النبي المسلّح: الفصل الأول (11)

0
277
                                     البيت والمدرسة جـ 1

كان مُلك القيصر الكسندر الثاني (۱۸۰۰ – ۸۱) يقترب من نهايته الحزينة. فالعاهل الذي استثار صعوده واصلاحاته الأولى اكبر الآمال لدى المجتمع الروسي، لا بل بين الثوريين المهاجرين، العاهل الذي حاز لقب المحرر، بتحريره الفلاحين من الرق، كان يمضي السنوات الأخيرة من حياته في وهدة اليأس، في حين يطارده الثوريون كبهيمة، يتخفى في قصوره الامبراطورية هارباً من مسدساتهم وقنابلهم..

لقد كان القيصر يدفع ثمن الآمال الخائبة التي استثارها: خان ما تنتظره منه كل طبقات المجتمع تقريبا. ففي نظر العديد من الملاكين العقاريين، كان يجسد التخريب بالذات، متوّجاً بالقرمز الامبراطوري ومرتدياً حلله: ذلك انهم لم يغفروا له اصلاح عام ۱۸۹۱ الذي حرمهم من سلطتهم الإقطاعية على الفلاحين. لكن إذا كان أزاح عن كاهل الفلاحين عبء القنانة فقد تركهم يرزحون تحت ثقل البؤس والديون: لقد اضطر الاقنان القدامى في لحظة تحررهم لأن يحولوا إلى النبلاء قسماً كبيراً من الأراضي التي كانوا يزرعونها، وكان عليهم أن يدفعوا إتاوة ثقيلة عن الأرض التي احتفظوا بها، وذلك طوال سنوات. كانوا ما يزالون يوقّرون القيصر كولي نعمتهم وصديقهم، معتقدين أنه إذا كان النبلاء قد حرموهم من منافع تحررهم فذلك ضد مشيئته ونواياه. إلا أن العطش إلى الأرض كان قد استيقظ في أعماق الفلاحين، هذا العطش العظيم الذي هزّ روسيا طوال أكثر من نصف قرن وأصابها بالحمى، جسدا وروحا.

كانت طبقتا النبلاء والفلاحين لا تزالان تشكلان الطبقتين الرئيسيتين في المجتمع الروسي. أما اليورجوازية الدينية فلم تكن تتطور إلا ببطء. فهي بخلاف البورجوازية الأوروبية، لم يكن لها ماض ولا تقاليد ولا رأي خاص ولا ثقة بالذات، كما لم يكن لها أي نفوذ. وكانت بدأت كتلة صغيرة من الفلاحين تنفصل عن الريف وتشكل طبقة عاملة صناعية. لكن مع أن العقد الأخير من حكم الكسندر شهد انفجار الاضرابات الصناعية الكبرى الأولى، فلم تكن ظهرت الطبقة العاملة بعد إلا كفرع قريب من طبقة الفلاحين.
إن أياً من هذه الطبقات ما كان بإمكانها أن تغدو خطراً داهما يهدد العرش. كل منها كانت تأمل أن تحظى مطالبها بالقبول وأن يستجيب الملك بذاته لشكواها. في كل حال، ما كان بمستطاع أي طبقة أن تذيع شروطها وتعلن على الملأ مطالبها. ما كان بمستطاع أي طبقة أن تجمع أفرادها وتكتل قواها في مؤسسة تمثيلية أو في حزب سياسي. فلا هذا ولا تلك كانا موجودين، ولم يكن هنالك غير الدولة والكنيسة تملكان تنظيم على المستوى القومي، إلا أن دورهما الذي تحكم بشكلها وبنيتها كان يتمثل بإلغاء الاستياء الاجتماعي، لا بالتعبير عنه.

جماعة واحدة، كانت تتمرد على السلالة الملكية، انها الانتلليجنسيا (*). فعلى صعيد المهن جمعاء، لم يكن لدى المثقفين – لا سيما أولئك الذين لم تمتصهم الادارة – أسباب أقل مما لدى الفلاحين ليستاؤوا من القيصر المحرر. فلقد خيب تطلعهم إلى الحرية، بعد أن كان داعبه، مثلا خيب رغبة الموجيك (**) بامتلاك الأرض بعد أن كان أيقظها. ولا شك أن الكسندر لم ينهل بالسوط على افراد الانتلليجنسيا كما كان يفعل سلفه، نقولا الأول، إلا أنه كان لا يزال يعاقبهم بعنف، كانت اصلاحاته على صعيد التربية والصحافة خجولا وتافهة، فالحياة الثقافية للأمة بقيت تحت اشراف الشرطة والرقابة والسينودس(***) المقدس. وبتقديمه للمثقفين ظاهر حرية، كان يجعل من رفض كل حرية أصيلة أمراً أكثر إيلاماً وأشد اذلالا. لقد كانت الانتلليجنسيا تسعى للثأر لآمالها المخيبة، فيما كان القيصر يحاول أن يكبح جموحها؛ هكذا كانت اصلاحات نصف ليبرالية تفتح الطريق أمام القمع، والقمع يغذي روح التمرد والنقمة.

