النبي المسلّح: الفصل الأول (12)

0
188
                           البيت والمدرسة جـ 2

بعيدا جدا عن مسرح هذه الصراعات التي لا هوادة فيها، ووسط السهب الهادئ والمشمس في جنوبي أوكرانيا، وبالتحديد في مقاطعة خرسون، قريباً من مدينة بوبرینتز الصغيرة، كان يقيم دافيد ليونتييفيتش برونشتاین (عام ۱۸۷۹) في المزرعة التي اشتراها قبل مدة قصيرة من الكولونيل يانوفسكي (ومن هنا اسم يانوفكا). لقد تلقى الكولونيل هذه الأرض، الممتدة على مساحة أربعمائة هکتار تقريبا، من القيصر، مكافأة له على خدماته. إلا أن الكولونيل الذي لم ينجح في مهنته كمزارع كان في غاية الانشراح لبيعه برونشتاین مائة هکتار وتأجيره الثلاثمائة الأخرى. وقد تم الاتفاق في بداية العام. وخلال الصيف، غادر المالك الجديد وعائلته قرية مجاورة الى البيت المسقوف قصباً الذي حصلا عليه علاوة على المزرعة.

كان آل برونشتاین يهوداً. وكان نادراً أن ترى يهوداً يهتمون باستثمارة زراعية. إلا أن ما يقرب من أربعين مستعمرة لمزارعين يهود – فاضوا عن الغيتوات كثيفة السكان في “المنطقة المحفوظة” – كانوا متفرقين عبر سهب خرسون. ففي روسيا، لم يكن من حق اليهود أن يعيشوا خارج المنطقة المحفوظة، أي خارج المدن الواقعة بوجه خاص في المقاطعات الغربية المقتطعة من بولونيا. إلا أنه كان بإمكانهم أن يقيموا بحرية في السهب الجنوبي، القريب من البحر الأسود. ولقد تملكت روسيا تلك الأرض غير المسكونة تقريبا، لكن الخصبة، في حوالي نهاية القرن الثامن عشر، وكان القياصرة يصرون على تشجيع إعمارها. أما الرواد فكانوا مهاجرين أجانب أو منفيين مبعدين، هنا كما في التاريخ الاستعماري أغلب الأحيان. كان يتم تشجيع صربيين وبلغاريين ويونانيين ويهود على غزو تلك الصحراء. وفي الواقع أن المعمرين اليهود كانوا يحسّنون بذلك مصيرهم. لقد كانوا ينغرسون في المنطقة، ويتمتعون ببعض الامتيازات، ومنها أنهم تحرروا من التهديد بالطرد أو استخدام العنف الذي كان ينيخ بثقله دائما على يهود “المنطقة المحفوظة”، التي لم يتم تعيين حدودها بدقة في يوم من الأيام. أما الكسندر الأول فوافق على توسيع تلك المنطقة قليلا. لكن منذ ارتقى نقولا الأول العرش أمر بدفع اليهود إلى الوراء. وقد طردهم في أواسط القرن من جديد، من نیکولايیف وسيباستوبول وبولتافا ومدن منطقة كييف. ومعظم المطرودين استوطنوا من جديد في “المنطقة المحفوظة” التي ضاقت مساحتها واكتظت بالسكان، إلا أن البعض مضوا إلى السهب (1).

ومن المرجح أنه بعد واحدة من عمليات الطرد تلك، حوالي عام ۱۸۰۰، غادر ليون برونشتاین، والد مالك يانوفكا الجديد، مدينة يهودية صغيرة قريبة من بولتافا ، على ضفة الدنييبر اليمنى، تصحبه عائلته، وذلك للإقامة في مقاطعة خرسون. وحين كبر أبناؤه وبناته مكثوا في الأرض ذاتها، باستثناء أحدهم، دافيد، الذي كسب ما يكفي من المال ليغادر المستعمرة اليهودية ويقيم كمزارع مستقل في يانوفکا.

