استراتيجية ثورية للتصدي لصفقة القرن!

0
261

بقلم حسن البرازيلي

في 28 كانون الثاني 2020 أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء الصهيوني نتنياهو، ما يسمى “بصفقة القرن”، والتي تعني المزيد من الفصل العنصري، والتطهير العرقي للفلسطينيّين.

كلّ من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس وجامعة الدول العربية رفضا الصفقة.

ما الذي على الفلسطينيين فعله؟

بداية نحتاج لأن نعرف من هم أعداء وحلفاء القضيّة الفلسطينيّة.

 

الفلسطينيون

 

الشعب الفلسطيني نفسه ليس مقسما في مواقعه فحسب: فلسطين 1948، الضفة الغربية، غزة، القدس، الأردن، لبنان، وفي أنحاء أخرى. بل إنهم منقسمون إلى طبقات اجتماعيّة متناقضة، داخل فلسطين وخارجها، والتي لديها تصورات متباينة في مواجهة صفقة القرن.

البرجوازية الفلسطينية أرادت دوما أن تساوم مع الإمبرياليّة والصهيونيّة. إنّها تتاجر بالفصل العنصري والتطهير العرقي من أجل الربح. هذا ما حدث في الضفة الغربيّة. محمود عباس والبرجوازية الفلسطينيّة قبلا بأن يكونا وكلاء الإحتلال طالما أنّه بإمكانهما ممارسة “البزنس” والثراء. ليس لديهم أهدافا اقتصاديّة مختلفة عن الرأسماليّة، والاستغلال، والاضطهاد. لهذا يستمدون قوتهم دائما من التسوية. وهذا هو سبب عدم نضالهم من أجل تحرير فلسطين.

ولكن الطبقات العاملة، الفلاحون، والبدو، والشباب بحاجة إلى إنهاء الفصل العنصري والتطهير العرقي حتى يتاح لهم البقاء. لهذا فهم بحاجة إلى التصدي لكل من صفقة القرن، والدولة الصهيونيّة، والحكم الإمبريالي. لا توجد إمكانيّة للتسوية. إنّهم يحتاجون للنضال من أجل تحرير كلّ فلسطين، من النهر إلى البحر، حتّى يعودوا إلى أراضيهم، كيّ يعيشوا بسلام، ويمتلكون الأرض، والعمل، والدخل، والتعليم، والرعاية الصحيّة.

أيّة وحدة في العمل مع البرجوازيّة الفلسطينيّة هي مؤقّتة ومشروطة، ويجب على الطبقة العاملة والمضطهدين الحفاظ على منظماتهم المستقلّة من دون الطبقة البرجوازيّة. بالطبع إذا التحق شخص برجوازي بالنضال بشكل فردي، فينبغي قبوله، أو قبولها. ولكن كطبقة، فهذا ما لن تفعله البرجوازيّة أبدا.

 

العرب

 

الشعب العربي لديه ذات الانقسام الطبقي.

من جهة، هناك البرجوازيّة العربيّة وأنظمتها المستعدّة دوما للمساومة مع الإمبرياليّة الأميركيّة. من بين أعضاء الجامعة العربيّة هنالك فقط 3 دول، من بين 22، ليس لديها أيّة علاقات مع الدولة الصهيونيّة (الكويت، والجزائر، وتونس). الآخرون كلّهم يطبّعون علاقاتهم مع الصهيونيّة بمن فيهم النظام السوداني، والذي أعلن ذلك لتوّه. الأنظمة العربيّة ليست حليفا حقيقيّا في النضال من أجل تحرير فلسطين.

ومن جهة أخرى، الطبقات العاملة العربيّة، والشباب، يقاومون هذه الأنظمة العربيّة الاستبداديّة، ويريدون إخراج الإمبرياليّة الأميركيّة من العالم العربي. إنّهم، غريزيّا، يتضامنون مع الفلسطينيّين. العمّال والشباب العرب هم الحلفاء الحقيقيّون للفلسطينيّين.

في نضالهم من أجل تحرير فلسطين، قد يتولّى العمّال والشباب نشاطا وحدويّا مؤقّتا مع الأنظمة العربيّة، ولكن يجب أن يكونوا مستعدّين للخيانة.

في العالم العربي، الحليف الحقيقي الوحيد للطبقة العاملة الفلسطينيّة يتمثل بشقيقاتهم وأشقاءهم من الطبقة العاملة في كلّ البلدان العربيّة.