ولقد كانت الانتلليجنسيا ضعيفة جداً من حيث العدد، ولم يكن في صفوفها غير حفنة من الثوريين النشيطين. فإذا وصفنا معركتهم ضد سيد تسعين مليونا من أفراد الرعية كصراع داوود وجولیات، ففي ذلك تضخيم لقوتهم. فخلال السبعينات من القرن التاسع عشر، تلك الحقبة الكلاسيكية من تمرد الانتلليجنسيا، شارك بضعة آلاف من الناس، لا أكثر، في المرحلة السلمية من نشاط حركة نار ودنيك (*4) الشعبية المكرس “للتثقيف والدعاية”: أما إبان الحقبة الأخيرة، حقبة الارهاب، فلم يساهم في العمل بشكل مباشر غير أربعين رجلا وامرأة تقريبا. هؤلاء الأربعون حولوا القيصر إلى هارب في مملكته وأحبطوا كل قدرة امبراطوريته. وإذا كان لمجموعة في مثل هذا الضعف أن تكسب هكذا أهمية فلأنه كان وراءها أمة مستاءة، بقضها وقضيضها، لكنها خرساء. وبعكس الطبقات الأساسية في المجتمع، كانت الانتلليجنسيا منظمة، وكان لأعضائها التكوين الضروري لتحليل ما تقاسيه الأمة من مِحن، وكانوا يضعون البرامج الكفيلة، بنظرهم، بتقديم العلاج لها. وهم ما كانوا ليتحدوا السلطة القائمة لو آمنوا بأنهم يتكلمون فقط باسمهم. فقد كان يحفزهم في البدء وهم عظيم: إذ كانوا يعتقدون بأنهم ينطقون بلسان الأمة، ولا سيما طبقة الفلاحين. اعتقدوا أن شغفهم بالحرية يلتقي عطش الفلاحين للأرض وعمدوا تنظيمهم الثوري بأسم زيمليا أي فوليا – أي الأرض والحرية. كانوا يتمثلون بشرهٍ أفكار الاشتراكية الأوروبية ويسعون لتكييفها مع وضع روسيا. أما عماد المجتمع الجديد الذي كانوا يحلمون به فلم يكن عامل المصنع، بل الفلاح. ولم يكن المصنع، الملكية العامة، بل كانت الكومونة الريفية، أو الملكية الجماعية (المير القديم الذي كان لا يزال حياً)، هي التي ستشكل خليته القاعدية.

كان محكوما على «رجال السبعينات» مسبقا كرواد للثورة. ما من طبقة اجتماعية كانت معدة لدعمهم. وقد اكتشفوا خلال ذلك العقد، بصورة تدريجية، واقع عزلتهم، ولكن أوهامهم لم تسقط إلا ليكونوا أوهاما أخرى، محاولين أن يحلوا الورطات التي كانوا محاصرين ضمنها، وبعضها خاص ببلدهم وجيلهم، بينما البعض الآخر ملازم لكل حركة ثورية. حاولوا بادىء ذي بدء أن يحركوا الفلاحين، إما عن طريق إبراز أخطاء الحكم المطلق للموجيك، كما فعل أنصار لافروف، أو محاولة دفعهم للتمرد على القيصر، كما كان باكونين يحثهم على أن يفعلوا. ومرتين خلال ذلك العقد، غادر رجال ونساء من الانتلليجنسيا منازلهم ومهنهم وحاولوا أن يصيروا فلاحين بين الفلاحين، بهدف فهمهم بشكل أفضل. وقد كتب جنرال من سلك الدرك مكلف بمراقبة هذا النزوح: «إن فوجا كاملا من الاشتراكيين كرّس نفسه لهذا المشروع بنشاط وروح تضحية لا مثيل لها في تاريخ الحركات السرية في أوروبا». إلا أن هذه التضحية لم تجد نفعا لأن حبل التفاهم كان مقطوعا بين الفلاحين والانتلليجنسيا. فالموجيك كان ما يزال يثق بالقيصر – المحرر، لذا كان يواجه كلام النارودنيك، الراغب في «إنارته» أو «دفعه للتمرد»، بلا مبالاة حذرة أو بعداء مكشوف. وقد تولى الدرك والشرطة توقيف المثاليين الذين “ذهبوا إلى الشعب” وأنزلت بهم المحاكم عقوبات سجن قاسية، أو حكمت عليهم بالأشغال الشاقة أو بالنفي.

