سهى بشارة تكتب عن “مهزلة الافراج عن عامر فاخوري”

0
334
أمضيتُ عشر سنوات داخل معتقل الخيام الذي يعتبر رمزاً من رموز انتهاك حقوق الانسان في القرن العشرين، واسم هذا العميل والذي كان يلقب بـ”جزار الخيام” كان حاضراً في زنازين هذا السجن الذي كان يتولى امرته العسكرية.

في تاريخ 17 أيلول (سبتمبر) 2019 تم توقيف عامر الياس فاخوري وجاهيّا بعد 13 يوماً من دخوله إلى الأراضي اللبنانية عبر مطار بيروت.
وفي ١٦ أذار (مارس) 2020 تم إخلاء سبيله بقرار من رئيس المحكمة العسكرية.
هذه المحكمة تنظر في العديد من الجرائم الاستثنائية من ضمنها تلك التي تمسّ بأمن الدولة الداخلي أو الخارجي ومنها الخيانة أو التجسّس أو الصلات غير المشروعة مع العدو.

بعد جلسة المحكمة العسكرية وبحثها، وأخذها بعين الاعتبار ما أسند لعامر الياس فاخوري من ممارسات أقدم عليها ضد الأسرى أثناء توليه إمرة سجن الخيام قبل العام 1998، تتراوح بين قمع الاحتجاجات بالعنف والقوة، وممارسة ضروب التعذيب والمعاملة غير الانسانية، والمشاركة أو الاشراف على تعذيب الأسرى وخطف وإخفاء الأسير علي حمزة بعد تعذيبه، أصدرت المحكمة العسكرية الحكم بكف التعقبات بحق المتهم “وذلك لسقوط دعوى الحق العام بمرور الزمن العشري… “.

سمعت باسم عامر الياس فاخوري قبل أن يتم اعتقالي من قبل الاحتلال الاسرائيلي عبر عملائه المعروفين باسم “جيش لبنان الجنوبي”، فأنا من أهل منطقة الشريط الحدودي، واسم هذا الرجل كان شائعاً بين الناس بصفته من وجوه المعتقل وواحداً من أبرز السجانين. أمضيت عشر سنوات داخل هذا المعتقل الذي يعتبر رمزاً من رموز انتهاك حقوق الانسان في القرن العشرين، واسم هذا العميل والذي كان يلقب بـ”جزار الخيام” كان حاضراً في زنازين هذا السجن الذي كان يتولى امرته العسكرية.

سمعت باسمه ونحن في زنزانة رقم 6 عبر شهادة على لسان المعتقلة السابقة كفاح عفيفي إذ روت لي كيف أطفأ سيجارته في جرحها المفتوح. كفاح عفيفي الفلسطينية التي خرجت حية من مجازر صبرا وشاتيلا. هذه المجازر التي ارتكبها العدو الاسرائيلي في العاصمة بيروت عام 1982 مطلقاً وموجهاً خلالها العنان لعملائه في جيش سعد حداد. وهذا الجيش نفسه كان في أثنائها عامر الياس فاخوري في صفوفه اللوجستية، وشارك تبعاً لأقواله في الاجتياح الاسرائيلي عام  1982، وهذا ما ورد في رسالة من عائلته نشرتها جريدة النهار في 23 أيلول (سبتمبر) عام 2019.

عندما أعيد وأعيد قراءة هذا القرار، أشعر وكأنهم يتحدثون عن آمر لسجن لبناني، اقترف ما اقترف من ممارسات وانتهاكات وضروب من الإجرام، مضى عليها الزمن.

المحكمة لم تكلّف نفسها أن تذكر في مكان ما بين الأسطر التي خطّتها ولو بالحد الأدنى كلمة اسرائيل للتوضيح، أو كلمة عدو أو خيانة أو المرور على عبارة، على صعيد المثال وليس الحصر، المّس بأمن الدولة!  ليستوقفني مباشرة، هذا العرض الطبيعي لجريمة الإخفاء القسري للأسير علي حمزة واعتبارها أيضاً جريمة يمر عليها الزمن!

عندما أعيد وأعيد قراءة هذا القرار يجتاحني شعور بالغضب من معادلات يكادون يسقطونها من ناحية على السجن وكأنه لم يكن معتقلاً للعدو الاسرائيلي، ومن ناحية أخرى على الاحتلال وكأنه كان من مخلفات الحرب الأهلية.

بعد كل ما أتيت على عرضه، ماذا علينا أن نقول للشهداء الذين سقطوا في معتقل الخيام! ماذا نقول لكل الشهداء الذين سقطوا وهم يقاومون الاحتلال الاسرائيلي!

اليوم وباسم القانون اللبناني وبدعة أن العمالة تسقط مع مرور الزمن، فليشرع لبنان أبوابه للعميل رياض العبدالله وغيره من العملاء الذين نشرهم جهاز الامن والاستخبارات القومي الاسرائيلي في العالم ولم يحتاجوا أن يحملوا الجنسية الاسرائيلية.

ولمن لا يعرف رياض العبد الله فهو من بين أهم العملاء اللبنانيين في الموساد الإسرائيلي . تم القبض عليه مع 20 من عناصر ما كان يعرف بجيش لحد، عام 2002 في ساحل العاج بتهمة الوقوف وراء أعمال عنف وتم إطلاق سراحه على أثر تدخل إسرائيلي.

أما أخيرا وليس آخراً وفي سياق هذه المهزلة التي ترتكب باسم القانون، أميركا التي تدخلت مباشرة لمنع السلطات الفرنسية من إطلاق أقدم سجين سياسي في سجونها، السجين جورج ابراهيم عبدالله( 1985)، ها هي اليوم تتدخل لإجبار السلطة القضائية اللبنانية – وغيرها- لإطلاق مواطن أميركي من أصول عربية… عفوا فينيقية.

ليبقى السؤال لماذا دخل عامر فاخوري الأراضي اللبنانية؟ وكيف تمت ازالة اشارة الأمن العام عن اسمه واسم غيره من العملاء؟

ننوّه إلى أن الآراء الواردة في المواد المنشورة لا تعبّر بالضرورة عن آراء ومواقف “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”