النبي المسلّح: لفصل الأول – البيت والمدرسة جـ 3 (13)

0
174

في يانوفکا، أمضى الفتى الصغير سنواته التسع الأولى، وكما قال هو بالذات، لم تكن طفولته «مضاءة مشمسة» ولا «كهف الجوع والمصائب والبؤس». كان آل برونشتاين يعيشون الحياة المتقشفة التي يحياها الناس الكادحون والمقتصدون الراغبون في الارتقاء. «كانت كل العضلات متوترة، كل الأفكار موجهة في منحى العمل والتوفير». «كانت تتحدد الحياة في يانوفکا بإيقاع اشغال المزرعة. لا شيء آخر كان يهم – لا شيء سوى سعر الحبوب في السوق العالمية»(1). وقد كانت الأسعار تهبط بسرعة. إلا أنه لم يكن لدى آل برونشتاین هموم مالية تزيد عن هموم معظم المزارعين؛ لم يكونوا أنذالا حيال أولادهم وفعلوا كل ما في وسعهم ليؤمنوا لهم انطلاقة جيدة في معارج الحياة. وحين ولد ليوفا(2) كان كبير الأولاد في المدرسة بالمدينة، وقد تولت العناية بالطفل مربية أطفال، وهو ترف ما كان يسمح به غير القليل من الفلاحين؛ بعد ذلك بأمد قصير قدم أستاذ الموسيقى الى يانوفکا، وعندما آن الأوان تلقى الاولاد دراسات عالية. أما الوالدان فكان يستهلكهما عملهما إلى درجة أنه لم يكن يتوفر لهما الوقت لمنح أصغر أولادهما الكثير من الحنان، إلا أنه كان يحاط بعناية شقيقتيه ومربيته، الممزوجة بالمودة والعطف. وقد غدا ليوفا صبياً مرحاً ومعافى يملأ بالفرح قلوب والديه وأختيه والخدم وعمال المزرعة بفضل حيويته ومزاجه الطيب.

واذا نظرنا إلى مستوى الحياة في بيئته، فقد كانت طفولته میسورة. لقد كان منزل آل برونشتاین مبنياً من الصلصال، ويضم خمس حجرات، بعضها صغير ومعتم، أرضها من الطين وتخترق سقفها الأمطار الشديدة، بيد أن العائلات الفلاحية كانت تعيش عموما في أكواخ ترابية مؤلفة من حجرة أو حجرتين. وقد تضخمت ثروة العائلة وأهميتها خلال طفولة ليوفا. تحسنت المواسم وازداد عدد رؤوس الماشية، وارتفعت حول البيت أبنية جديدة خاصة بالمزرعة. وبالقرب من المنزل ضمت حظيرة كبيرة مشغلا ومطبخ المزرعة ومسكن الخدم. بينما ارتفعت خلف البيت مجموعة أبنية: أهراء ات، المربط، الاسطبل، زريبة الخنازير وملحقات متنوعة. وعلى بعد غير بعيد، فوق رابية قائمة في مكان أعلى من المستنقع، كانت تنتصب مطحنة كبيرة، يرجح أنها كانت الوحيدة في المنطقة بأسرها. وكان الموجيك يأتون صيفا ليطحنوا فيها حبوبهم، قادمين احيانا من أمكنة بعيدة. وكانوا ينتظرون طوال أسابيع، ينامون في الحقول حين لا تمطر، أو في المطحنة إذا أمطرت السماء. يدفعون للمالك اتاوة بنسبة العشر مقابل الدرس والطحن. وقد تاجر دافيد برونشتاين في البدء مع الباعة المحليين، إلا أنه حين تضخمت ثروته فيما بعد، باع سلعه عن طريق عميله في نيكولاييف، وكان مرفأ للحبوب على البحر الأسود في حالة ازدهار يومئذ. وبعد قضاء سنوات عديدة في يانوفکا، كان في متناول دافيد برونشتاین وسائل كثيرة للحصول على أراض أوسع بكثير من أراضيه لو لم يحظر أوكاز(*) جدید صادر عام ۱۸۸۱ شراء اليهود للأرض، حتى في السهب. هكذا لم يعد باستطاعته إلا أن يستأجر الأراضي من جيرانه استئجاراً، وهو ما قام به بالفعل. فقد كان جيرانه من طبقة النبلاء الآفلة، الروسية أو البولونية، التي كانت تبذر ثروتها برعونة وتثقل كاهلها بالديون، مع أنها واصلت الحياة في قصور ريفية فخمة.