وبالتدريج، حل محل فكرة ثورة يضطلع بها الشعب فكرة مؤامرة تحبكها أقلية، قليلة العدد لكن متحلية بالحزم والعزم، آتية من أوساط الانتليجنسيا، وتنتهي بها إلى النجاح. أما اشكال العمل فتعدلت نتيجة لذلك. لقد كان نزوح الانتليجنسيا الى الريف بادرة عفوية، اذ لم يكن وراءه أي تنظيم مركزي، إلا أن المؤامرة الجديدة كانت تتطلب تنظيماً سرّياً صارماً، يجمع بين تشعباته تنسيق محكم، وتوجهه قيادة حازمة وفقا لانضباط دقيق. أما قادتها – جیلیابوف، كيبالتشیش، سوفيا بيروفسکایا، فيرا فيغنر، وآخرون. فلم يكونوا معدين منذ البدء للعمل الارهابي، بيد أن منطق وضعهم بالذات، مضافاً إلى تطور الأحداث، أدى بهم إلى تلك العاقبة. هكذا في كانون الثاني / يناير ۱۸۷۸، قامت شابة تدعى فيرا زاسولیتش – كان لها في يوم من الأيام نفوذ على بطل هذا الكتاب – باغتيال الجنرال تریبوف، قائد درك بطرسبورغ، احتجاجا على معاملته السيئة لموقوف سياسي، وعلى الإهانات التي كان يُعرّضه لها. وخلال المحاكمة، تكشفت التجاوزات الرهيبة التي تتحمل الشرطة مسؤوليتها. ولقد أثارت تلك التجاوزات استهجان القضاة، كما تأثرت نفوسهم بالمثالية الصادقة التي تحلت بها المتهمة، إلى درجة انهم أخلوا سبيلها. وحين حاولت الشرطة أن توقفها لدى خروجها من المحكمة، هرع جمهور صديق لنجدتها وأتاح لها الإفلات. فأصدر القيصر مرسوم يقضي بكف يد المحاكم المدنية، منذ ذلك الحين، في قضايا المتهمين السياسيين، وإيلاء المحاكم العسكرية مسؤولية النظر فيها.

إن بادرة زاسولیتش غير المتعمدة والرد الذي أحدثته دلّا المتآمرين على الطريق، ففي عام ۱۸۷۹ انشق حزب الأرض والحرية إلى قسمين، وبعض اعضائه المصممين على متابعة العمليات الإرهابية حتى اطاحة السلطة المطلقة شكلوا حزبا جديدة باسم نارودنيا فوليا، أو حرية الشعب (1). وكان برنامجهم الجديد يشدد على الحريات المدنية أكثر مما على الإصلاح الزراعي. بينها قطع فريق آخر أقل نفوذا، ولا يعلق أية أهمية على العمل الإرهابي، كل علاقة بالفريق الأول، میمّماً شطر الدفاع عن القسمة السوداء (شورنيي بیریدل) – أو التوزيع المتساوي للأرض. (هذا الفريق، بقيادة بليخانوف، الذي هاجر بعد قليل إلى سويسرا، وجه أول رسالة ماركسية واشتراكية – ديمقراطية إلى الثوريين الروس).

ولقد شهد عام ۱۸۷۹ تتابعاً سريعاً لعمليات إرهابية مشهدية. ففي شباط / فبراير تم اغتيال الأمير کروبوتكين، حاکم خاركوف. وفي آذار/ مارس وقعت محاولة اغتيال استهدفت الجنرال درینتلن، قائد الشرطة السياسية. وخلال العام ذاته نجا القيصر نفسه من محاولتين: ففي آذار/ مارس أطلق أحد الثوريين عليه خمس رصاصات من مسدسه، وخلال الصيف، فيما كان عائدا من مقره في کريميه، انفجرت الغام عديدة تحت دواليب قطاره. وقد تبعت ذلك عمليات توقيف مكثفة وحالات شنق ونفي متعددة. إلا أن المتآمرين ما لبثوا أن نجحوا في أول آذار/ مارس ۱۸۸۱ في اغتيال القيصر.

كانت القيصرية تقدم للعالم أجمع الصورة الساطعة للعظمة والقوة. إلا أن كارل مارکس أصر في نيسان / أبريل ۱۸۷۹، في رسالة بعث بها من لندن إلى صديق روسي، على تفكك المجتمع الروسي الذي كان يختفي خلف تلك الواجهة، وقد قارن وضع روسيا في نهاية حكم الكسندر بوضع فرنسا في ظل لويس الخامس عشر. وفي الواقع أن معظم الأشخاص الذين أصبحوا فيما بعد قادة الثورة الروسية ولدوا في العقد الأخير من حكم الكسندر.

_____________

(*) فئة المثقفين (المُعرّب).
(**) الموجيك هو الفلاح الروسي المعدم أيام القياصرة (المُعرّب).
(***) المجمع الكنسي (م).
(*4) حركة نادت بالاشتراكية الطوباوية الشعبية وتراوح عملها بين النضال السياسي والارهاب وكانت مهمتها الأساسية في اسقاط الحكم المطلق وإطلاق الحرية السياسية في (المُعرّب).
(۱) غالبا ما تترجم نارودنيا فوليا بـ إرادة الشعب. إذ لكلمة فوليا معنى مزدوج، فهي تعني تارة، “الحرية” وطوراً “الإرادة” ويمكن ترجمتها بالطريقتين.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلح: كلمات شكر (10)