النبي المسلّح: الفصل الثاني – بحثاً عن مثل أعلى جـ 5 (19)

0
174

«مرّ ربع قرن تقريبا على ملاحظة الكاتب العجوز للمسرح، وقد آن الأوان لنرى إلى أي حد تغير الريف والمدن الروسية منذ تلك الحقبة». بعد هذا التذكير، كان آنتید أوتو يسير على خطى أوسينسكي يتناول الشخصيات ذاتها، من فلاحين وصغار موظفين، من مُهانين ومُساء إليهم، كان يتناولهم بالتعاطف ذاته والشفقة ذاتها – إلا أن استنكاره كان أعنف وأشد مرارة. ولما كانت مقالاته خاضعة للرقابة، فهو لم يكن يهاجم الحكم بشكل مکشوف، إلا أن هذا الإكراه كان يجعل غضبه وسخريته المكظومين أكثر فعالية. أما أسلوبه، السهل والسريع رغم بعض التكلف – كان مهذاراً في الغالب، مفخماً أحيانا ومدروساً بشكل جيد – فكان ملوناً ومعبراً؛ الملاحظة غنية ونفّاذة، تتخذ شکل صور ومفارقات غير متوقعة تعوض ما في ذلك الأسلوب من متصنع. فقد كتب في دراسة حول الشروط الصحية الرديئة في الريف السيبيري ومصير الطبيب في الريف: “يكتسح قريتنا الكولاك، من الناحية الاقتصادية، والسفلس وكل أنواع الأوبئة، من الناحية الصحية، وهي تعيش على الصعيد الروحي وسط ظلمات كثيفة” … . «تموت قريتنا من المرض في صمت متأمل». كان المرضى العقليون موضوعين تحت المراقبة في السجون: فلسبب قلة المستشفيات، كان المسؤولون المحليون عن الخدمة الصحية يستخدمون السجون ک «جناح للطب النفسي». وهاكم مثالا على ذلك:
كان مريضان لا ملجأ لهما، ومتمرد عجوز ودركي متقدم في السن يتقاسمون الزنزانة ذاتها في السجن – الدركي العجوز، بالضبط، الذي خفر الثوري في الماضي إلى منفاه. أما الأطباء فكانوا مقطوعين عن سائر العالم، عاجزين ومحبطين. وربما كان في وسع محاضرات منطقية للجهاز الطبي أن تخرجهم من بلادتهم (۱). وفي مرة أخرى، طالب لسيبيريا بحكومة محلية، وقد كتب: «يمكن للزمستفوات (جمعيات ريفية) في روسيا الأوروبية أن تبدي، على الأقل، رأيها حول المسائل ذات المنفعة المحلية، إلا أن الادارة في شرقي الأورال تستشف عصياناً في كل زمستفو. وحتى لو كان موجودا، هنا وهناك، جنين حكومة محلية، فالفلاحون ما كانوا ليظهروا فيها إلا كـ «رموز صامتة». فطبقة النبلاء كانت تعين ممثلا لها مقابل دخل مقداره ۳۰۰۰ روبل، بينما كان الفلاحون يرسلون ممثلا مقابل ۳۰۰۰ روبل بمثابة دخل».

لقد أوضح الطبيعة المغلوطة تاريخياً الخاصة بالإدارة عن طريق رسم شخصية مستخدم في فولوست سبيري (منطقة ادارية تضم عدة قرى). كان المستخدم ينوء تحت ثقل عدد لا يحصى من الأعباء المختلفة: كان يعمل في موقعه باسم وزارة الداخلية، وكان مسؤولا عن التجنيد أمام وزارة الحربية، وكان يجمع الضرائب لوزارة المال، ويتولى أمور الاحصاء لحساب وزارة الزراعة، كما كان الممثل المحلي لوزارة العدل ووزارة التربية الوطنية والعبادة، ولم تكن تتركه وشأنه الا وزارة البحرية ووزارة الشؤون الخارجية، إلا أنه حتى ذلك لم يكن أكيداً. كان يجتمع في شخص واحد الجابي والاحصائي والخبير الزراعي ومهندس الطرق والجسور، والمهندس المعماري، والكاتب العدل، والقاضي؛ إن مستخدم الادارة هذا لم يكن يتقاضى حتى أجرته بشكل منتظم، فما تكون النتيجة والحالة هذه؟.

