتور کیز، الذي دعي إلى فراش الموت بعد فوات الأوان، أمام هيئة محلفي التحقيق في حوادث الوفاة، بصراحة وافية، أن: «ماري آن والكلي توفيت من جراء ساعات عمل طويلة في ورشة عمل مكتظة أكثر مما ينبغي، وفي غرفة نوم ضيقة جدا وسيئة التهوئة».
ولتلقين الدكتور کیز درسا في اللياقة، أعلنت هيئة المحلفين المذكورة في قرارها أن: “المرحومة توفيت بالسكتة الدماغية، ولكن ثمة داع للخشية من أن العمل المرهق وازدحام ورش العمل قد عجلا بالوفاة، إلخ..” وهتفت صحيفة مورننغ ستار، لسان حال کوبدن وبرایت، نصيري التجارة الحرة: “إن عبيدنا البيض، الذي يقودهم الكدح إلى القبر، غالبا ما يذوون ويموتون بلا ضجيج” (27).
إن:

“العمل حتى الموت ليس شعار الساعة في ورش صانعات الأزياء فحسب، وإنما في ألف مكان آخر، بل، أكاد أقول، في كل مكان حيث توجد صنعة مزدهرة… لنأخذ الحداد مثلا. إذا صدق الشعراء، فليس ثمة إنسان يفيض بالقوة والمرح كالحداد؛ إنه يستيقظ باكراً ويقدح الشرار قبل بزوغ الشمس، وهو يأكل ويشرب وينام من دون أن يجاريه أحد. وإذا عمل باعتدال، فإنه يكون في أفضل الأوضاع البشرية من الناحية البدنية. ولكن لنتبع الحداد إلى المدينة أو البلدة لنرى عبء العمل على هذا الرجل القوي، والموقع الذي يحتله في سجل معدل الوفيات في بلاده. نجد في ماريلبون” (أحد أكبر إحياء لندن) “أن الحدادين يموتون بنسبة 31 من كل ألف سنوياً، وهذا الرقم يتجاوز معدل وفاة البالغين من الذكور في عموم البلاد بمقدار 11. إن هذه المهنة، وهي فن غريزي من الفنون البشرية تقريبا، وفرع لا غبار عليه من فروع النشاط البشري، قد جعلها مجرد الإفراط في العمل مهلكة للإنسان. إن بوسعه أن يضرب كذا عدد من الضربات بالمطرقة، وأن يخطو كذا خطوة، وأن يتنفس كذا مرة، وأن ينتج كذا مقدار من العمل، ولنقل إنه يعيش وسطياً 50 سنة . ولكنه يدفع لأن يضرب كذا عدد من الضربات زیادة، وأن يمشي كذا خطوة أكثر، وأن يتنفس كذا مرة أكثر، والحصيلة أن عليه أن يزيد من إنفاق حياته بنسبة الربع. ها هو يؤدي الجهد المطلوب، والنتيجة أنه ينجز، في فترة معينة من الوقت، عملا أكثر من ذي قبل بنسبة الربع، ولكنه يموت في السابعة والثلاثين بدل أن يموت في الخمسين (28).

________________

  • – “إن جشع اصحاب المصانع، الذين بلغت قسوتهم في السعي وراء الكسب حداً لم تعد تتجاوزه قسوة الإسبان يوم غزو أمیرکا سعيا وراء الذهب…”. (جون واید، تاریخ الطبقتين الوسطى والعاملة، الطبعة الثالثة، لندن، 1835، ص 114).
    (John Wade, History of the Middle and Working Classes, 3d. Ed, London, 1835, p. 114).
    إن القسم النظري من هذا المؤلف، وهو أشبه بكتيب في الاقتصاد السياسي، يتسم بالأصالة في بعض أجزائه، کالجزء الخاص بالأزمات التجارية، وذلك حين تأخذ بعين الاعتبار زمان صدوره.
    أما نسمة التاريخي فهو، إلى حد بعيد، انتحال معيب لكتاب السير ف.م. إیدن، وضع الفقراء لندن، 1797.
    (Sir F.M.Eden, The State of the Poor, London, 1797).
    (2) – لندن، صحيفة ديلي تلغراف Daily Telegraph ، 17 كانون الثاني / يناير 1860.
    (*) – Privy Council، وتعني حرفياً المجلس السري، وهو هيئة خاصة لمشورة ملك إنكلترا، تتألف من وزراء وموظفين كبار آخرين، وكذلك من رجال الدين. وقد تشكل المجلس في القرن الثالث عشر. وكان لفترة طويلة يتمتع بصلاحية إصدار القوانين، ومسؤولا أمام الملك لا البرلمان. وفي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر انحطت أهمية هذا المجلس كثيراً، ولم تعد له اليوم أية أهمية عملية. [ن. برلین].
    (3) – راجع: فريدريك إنجلز، وضع الطبقة العاملة، إلخ، ص 249-251
    (4) – لجنة استخدام الأطفال، التقرير الأول، إلخ، 1863، الملحق، ص 16 – 18 – 19
    (5) – تقارير الصحة العامة، التقرير الثالث، إلخ، ص 103- 105
    (*2) – لجنة استخدام الأطفال، التقرير الأول، ص 24. [هذه الحاشية تقتصر على الطبعة الإنكليزية]. [ن.ع].