هناك لاحظ الفتى للمرة الأولى انحطاط طبقة اجتماعية. “كان المثال الأصفى لإفلاس الأرستقراطية يتمثل بعائلة غرتوبانوف. وفي الماضي أطلق اسمها على بلدة كبيرة والناحية بكاملها. وكانت المقاطعة بأسرها ملكا لها. أما الآن فلم يعد يملك العجوز غرتوبانوف أكثر من أربعمائة هکتار مرهونة ومضاعف رهنها. كان أبي يستأجرها منه ويدفع مال المزارعة إلى أحد المصارف. وكان غرتوبانوف يحرر للفلاحين عرائض واسترحامات ورسائل بغية تحصيل معیشته. وحين يأتي لرؤيتنا يسرق تبغا وسكرا يخبئها في كمه. وكانت امرأته تحذو حذوه. تروي لنا قصص شبابها والرشاش يتطاير من فمها، تحدِّث عن الأقنان، وآلات البيانو، والأنسجة الحريرية والعطور التي كانت تمتلكها. وقد ربيا ولديهما تربية بقيا معها في حالة جهل شبه كامل. اشتغل فيكتور، وهو الأبن الأصغر، كعامل متدرب في مشغلنا (3)“. وحين كان آل برونشتاين يقارنون أنفسهم بهكذا جيران كان يتكون لديهم شعور بكرامتهم وبيسرهم. وقد نقلوا إلى أولادهم جزءا كبيرا من ثقتهم بأنفسهم ومن تذوقهم للعمل.

كان والدا ليوفا الصغير وشقيقتاه يحاولون ابقاءه في المنزل، أو في الفناء، إلا أنه كان في المزرعة الكثير من الفوضى والحركة، ما عدا في أشهر الشتاء الهادئة والرتيبة، حين تتركز حياة الأسرة في صالة الطعام. وكان الباب المحاذي الذي ينفتح على المشغل يثير شغف الفتى الصغير: هنالك كان ايفان فاسيلييفيتش غریبیان، شيخ الحرفة، يعلمه استخدام الأدوات واللوازم. وكان ايفان فاسيلييفيتش موضع ثقة العائلة ايضاً: يتناول طعامه في البيت، على مائدة الأسياد، وهو أمر لا يمكن تصوره في أية أسرة يهودية أخرى. كانت مآثره ونكاته ومزاجه المرح، تفتن ليوفا: وهو يتكلم في حياتي على الميكانيكي معتبرا إياه الرجل الذي مارس أعمق التأثير على طفولته الأولى. إلا أن الفتى كان يصل، من حين لآخر، إلى المشغل في حين كان عمال آخرون يستشيطون غضباً، وذلك من الأمور التي كانت تثير حيرته.. كان يفاجئهم احيانا وهم يتلفظون بكلمات تسيء إلى والديه، كلمات تهزه هزّاً، تجبره على التفكير وتنحفر في أعماق نفسه.