وعموما، كان المعمرون يأتون من أفقر الشرائح وسط السكان اليهود. فخلال قرون عديدة، كان اليهود من سكان المدن، وكانت الزراعة غريبة عن طريقتهم في الحياة، لدرجة أن القليل منهم، من بين القادرين على كسب معيشتهم في المدينة، كانوا يختارون الإقامة في الريف. فالتاجر ورجل الأعمال والمُرابي والوسيط ودارس التلمود الورع كانوا يفضلون جميعا أن يعيشوا في المنطقة المحفوظة، وسط جماعة يهودية، ولو بائسة. كانوا يزدرون حياة الريف إلى حد أن «رجل الأرض»، أو أم هاآرتز حسبما يسمونه في لغتهم، كان يعني كذلك الرجل الغليظ، الفظ الذي ليس لديه أدنى معرفة بالكتابات المقدسة. أما أولئك الذين كانوا يمضون إلى السهب فلم يكونوا يخسرون شيئا، إذ لم يكن يخيفهم عمل غير معتاد وقاس، ولم تكن تشدهم إلى الكنيس أية علاقات، أو أنه كانت تشدهم إليه روابط قليلة.
أن أبناء دين مالك يانوفكا الجديد كانوا عاملوه بالتأكيد ك آم هاآرتز: فقد كان أمياً، لا مبالياً بالدين، لا بل كان يظهر بعض الاحتقار للكنيس. ومع أنه لم يتحدر إلا من جيل واحد من الفلاحين، فقد كان ينتمي إلى الفلاح وابن الطبيعة، إلى حد أنه لم يعد فيه شيء تقريبا من سمات اليهودي. ففي بيته، لم يكن يتم التحدث بالییدیش، ذلك الخليط من الألمانية القديمة والعبرانية والسلافية، بل بخليط من الروسية والأوكرانية. إلا أن آل برونشتاین، خلافا لمعظم الموجيك، لم يكونوا يتذكرون شيئا من القنانة. فالقنانة لم ترسخ أقدامها يوما في السهب. كان دافيد برونشتاین مزارعاً حراً وطموحاً، صلباً ويعمل بشظف، كان نموذج الرائد بالذات. وكان مصمم على أن يجعل من مزرعته ملكية مزدهرة، وكان يقسو على نفسه، كما على عماله. كان المستقبل أمامه: حين أتى ليقيم في يانوفکا، لم يكن يتجاوز عمره الثلاثين عاما.

أما أمرأته، آنّا، فكانت من بيئة مختلفة. فهي لم تنشأ في الريف بل في أوذيسّا أو في مدينة أخرى من مدن الجنوب. وكانت على قدر من الثقافة يسمح لها بتسجيل اسمها في مكتبة اعارة، وبقراءة رواية روسية من حين لآخر. وهو ما كان القليل من اليهود الروس قادرين عليه في ذلك الحين. وهي انطبعت في بيت أهلها بالتراث اليهودي الأرثوذكسي إلى هذا الحد أو ذاك، وكانت أكثر اهتماما من زوجها بالحفاظ على الطقوس، فلم تكن تسافر أو تخيط في يوم السبت. وكان أصلها البورجوازي يظهر في احترامها الغريزي للأعراف، ذلك الاحترام الموسوم ببعض النفاق الديني. ففي وقت الحاجة، كان يحدث أن تخيط في يوم السبت، لكن مع الحرص كثيراً على ألا يراها أي غريب تفعل ذلك. ومن غير الواضح كيف حدث أن تزوجت المزارع برونشتاین، إلا أن ابنها يقول إنها أغرمت به حين كان لا يزال شاباً وجميلا. وقد أغاظ ذلك عائلتها كثيراً، فقد كانت تنظر الى ذلك الفلاح بعين الاحتقار. بيد أن ذلك الزواج لم يكن فاشلا، فالسيدة الشابة برونشتاین تحملت حياة الريف على مضض في البدء، ثم اجتهدت في نسيان عاداتها المدينية لتغدو فلاحة حقيقية. ولقد أنجبت أربعة أطفال قبل وصول العائلة إلى يانوفكا. وبعد أشهر من الاقامة في يانوفکا، ولد في ۲6 تشرين الأول/ اکتوبر ۱۸۷۹ طفل خامس، ذكر. وتلقى الولد اسم جده، ليف أو ليون، الرجل الذي غادر المدينة اليهودية القريبة من بولتافا ليقيم في السهب(2).

وأنها لنزوة من نزوات القدر أن يكون يوم ۲۹ تشرين الأول / أكتوبر، الذي ولد فيه الطفل (أو ۷ تشرين الثاني / نوفمبر وفقا للتقويم الجديد) هو اليوم ذاته الذي تولى فيه، باسم ليون تروتسکی، قيادة الانتفاضة البلشفية، بعد ذلك التاريخ بثمانية وثلاثين عاماً (3).

__________

(1) س. م. دوبتوف، تاریخ یهود روسيا وبولونيا، الجزء الثاني، ص ۳۰ – ۳4.
(2) ل. تروتسکی، موياجيزن (حياتي) الجزء الأول، الفصل الثاني.
(3) في السنة ذاتها، بعد أكثر من شهرين، ولد جوزف دجوغاشفيلي ستالين في مدينة غوري الجيورجية الصغيرة.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الأول (11)