(6) – لجنة استخدام الأطفال، 1863، ص 24- 22، وص 11 XI]  بالأرقام الرومانية].
(7) – المرجع نفسه، ص XLVII.
(*3) – Tetanus,Mundsperre) )، مرض يصيب عضلات الفكين والعنق بالتشنج. [ن.ع].
(8) – المرجع نفسه، ص LIV.
(9) – ينبغي أن لا يفهم من تعبير العمل الإضافي (over-time) المعنى الذي أوردناه في تعبير: وقت العمل الفائض (surplus-arbeitzeit)، فهؤلاء السادة يعتبرون العشر ساعات ونصف الساعة على أنها يوم عمل اعتيادي، وهو يتضمن بالطبع العمل الفائض الاعتيادي. وبعد انتهاء يوم العمل هذا يبدأ العمل الإضافي، الذي يدفع لقاء أجر أكبر. ولسوف نرى فيما بعد، أن العمل المنفق خلال يوم العمل الاعتيادي المزعوم بدفع لقاءه أجر اقل من قيمته، بحيث لا يعدو العمل الإضافي عن حيلة رأسمالية لاغتصاب المزيد من “العمل الفائض”، وهذا ما يحدث فعلا حتى لو كان الأجر المدفوع لقوة العمل المنفقة خلال “يوم العمل الاعتيادي”، اجراً مناسباً.
(*4) – (Ecce iterum crispinus)، ها أنت ثانیه با کریسبینوس. بهذا تبدأ الهجائية الرابعة للشاعر جوفنال؛ وفي جزئها الأول يُهجى کریسپینوس هجاء مقذعاً، وهو من حاشية القيصر الروماني دومیتیان. والعبارة، مجازاً، تعني: “الشخص السيئ نفسه ثانية”، أو “نفسه مرة أخرى” [ن. برلین].
(*5) (pluralis majestatis)، باللاتينية في الأصل. وتعني حرفياً صيغة الجمع في تسمية أصحاب السيادة، أو الجلالة. [ن. ع].
(10) – المرجع نفسه، شهادات، الملحق، ص 123-124-125-140 وص LXIV.
(11) – إن حجر الشب المسحوق ناعماً، أو المخلوط بالملح، مادة تجارية اعتيادية تحمل اسما ذا دلالة هو مادة الخباز.
(12) – من المعروف أن السخام نوع من الكاربون نقي جداً، ويؤلف سماداً يبيعه رأسماليو تنظيف المداخن إلى المزارعين الإنكليز. وفي عام 1862 جرت مرافعة فضائية كان على المحلف البريطاني (Juryman) فيها أن يقرر ما إذا كان السخام الذي خلط معه، دون علم الشاري، 90% من التراب والرمل، هو سخام “حقيقي”، بالمعنى “التجاري”، أم سخام مغشوش، بالمعنی القانوني. وقرر “أصحاب التجارة” (amis du commerce) أنه سخام تجاري “حقيقي”، وأسقطوا دعوى المزارع، وحمّلوه جميع مصاريف الدعوة علاوة على ذلك.
(*6) – (Sophistik) تعني مغالطة وسفسطة، ولهذا تستخدم الكلمة نفسها بالمعنى الثاني في السطورالتالية. [ن.ع].
(*7) – فیلسوف یوناني يعتبر من أوائل السفسطائيين ولربما أكثرهم شهرة. [ن.ع].
(*8) – الأيليون (Eleatics)، هم أصحاب اتجاه مثالي في الفلسفة الإغريقية في القرنين السادس والخامس قبل الميلاد، ومن أبرز ممثلي هذا الاتجاه زینونون وبار مینیدیس وزینون، وكانوا يسعون إلى البرهنة على أن الحركة وشتى الظاهرات موجودة في الفكر لا في الواقع. [ن. برلین].
(13) – يستعرض الكيميائي الفرنسي شيفالييه، في بحث له عن ضروب “مغالطة”، (sophistications) السلع، 600 صنف أو أكثر، ويعدد 10، 20، 30 طريقة مختلفة لغش هذه الأصناف. ويضيف أنه لا يعرف جميع طرق الغش ولا يذكر جميع ما يعرف. ويعرض 6 طرق لغش السكر، و9 لزيت الزيتون، و10 للزبدة، و12 للملح، و19 للحليب، و20 للخبز و23 للبراندي، و24 للطحين، و28 للشكولاته، و30 للنبيذ، و32 للبن، إلخ. وحتى الله الكلي الجبروت لم يسلم من هذا المصير. أنظر کتاب روار دو کارد، حول غش المواد المقدسة، باريس، 1856.
(Rouard de Card, De la falsification des substances sacramentelles, Paris, 1856).