ومن المشغل، كان يمضي للتنزه في العنابر والاسطبلات، يمرح بالاختباء في الأهراء المظلمة، ويتعلم التعرف إلى الناس والحيوانات والمسافات الواسعة في المرج. وقد علمته شقيقته الألفباء، كما وعى بشكل مبهم قيمة الأرقام وهو يرى والده يتشاجر مع الفلاحين بصدد الزروع والمال. كان يشهد أمام عينيه صورة الفقر والقساوة والتمرد العاجز، ويتأمل اضرابات العمال نصف الموتى جوعا في عز الحصاد.. “كان العمال يغادرون الحقول ويتجمعون في الباحة. يتمددون على بطونهم في ظلال العنابر، رافعين في الهواء أقدامهم العارية، المتشققة، التي يجرحها القصب والقش وينتظرون ليروا ما سيحدث. وكان والدي يعطيهم آنذاك قليلا من الحليب الحامض والبطيخ أو نصف كيس من السمك المجفف فيعودون إلى عملهم، وهم يغنون غالباً (4)“. هاكم مشهد آخر لم يقيّض له أن ينساه: كانت مجموعة من العمال عائدة من الحقول، كانوا يمشون متعثري الخطى، مادين أيديهم إلى الأمام، – فقد حولهم سوء التغذية الى عميان بلا استثناء. وجاء مفتش للصحة الى يانوفکا لكن لم يجد ما يقوله: فآل برونشتاين لم يكونوا يعاملون عمالهم بشكل أسوأ مما يفعل معظم المستخدمين الآخرين، فالغذاء والشورباء والكاشا لم تكن أسوأ من تلك التي يتم تقديمها في أي مزرعة أخرى. ولا ينبغي ايلاء اهمية كبرى للانطباعات التي تولدت لدى الطفل حيال حوادث من هذا النوع. فالكثيرون غيره رأوا في طفولتهم مشاهد مماثلة أو أشد سوءا، دون أن يصبحوا ثوريين فيما بعد. وكانت تلزم تأثيرات أخرى أكثر تعقيدا لتشعل في قلب لیوفا مشاعر السخط على الظلم الاجتماعي ولتتمرد نفسه ضد النظام القائم. إلا أنه تذكر آنذاك بقوة تلك الصور والمشاهد المدفونة في ذاكرته، وهي وسمت بشكل أعمق حساسيته وإدراكه. كان الفتى قابلا للوسط الذي يعيش فيه، ولم يكن يجهش بالبكاء ويمضي ليخبّئ وجهه بين وسادات الأريكة في صالة الطعام إلا حين يهز أعماقه مشهد فظ من مشاهد قساوة أبيه.

كان في السابعة من عمره حين أرسله والداه الى مدرسة غروموكولا، وهي مستعمرة يهودية المانية على بعد ثلاثة كيلومترات من يانوفکا. هناك كان يسكن في منزل بعض الأقارب. أما المدرسة التي كان يتردد عليها فكانت نوعا من الخیدر Kheder، وهي مدرسة يهودية جرت العادة على الكلام فيها بالييديشية. كان على الفتى الصغير أن يتعلم فيها قراءة التوراة وترجمة النصوص المقدسة من العبرية إلى الييديشية، وكان البرنامج يتضمن كذلك درسا في الروسية الابتدائية والقليل من الحساب. ولما كان يجهل الييديشية، لم يكن في وسعه أن يفهم ما يقوله استاذه أو أن يتعرف الى رفاق صفه. وكانت المدرسة مكاناً وسخا تقريبا، وكريه الرائحة. كان على الفتى المعتاد الركض في الحقول أن يختنق فيه إلى حد ما. كما أن تصرفات الكبار كانت تفزعه أيضا وتثير نفوره. هكذا رأى في أحد الأيام يهودا من غروموکولا يجرون زانية في شارع القرية الرئيسي، معرضين إياها للذل والإهانة دون شفقة، وموجهين اليها شتائم فظّة. وفي مرة أخرى، أنزل المعمرون عقاباً صارماً بسارق جياد. وهو لاحظ أيضا مفارقة غريبة: فمن جهة كانت تصطف الأكواخ البالية التي تقطنها الجالية اليهودية، ومن الأخرى المساكن النظيفة والمصانة بشكل جيد التي يسكنها المعمرون الألمان. وبالطبع، فقد كان يجتذبه حي “الأمم”.

كانت اقامته في غروموکلا قصيرة: فبعد أشهر قليلة قرر آل برونشتاين أن يعيدوه الى البيت، ذلك أنه كانت تبدو على الفتي ملامح التعاسة هناك. ودّع الكتابات المقدسة إذا والأولاد الذين واصلوا تلاوة المزامير، وترجمة آيات عبرية غير مفهومة إلى الييديشية غير المفهومة هي الأخرى (5). إلا أنه تعلم قراءة الروسية وكتابتها خلال الأشهر القليلة التي قضاها في غروموكلا، وإثر عودته إلى يانوفکا، شرع ينسخ دون ملل مقاطع من كتب جديدة، ويكتب موضوعات انشاء ويتلو أبياتا ويؤلف قصائد. وبدأ يساعد والده في أمور المحاسبة وفي ضبط السجلات. وكان أهله يقدمونه في الغالب للجيران القادمين للزيارة، ويسألونه أن يلقي أبياتا أو أن يعرض رسومه. وكان يخجل في البدء فيتوارى عن الأنظار، إلا أنه سرعان ما اعتاد تلقي شهادات الاعجاب تلك وغدا يسعى خلفها.