ربّما بإمكان العمّال والشباب الفلسطينيّون هزيمة الصهيونيّة وتحرير فلسطين بأنفسهم رغم أن هذا أكثر صعوبة. لزيادة الفرص من الأفضل بناء تحالف مع عمّال الشعب العربي، وطلب تضامن أممي من العمّال والشباب في كافّة أنحاء العالم أيضا.

 

ثلاث توجيهات حاسمة من أجل تحرير فلسطين

 

بناء منظّمات ديمقراطيّة لتوحيد كافّة عمال وشباب الشعب الفلسطيني، داخل فلسطين وخارجها، بحيث يجب أن تكون مستقلّة تماماً عن البرجوازيّة. النقابات العمّاليّة، ومجالس الأحياء، ولجان الحملات في غاية الأهميّة، ولا ينبغي السماح للطبقة البرجوازيّة بدخولها.

بناء تحالفات مع عمّال الشعب العربي. لا بدّ من الوقوف تضامنا مع انتفاضاتهم وثوراتهم في سورية، والعراق، ولبنان، وكذلك دعم العمّال الإيرانيّين ضدّ النظام الإيراني. من غير الممكن طلب التضامن من العمّال العرب أو الإيرانيّين والتزام الصمت في ذات الوقت حيال الأنظمة الاستبداديّة التي تضطهدهم.

العمل ضمن تصوّر ديمقراطي اشتراكي أممي. ديمقراطي لأنّنا لا نريد أن يخضع الفلسطينيّون لحكم كحكم الأنظمة الاستبداديّة العربيّة الأخرى. اشتراكي لأنّنا نحتاج إلى المساواة بين كافّة الفلسطينيّين. وأمميّ لأن فلسطين وكافّة الشعوب الأخرى تحت وطأة نظام إمبرياليّ عالميّ. النضال من أجل حريّة فلسطين هو بالضرورة مرتبط بالنضال من أجل العدالة عبر الأمم. أعداؤنا_ الإمبرياليّة والبرجوازيّة والصهاينة، يعملون عى نطاق عالمي. ولا بدّ من بناء تضامن أممي بين الشعوب العاملة من أجل هزيمتهم.

 

مسألة الحزب

 

على امتداد أكثر من قرن منذ انطلاق المقاومة، ناضل الفلسطينيّون بطرق شتّى وقاموا ببناء منظّمات مختلفة، كانت منظّمة التحرير الفلسطينيّة هي الأقوى بينها.

إنّها مسألة جدليّة ما إذا كان الأفضل هو إعادة بناء منظّمة التحرير أم تدشين منظّمة أخرى من أجل توحيد الفلسطينيّين داخل وخارج فلسطين المحتلّة بما يشمل كلّ الفصائل الأحزاب السياسيّة.

الهدف، على أيّة حال، هو الحصول على حزب سياسي ثوري ينهض من أجل تحرير حقيقيّ لفلسطين، من النهر إلى البحر، حيث يمتلك كلّ الفلسطينيّين الحقّ في العيش سويّة مع كلّ الناس الذين يقبلون بالعيش بسلام مع الفلسطينيين. حزب ثوريّ يقاتل أعداء التحرير الفلسطيني (البرجوازيّة الفلسطينيّة، والأنظمة العربيّة، والصهاينة، والإمبرياليّة) ويعمل إلى جانب الحلفاء الطبيعيّين- العمّال الفلسطينيّون، والشباب داخل وخارج فلسطين المحتلّة، وعمّال الشعب العربي، واليهود المناهضون للصهيونيّة والعمّال والشباب على الصعيد الأممي.

اليوم، لا يوجد من بين الأحزاب السياسيّة الفلسطينيّة من يلعب هذا الدور. كلّها أحزاب برجوازيّة أو تعمل مع البرجوازيّة الفلسطينيّة. كلّها انحازت إلى نظام عربي ما أو إلى النظام الإيراني، وتلوذ بالصمت على جرائم هذه الأنظمة ضدّ الشعوب العربيّة. أيّ حزب سياسي فلسطيني يدعم ثورات الشعب في لبنان، والعراق، وسورية، وإيران؟ الإجابة هي: لا أحد.