(14) – تقرير، إلخ، يتعلق بمظالم الخبازين المياومين، إلخ، لندن، 1862 والتقرير الثاني، إلخ، لندن، 1863.

(*9) – حرفياً (Sinekurist) موظف لا يؤدي عملا على الاطلاق او يؤدي عملا ضئيلا لا يتناسب مع راتبه. [ن.ع].
(15) – المرجع نفسه، التقرير الأول، إلخ، ص VII / VI.
(16) – المرجع نفسه، ص LXXI.
(17) – جورج رید، تاریخ صناعة الخبز، لندن، 1848، ص 16.
(George Read, The History of Baking, London, 1848, p. 16).

(18) – التقرير الأول، إلخ، شهادة تشيزمان صاحب مخبز يبيع بالسعر الكامل، ص 108.
(*10) – (Guild , Zunft) تنظیمات أو نقابات حرفية مغلقة كطوائف، تشبه الأصناف الحرفية في الحضارة العربية. [ن.ع].
(19) – جورج ريد، المرجع المذكور نفسه. في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر كان الوسطاء التجاريون (الوكلاء Factors) المتغلغلون في كل المهن، يشجبون بوصفهم بلاءً عاماً (Public Nuisances). وهكذا ففي الجلسة الفصلية لحكام الصلح في مقاطعة سوميرست، وجهت هيئة المحلفين الكبرى (Grand Jury) مذكرة (Presentment) إلى مجلس العموم جاء فيها، من بين أمور كثيرة أن “وكلاء بلاکویل هول هؤلاء هم بلاء عام يلحق الضرر بتجارة الأقمشة وتجب مكافحتهم باعتبارهم وباءً”، (حالة الصوف الإنكليزية، إلخ، لندن، 1685، ص 6-7).
(The Case of our English Wool etc., London, 1685, p. 6-7).
(20) – التقرير الأول، إلخ، ص VIII
(*11) – ( Master – bakers ) هم أرباب المخابز (مالكوها) و(bakers – miller) هم الرأسماليون مالكو المطاحن المهيمنون على المخابز، وقد جرى وصف سيطرة هؤلاء على صناعة الخبز وتحويلها إلى صناعة رأسمالية في الصفحات السابقة. [ن. ع].
(21) – تقرير اللجنة حول صناعة الخبز في إيرلندا لعام 1861.
(22) – المرجع نفسه.
(23) – عقد مؤتمر عام للعمال الزراعيين في لاسواید، قرب إدنبره، في الخامس من كانون الثاني / يناير 1866. (راجع صحيفة ووركمان أدفوكيت Workman s Advocate ، 13 كانون الثاني / يناير 1866). إن تأسيس نقابة للعمال الزراعيين (Trade s Union)، أول الأمر في اسكتلندا، أواخر 1865، يعد حدثا تاريخياً. وفي بوكنغهام شایر، وهي أكثر المقاطعات الزراعية تعرضا للظلم في إنكلترا، أعلن العمال الأجراء إضراباً كبيراً في آذار/ مارس 1867 مطالبين بزيادة الأجر الأسبوعي من 9-10 شلنات إلى 12 شلنا . ليتضح مما تقدم أن حركة البروليتاريا الزراعية في إنكلترا، التي كانت قد سحقت سحقا منذ قمع تظاهراتها العنيفة بعد عام 1830، وخصوصا منذ العمل بقانون الفقراء الجديد، برزت مجددا في الستينات، واكتسبت في نهاية المطاف عنفواناً كبيراً في عام 1872. وسأعود إلى هذا الموضوع في المجلد الثاني، كما سأتطرق إلى الكتب الزرقاء التي صدرت منذ عام 1867 حول وضع العمال الزراعيين في إنكلترا – إضافة إلى الطبعة الثالثة.