“إن الاحصائيات نصف الخيالية التي يقدمها إلى رؤسائه تتمثلها المستويات العليا، وتشكل هكذا قاعدة للعديد من التقارير أو التحقيقات التي تقدم، بدورها، موضوع نقاش حماسي للقادة المسؤولين عن الرأي (2)، وقد خصص برونشتاين أيضاً سلسلة من المقالات “لاستشهاد النساء”: فالموجيك كان يضرب امرأته بوحشية، وهو ما كان يفعله التاجر السيبيري الغني.

بعد مرور نصف قرن، لا تزال تحتفظ هذه الأبحاث بقيمة وثائقية، ويمكن تصور التأثير الذي أحدثته في فترة صدورها. فالمراقب كان ينكبّ عليها بحذر متنام ويقتطع في أغلب الأحيان مقطعاً أو فقرة كاملة، وقد كان على الكاتب أن يلجأ باستمرار لحيل جديدة للإفلات من مقصه، ويستخدم ايحاءات أو تلميحات للوصول إلى أهدافه. وحين كان يعجز عن القبض على الحقيقة من دون قفازات، كان يلجا وهو يعتذر، إلى ما يشبه القصة الخيالية.

وغالبا ما وجد كتاب المعارضة في النقد الأدبي ملجأ ضد هجمات الرقابة. تلك كانت حال برونشتاین، إلا أن النقد الأدبي كان بالنسبة اليه أكثر بكثير من ذريعة ملائمة للتعبير عن أفكاره السياسية، فلقد كان ناقد أدبياً موهوباً. حتى محاولاته الأولى لفهم الأدب من الزاوية الماركسية لم تنطبع بتلك النفعية السياسية الضيقة التي يجعل منها النقد الماركسي المزعوم فضيلته الرئيسية في الغالب. كان نقده تحليلياً أكثر مما كان تعليمياً، وبما أنه ينطوي على تقويم حي للقيم الجمالية فقد كان يعتني بالمتعة التي تقدمها تلك القيم. ولقد كان برونشتاین قارئا نهماً، فخلال السنتين اللتين قضاهما في سيبيريا كتب عن نيتشه، وزولا، وهوبتمان، وایبسن، ودانونزیو، وروسکين، وموباسان، وغوغول، وهرزن، وبیلنسكي، ودوبر وليوبوف، وأوسينسكي وغوركي وكثيرين غيرهم، وكانت سعة تلميحاته التاريخية وتذكراته الأدبية فسيحة للغاية، حتى انه كان ينبغي دحض بعضها مما يمكن اعتباره تفاخرا صبيانياً إلى حد ما بغزارة المعارف. كان يهتم قبل كل شيء – كما من واجب كل مارکسي – بتأثير المجتمع في العمل الأدبي، وبالمناخ الأخلاقي والسياسي الذي يعطي عنه الروائي أو الشاعر تعبيراً شخصياً، وبالتأثير الذي يمارسه العمل بدوره على ذلك المناخ.