 

 

العمل الجمعي على المستوى الأممي

 

راهنا، هنالك الكثير من النشطاء الحقيقيّين المتّفقين مع هذه الأفكار، ولكن لا يتّفقون مع بناء حزب سياسي ثوري. هؤلاء النشطاء في غاية الأهميّة للنضال من أجل تحرير فلسطين. علينا أن نعمل معهم في اللجان، والتظاهرات، والإضرابات، والإنتفاضات. وأكثر من ذلك، نحتاج
أن نتحدّث معهم، ونخوض نقاشا مفتوحا حول الاستراتيجيّة لتحرير فلسطين. أليس من المفيد أن تكون هناك مجموعة من النشطاء الحقيقيّين تشرح للشعب الفلسطيني أن البرجوازيّة الفلسطينيّة تجري تسوية مع الدولة الصهيونيّة والأنظمة العربيّة على حساب الشعب الفلسطيني العامل؟

أليس من الفيد وجود مجموعة من النشطاء الحقيقيّين تدعو المقاومة الفلسطينيّة لاتخاذ موقف التضامن مع الثورة السوريّة ضدّ نظام الأسد؟

ذات السؤال يمكن طرحه حول النضالات في البلدان الأخرى. بالنسبة للثورة المصريّة، ألم يكن حاسما وجود مجموعة من النشطاء الحقيقيّين لتقول بصوت عال ومسموع إن الشعب والجيش ليسا يدا واحدة؟

بالنسبة للثورة اللبنانيّة، أليس من المهم وجود مجموعة من النشطاء الحقيقيّين تدين أيّة حكومة “تكنوقراط”، وتدافع عن سلطة العمّال؟

في الشرق الأوسط، أليس من المهم وجود مجموعة من النشطاء الحقيقيّين تدين أفعال الولايات المتّحدة الإجراميّة، وتقاتل لطرد كلّ القوّات والقواعد الأميركيّة من الشرق الأوسط، ولكنّها في ذات الوقت لا تدعو الجنرال الإيراني قاسم سليماني بـ “شهيد القدس”، كون سليماني هو جزّار الشعب السوري مع بوتين والأسد؟

هذه المجموعة للنشطاء الحقيقيّين، نسمّيها حزبا ثوريّا.

يمكن للمرء أن يجادل بأنّه يمكن فعل كلّ هذا بشكل فردي. هذا صحيح، ولكن الأمر سيكون أكثر فاعليّة عند القيام به كمجموعة من النشطاء التي تعمل ليس فقط على المستوى المحلّي بل والأممي.

 

كيف يعمل الحزب الثوري؟

 

لا توجد صيغة ثابتة حول الكيفيّة التي ينبغي أن يعمل وفقها الحزب الثوري. يجب أن نأخذ بعين الإعتبار الوضع السياسي في البلاد (إذا كان هنالك بعض الحريّة أم مجرّد انفراج قمعيّ.. إذا كانت هنالك موجة نضاليّة أم لا)، وحجم المجموعة (بضعة أفراد أم مئات الأعضاء).

على أيّة حال، الحزب الثوري يجب أن يكون حيث تكون الطبقة العاملة: أماكن العمل، النقابات، أحياء الطبقة العاملة، ومخيّمات اللاجئين. بالإضافة إلى المشاركة في نضالاتها.

من المهم للغاية وجود وسائل تواصل عامّة، سواء أكانت مطبوعة (نشرات أخبار أو منشورات) أو مرئيّة (موقع إلكتروني، صفحة فيسبوك، تويتر، انستغرام) لنشر أفكار الحزب.

 

ومن الحاسم وجود روابط أمميّة مع حزب أمميّ ثوريّ.

في النهاية، من الضرورة الاستعداد للقمع. أفكار الحزب يجب أن تكون للعامّة، ولكن المعلومات حول الأعضاء، والقادة، والاجتماعات يجب أن تبقى سريّة. التواصل مع محامين بإمكانهم مساعدة الأعضاء في السجن، ووسائل الإختباء والتخفّي يجب أن يخطّط لها.

هذه بعض الأفكار. “الرابطة الأمميّة للعمّال – الأمميّة الرابعة” منفتحة لمعالجة هذا النقاش مع أيّ ناشط حقيقيّ. في النهاية، ننشر قصيدة حول الحزب كتبها الفنّان الألماني الثوري بيرتولت بريخت.

 

في مديح الحزب

 

الإنسان لديه فقط عينان اثنتان

الحزب لديه ألف عين.

الحزب يمكنه أن يرى سبعة أراضي

الإنسان.. مدينة واحدة.

الإنسان لديه ساعته فقط

الحزب لديه الكثير من الساعات.

الإنسان وحده تمكن إبادته

ولكن لا تمكن إبادة الحزب

لأنّه طليعة الجماهير

وقد وضع معاركه

وفقا لأساليب كلاسيكيّاتنا، المستمدّة من إدراك الواقع

 

(بيرتولت بريخت 1930)

 

ترجمة تامر خورما