وبعد عودة ليوفا إلى البيت بعام واحد تقريباً، وصل الى يانوفکا زائر سوف يترك تأثيراً حاسماً في طفولته ومراهقته. كان ذلك الزائر مويسي فيليبوفيتش سينتزر، ابن أخ السيدة برونشتاین، وكان ينتمي إلى فرع بعيد من فروع العائلة البورجوازية التي تعيش في المدينة. كان يمارس «القليل من الصحافة والقليل من الاحصاء»، ويعيش في أوذيسا حيث تأثر بالأفكار الليبرالية وجرى منعه من دخول الجامعة بسبب جنحة سياسية تافهة. وخلال إقامته في يانوفکا، حيث مكث طيلة الصيف – لأسباب صحية – كرّس قسطا كبيراً من وقته لطفل الأسرة المدلل، الموهوب للغاية لكن المتروك دون تعليم. ثم أبدى رغبته باصطحابه إلى أوذيسا والعناية بتثقيفه. وقد قبل آل برونشتاین؛ هكذا مضى ليوفا وسط دموع الفرح والحزن، في خريف عام ۱۸۸۸، مجهزاً بصرّة تلميذ جديد، ومحملا حزما ممتلئة بكل ما يمكن أن يهيئه مطبخ يانوفکا من طيبات.

أوذيسا على البحر الأسود كانت مرسيليا الروسية، مرسيليا أكثر فتوة بكثير، مشمسة ومرحة، مرفأ دولياً مفتوحاً لكل الرياح والتأثيرات. وكان مزاج سكان أوذيسا مكوناً من حيوية جنوبية وتذوق لما هو مسرحي، ومن حساسية حارقة. إلا أنه خلال السنوات السبع التي أمضاها فيها لم يكن جو المدينة هو الذي طبع نفس ليوفا وشخصيته بل جو منزل آل سبنتزر بوجه خاص. وكان بإمكانه أن يدخل بصعوبة في عائلة أكثر اختلاف من عائلته. فمن ناحية أولى كان آل سبنتزر في وضع غير ميسور تمامأ، وكان سبنتزر بالذات منزعجا لطرده من الجامعة، وكانت امرأته هي التي تنفق مؤقتا على العائلة، من عملها كمديرة لمدرسة علمانية لفتيات يهوديات. والكاتب الأميركي ماکس ایستمان الذي عرف الزوجين بعد أربعين عاما تكلم عليهما كما يتكلم المرء على أناس «محبوبين، وادعين، متوازنين، وأذكياء» (6). وقد عمدا إلى تعليم الفتى التحدث بالروسية بشكل سليم بدل التحدث باللهجة العائلية، وهي مزيج من الروسية والأوكرانية، وصححا أساليبه في الوقت ذاته الذي صححا فيه لفظه. وكان ليوفا حساسا ومتعطشا لتحويل الفتى الريفي الذي كان يمثله الى تلميذ لائق. وكان يكتشف محاور اهتمام جديدة ومتعة جديدة. ففي المساء كان آل سبنتزر يلقون جهارا قصائد للشعراء الكلاسيكيين الروس – بوشكين، وليرمو نتوف، ونیکراسوف، شاعرهم المفضل، الشاعر – المواطن الذي كانت قصائده صيحة احتجاج ضد مظالم القيصرية. وكان ليوفا يصغي مفتونا ولا يوافق على النزول مجددا من غيوم الشعر المذهبة الى سرير الرقاد إلا على مضض. وقد سمع للمرة الأولى قصة فوست ومرغريت على لسان آل سبنتزر، وبلغ تأثره الى حد ذرف الدموع وهو يستمع إلى قصة أوليفر تويست. وقرأ خفية كتاب تولستوي القاتم والعنيف، قوة الظلمات، الذي حظرته الرقابة وكان معظم الأشخاص الكبار يناقشونه بصوت خافت.