(*12) – حرفياً ( Cyclops , Zyklopen) المارد الجبار الذي يرد ذكره في الأوديسة. [ن. ع]. (24) – صحيفة رينولدزReynolds Paper ، [21] كانون الثاني / يناير 1866- كانت هذه الصحيفة نفسها تنشر كل أسبوع تحت عناوین صارخة (Sensational headings) مثل حوادث مريعة قاتلة ومآسي مروعة (Appalling tragedies)، إلخ، قائمة كاملة بكوارث تصادم القطارات. ويعلق أحد العمال في خط نورث ستافورد شایر على ذلك بقوله: “يعرف الجميع ما هي الحوادث التي تقع حين لا يكون سائق القاطرة أو وقاد المرجل متيقظاً على الدوام. وكيف يتسنى ذلك لامرئ أرهق بالعمل 29 أو 30 ساعة، وهو معرض لتقلبات الطقس ولم يتمتع باستراحة. لنأخذ المثال التالي الذي يتكرر حدوثه مراراً: شرع وقاد القاطرة بالعمل في ساعة مبكرة جدا من صباح الاثنين. وحين أتمّ ما يدعى بيوم عمل، يكون قد خدم 14 ساعة و50 دقيقة. وقبل أن يتسنى له شرب الشاي، دعي للخدمة ثانية … وفي هذه المرة عمل 14 ساعة و25 دقيقة فبات المجموع 29 ساعة و15 دقيقة دون انقطاع. وتوزع عمله على بقية أيام الأسبوع بالصورة التالية: – الأربعاء 15 ساعة، الخميس 15 ساعة و35 دقيقة، الجمعة 14 ساعة ونصف، السبت 14 ساعة و10 دقائق، وبهذا بلغ مجموع العمل الأسبوعي 88 ساعة و40 دقيقة. وبوسعك الآن يا سيدي، أن تتخيل مدى دهشته حين تلقى أجرأ عن 1/4، 6 يوم لقاء مجمل ساعاته. وظن الوقاد أن ثمة خطأ في الحساب، فقصد المحاسب… وسأل عما يقصد بيوم العمل، فقيل له إنه 13 ساعة (وهذا يساوي 78 في الأسبوع).. وعندئذ طالب بأجر عمله الإضافي الذي تجاوز الثمانية وسبعين ساعة في الأسبوع. لكنهم رفضوا. غير أنهم قالوا في آخر الأمر إنهم سيدفعون له ربعاً إضافياً، أي 10 بنسات (أقل من عشرة غروشنات فضية)». (صحيفة رینولدز، عدد 4 شباط/ فبراير، 1866).
(25) – راجع: فريدريك إنجلز، المرجع المذكور نفسه، ص 253-254.
(26) – صرح الدكتور ليذبي المستشار الطبي لهيئة الصحة العامة (Board of Health) قائلا: “إن الحد الأدنى من الهواء اللازم للإنسان البالغ ينبغي أن يكون 300 قدم مكعب في غرفة النوم، و500 قدم مكعب في غرفة الجلوس”. وقال الدكتور ريتشاردسون، وهو رئيس الأطباء في أحد مستشفيات لندن: “إن عاملات الإبرة على اختلاف أشكالهن، من صانعة القبعات، إلى خياطة الفساتين، إلى الخياطة الإعتيادية، يعانين من ثلاثة مصائب – العمل المفرط، نقص الهواء، ونقص التغذية أو سوء الهضم … إن عمل الإبرة بوجه عام… يناسب النساء أكثر من الرجال قطعاً. ولكن من مساوئ المهنة، خصوصا في العاصمة، أنها احتکار يهيمن عليه زهاء 26 رأسمالياً يستطيعون، بفضل السطوة النابعة من رأس المال (that spring from capital)، جني المال باعتصار التوفير من العمل عنوة (force economy out of labour). يقصد أنهم يحققون التوفير بتبذیر قوة العمل. وهذه السطوة محسوسة عند الطبقة كلها. وإذا استطاعت صانعة ثياب أن تكوّن دائرة صغيرة من الزبائن فإن المنافسة الشديدة ترغمها على