ولقد اختار له الزوجان سبنتزر مدرسة، إلا أنه كان لا يزال يافعاً جداً. لكنهما نجحا مع ذلك في تخطي تلك الصعوبة: سلمه الموظف البلدي شهادة ولادة سبق تاريخها سنة كاملة. إلا أنه بقي عائق أكثر جدية: ففي العام السابق، عام ۱۸۸۷، نشرت الحكومة الأوكاز المشهور حول الـ  numerus clausus (**) الذي كان يحدد عدد الأطفال اليهود المسموح لهم بالدخول الى المدارس الثانوية ب 10%، وفي بعض الأحيان بـ ..5% أو ۳٪ . وكان على أولئك المرشحين أن يجتازوا مباراة حقيقية. وقد أخفق ليوفا في امتحان الدخول، ذلك أنه لم يكن تابع الصفوف الابتدائية. لذا تم ارساله ليتابع طيلة عام دروسا تمهيدية للدخول الى المدرسة الثانوية: كان التلامذة اليهود الذين يتابعونها يتمتعون لأجل الدخول الى الصف الأول بالأفضلية حيال المرشحين اليهود القادمين من الخارج.

في ريلشول القديس بولس – ذلك كان اسم المدرسة – لم يكن التلامذة يتعلمون اليونانية أو اللاتينية، بل كانوا يتلقون تعليماً أساسياً أفضل مما في الجيمنازيوم (***)، ولا سيما في العلوم والرياضيات واللغات الحية، ۔ کالألمانية والفرنسية -. وفي نظر الانتلليجنسيا التقدمية، كان هذا البرنامج يبدو معدّاً بشكل جيد لإعطاء الأولاد تكوينا عقلانياً وعمليا. ولقد أسس مدرسة القديس بولس الألمان من الطائفة اللوثرية في أوذيسا، إلا أنها لم تتخلص من الروسنة (****). وحين دخل اليها ليوفا، كان يتم التعليم فيها بالروسية، إلا أن التلامذة والأساتذة كانوا من أصول المانية وروسية وبولونية وسويسرية ومن الروم الأرثوذكس واللوثريين والكاثوليك واليهود. وكان هذا التنوع في الطوائف والقوميات يؤدي إلى ليبرالية نادرة في المدارس الروسية. لم يكن لأية قومية أفضلية على القوميات الأخرى، وما كانت هنالك حظوة لأي من الأديان، بما فيها طائفة الروم الأرثوذكس. وفي الأكثر، كان أستاذ روسي يعذب خلسة تلميذا بولونيا، أو كاهن من الروم الكاثوليك يزعج بخبثه الخفي ولداً يهودياً. إلا أنه لم يكن هنالك أي تمييز أو اضطهاد علني يمكن أن يوحي بشعور بالدونية للتلامذة غير الروس. وبالطبع كان هنالك التمييز الملازم لواقع أن الروسية كانت اللغة الرسمية، إلا أن الأهل والتلامذة الألمان وحدهم كان يمكن أن يغتاظوا من ذلك. ورغم الـ humerus clausus، ما أن كان التلميذ اليهودي يحظى بالقبول في المدرسة حتى تتم معاملته بإنصاف. وقد أعطت مدرسة القديس بولس اليوفا، بشكل من الأشكال، أول فكرة عن المواطنية العالمية.

وسرعان ما أصبح الأول في الصف، «لم يكن من حاجة لأحد كي يحثه على العمل، أو للقلق بصدد دروسه. فهو كان يعمل أكثر مما هو مطلوب منه» (7). ولم يمر وقت بسيط حتى كان معلموه يعترفون بمواهبه وباجتهاده، وقد غدا بسرعة رفيقا لتلامذة الصفوف العليا. إلا أنه كان يتحاشى مع ذلك أنواع الرياضة والتمارين البدنية، وهو لم يذهب، طيلة سبع سنوات قضاها على شاطئ البحر الأسود، ليصطاد أو يسبح أو يركب الزوارق. أما كرهه لملعب مدرسته فناجم – ربما – عن حادث ألم به بعد دخوله المدرسة بوقت قصير: فلقد أصيب بجرح ثخين اثر سقوطه من على سلم وبقي لفترة «على الأرض يتلوى كدودة»، وربما كان لديه شعور بأن أفضل مكان للتمارين في العراء هو يانوفکا: «كانت المدينة مكان الدرس والعمل». وكان تبوؤ الرتبة الأولى باستمرار كافي لمنحه الثقة بنفسه.