العمل، في بيتها، حتى الموت کي تصمد في مواقعها، وينبغي لها بالضرورة أن تفرض هذا العمل المفرط نفسه على من تستأجر من عاملات يساعدنها، وإذا لم تفلح في ذلك، أو لم تؤسس ورشة مستقلة، اضطرت إلى العمل في مؤسسة قائمة، حيث لا يكون العمل أقل، ولكن الأجر مضمون. وإذ تنحدر إلى هذا الوضع، فإنها تصبح مجرد أمَة مستعبدة، تتقاذفها تقلبات المجتمع. فهي اليوم في البيت، في غرفة تتضور جوعا، أو تكاد، وغدا تكدح 15 أو 16، بل حتى 18 ساعة من 24 ساعة في هواء لا يطاق، وبطعام لا تستطيع المعدة له هضماً، حتى وإن كان جيداً، بسبب الافتقار إلى الهواء النقي. هذه هي الضحايا التي يقتات عليها السل، فما من سبب لهذا المرض غير الهواء الفاسد”. (الدكتور ريتشاردسون، العمل والعمل المفرط في مجلة العلم الاجتماعي، عدد 18 تموز/ يوليو، 1863).
(Dr. Richardson, Work and Over-work, in Soical Science Review, 18 July, 1863).
(27) مورننغ ستار، 23 حزيران/يونيو 1863 – انتهزت صحيفة تايمز الفرصة للدفاع عن مالكي العبيد الأميركان ضد برایت وشريكه، وقالت في افتتاحية لها بتاريخ 2 تموز/يوليو 1863: يعتقد الكثيرون منا أنه ما دمنا نشغل الفتيات الشابات حتى الموت، مستخدمین سوط الجوع بدلا من فرقعة الكرباج، كأداة للقسر، فنحن نكاد لا نملك أيما حق في أن نطارد، بالحديد والنار، الأسر التي ولدت وهي مالكة للعبيد، فهذه، على الأقل، تطعم عبيدها جيداً، ولا تثقل عليهم العمل. وبالنبرة نفسها، وبخت صحيفة ستاندارد Standard وهي لسان حال حزب المحافظين، نيافة نیومان هال، فقالت: «إنه ينبذ مالكي العبيد من الكنيسة، لكنه يقيم الصلاة مع أولئك اللطيفين الذين يرغمون سائقي العربات العامة وقاطعي التذاكر في لندن، إلخ، من دون وخز ضمير، على العمل 16 ساعة في اليوم لقاء أجر لا يرضى به الكلب». وأخيراً تكلم عالم الغيب توماس کارلايله(*) الذي قلت عنه عام 1850 “ذهبت العبقرية إلى الشيطان وبقيت العبادة”. فهو يختزل الحدث التاريخي العظيم المعاصر، وأعني به الحرب الأهلية الأميركية، إلى استعارة رمزية تافهة، وينزل به إلى هذا الدرك وهو أن بطرس الشمال يريد أن يحطم رأس بولس الجنوب بكل ما لديه من قوة، لأن بطرس الشمال يستأجر العامل “ليوم”، وبولس الجنوب يستأجره لمدى الحياة. (مجلة ماكمیلان، آب/ أغسطس، 1863).
(Macmillan’s Magazine, Ilias Americana in nuce, August, 1863).
وهكذا فإن فقاعة عطف المحافظين على عمال المدن – وليس عمال الريف بأي حال انفجرت آخر الأمر. لب ذلك كله أن قالوا: هذا استعباد.
(*) – يشیر مارکس هنا إلى مقالة عرض فيها کتاب کارلایل الموسوم کراسات اليوم الآخر Latter – day Pamphlets في صحيفة نويه راینیشه تسايتونغ، نیسان/ إبريل، 1850. [ن. برلین].
(28) – الدكتور ريتشاردسون، المرجع المذكور نفسه.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

 

رأس المال: الفصل الثامن/ يوم العمل