خلال السنوات السبع التي قضاها في ريلشول، نادرا ما كان يختلط بالضوضاء، وهو ما كان يشارك أبداً بمشاحنة تنتهي بشكل سيء. وقد «أصدر» يوما مجلة مدرسية حررها هو بشكل كلي تقريباً، إلا أن تلك المجلة قوبلت بالمنع من وزارة التربية، ومنعه الاستاذ الذي حصل على نسخة منها من مواصلة «اصدارها». وانصاع ليوفا لهذا التحذير. وفي الصف الثاني، طارد رهط من التلامذة، من بينهم ليوفا، بصياحهم الساخر وصفيرهم أستاذا كانوا يمقتونه. فوضع المدير في الزنزانة بعض المذنبين، إلا أنه اخلى سبيل التلميذ الأول في الصف، وكان فوق الشبهات. بيد أن بعض التلاميذ المعاقبين «خانوا» ليوفا. وأعلن الأستاذ المهان وهو يشير إلى التلميذ الذي كان يعتز به: “أن التلميذ الأفضل هو مسخ من الناحية الأخلاقية”. وطرد «المسخ». تم تلطيف الصدمة بالتفهم واللطف اللذين أبداهما الزوجان سبنتزر حيال محميهما، وبتسامح والد اليوفا بالذات الذي أمتعه ما حدث أكثر مما أغضبه.

في السنة اللاحقة، أعيد ليوفا الى المدرسة بعد أن خضع لامتحان، وسرعان ما عاد المفضل في المدرسة ومصدر اعتزازها، وقد حرص على تحاشي عقوبات جديدة، بيد أنه رفض في أحد الصفوف العليا، هو وتلامذة آخرون، كتابة مسابقة لأستاذ خامل لم يكن يقرأ الفروض ولا يردها أبدا، إلا أنه لم يعاقب في هذه المرة. وهو يتكلم في سيرته الذاتية، بنوع من الرضى عن الذات، على تلك المرحلة التي تلت عودته الى القديس بولس: “تلك كانت بشكل من الأشكال تجربتي السياسية الأولى. ومنذ ذلك الحين انقسم الصف إلى مجموعات متمایزة: فمن جهة النمامون والحاسدون، ومن الأخرى الشجعان والصريحون، وفي الوسط كتلة الحياديين المائجة. هذه المجموعات الثلاث لم تختف كليا في السنوات التي تلت. فلقد قيض لي أن ألتقيها مرارا طوال حياتي” … (8). على ضوء تلك الذكريات كان الصف الثاني في مدرسة أوذيسا شبيها بحزب شيوعي صغير في العشرينات من هذا القرن، موزعة بين أنصار تروتسكي وخصومه.

______________

(1) تروتسكي، المرجع المذكور، الاستشهاد المذكور.
(2) ليوفا تصغير لليف أو ليون.
(*) مرسوم صادر عن القيصر (م).
(3) تروتسكي، حياتي، الجزء الأول ص 46 – 47.
(4) د. تروتسكي، حياتي، الجزء الأول، ص 42.
(5) فيما بعد، خلال اقامته في أوذيسا، حاول أن يتلقى مرة أخرى دروسا في العبرية، لكن دون نجاح.
(6) ماکس ایستمان، ليون تروتسكي: وصف لمرحلة الصبا، ص 14.
(**) باللاتينية في النص، وهي بمعنى شرط العدد (م)
(***) مدرسة ثانوية (م).
(****) التحويل إلى الطابع الروسي (م).
(7) م. ایستمان، المرجع ذاته، ص ۱۷.
(8) ليون تروتسکی، حياتي، الجزء الأول، ص 94.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الأول (12)