لكن لم يكن في أبحاثه أي أثر لتلك الماركسية المبتذلة التي تدعي اكتشاف مصلحة اقتصادية أو سياسية طبقية، تختفي وراء أي قصيدة أو مسرحية أو رواية. كان متحرراً بشكل استثنائي (وهذا استثنائي حقا لدى رجل في سن تتراوح بين العشرين والاثنين والعشرين) من كل موقف عصبوي كان بإمكانه أن يقود ثورياً لفضح كل القيم الروحية التي لا تتفق مع مفاهيمه الشخصية ولا تعود عليه، بالتالي، بأية منفعة. ان موقفا كهذا لدى ماركسي شاب هو في العموم علامة تردد داخلي: لم يتمثل حقا الفلسفة المكتشفة حديثا؛ المبادئ التي يجاهر بها هي إلى هذا الحد أو ذاك من خارج نمطه في التفكير؛ وهو مادي – تاريخي بالواجب أكثر مما نتيجة قناعة شخصية. وكلما ازداد عنفه في فضح ما يبدو له معاكسا لفلسفته غير المتمثلة جيداً كلما ازداد رضى حس الواجب لديه وازداد شعوره براحة الضمير. أما الشاب برونشتاين فكانت الحرية تعني بالنسبة اليه إذا أنه يثق بها بصورة كافية ليشعر بأنه متحرر تماما من كل عصبوية، فهو لم يكن يخاف من السخاء بامتداح كاتب أفكاره بعيداً جدا عن مذاهب الاشتراكية أو معاكسة لها بشكل مباشر. وهو لم يكن يتصرف على هذا المنوال انطلاقا من الأمانة المجردة بل لأنه كان يؤمن بأن «رأس المال الروحي للإنسان عظيم للغاية ووفير جدا في تنوعه»، بحيث أن “من يستند إلى الأسلاف العظام هو وحده” الذي يتمكن من التحدث بلغة جديدة وغنية. كان هذا الكاتب الذي لم يتجاوز الواحد والعشرين عاما يصر على واقع أن من واجب الاشتراكية الثورية أن تتقبل التراث الثقافي العظيم لا أن ترفضه – وهو لم يكن يستبعد إلا الفهم المحافظ والتقليدي للتراث. لم يكن يخشى اكتشاف أنه بإمكان المنظورات الاشتراكية وغير الاشتراكية أن تتساوق أو تتطابق، أو التسليم بأن ثمة نواة أو قسطا من الحقيقة في ايديولوجية ينبذها بمجملها (۳).

إن أول بحث أدبي كتبه، وكان عرضاً سيرياً بمناسبة وفاة نيتشه، ظهر على حلقات في المجلة الشرقية، خلال كانون الأول / ديسمبر ۱۹۰۰، بعد شهر أو شهرين من وصوله إلى سيبيريا. ما كان في وسعه اختيار موضوع أكثر إرباكا من مؤلفات نیتشه الذي كان ذائعا حقده على الاشتراكية، وكان تقديسه للإنسان الأمثل (السوبرمان) يتعارض مع الفكر الاشتراكي. لقد بدأ برونشتاین مقاله معتذراً بسبب الانتقادات التي ينطوي عليها؛ “علينا أن نكون منزّهين عن الهوى في نظرتنا إلى شخصية خصومنا، وعلينا أيضا … أن نحيّي جسارتهم ومزاياهم الشخصية الأخرى. إلا أن الخصم، أكان صادقا أو غير صادق، حيا أو ميتاً، يبقى خصما، لا سيما إذا كان كاتبا يخلد في أعماله” … وقد بين كيف تطورت فكرة الإنسان الأمثل انطلاقا من الاخلاق البورجوازية الرائجة وكيف كانت تعارضها. ولقد أكد أن نیتشه عمم ازدراء الجماهير المترسخ عميقا في الفكر البورجوازي ومضى به إلى نتيجته المنطقية الأخيرة، أو بالأحرى غير المنطقية. ولكي يدعم الناقد هذا التأكيد بين كيف أن الكثير من أفكار نیتشه استتبعتها أفكار هربرت سبنسر، الفيلسوف وعالم الاجتماع الممثل للبورجوازية الفيكتورية، أو عبرت عنها بشكل مکشوف. كان بين مفهوم الانسان الأمثل والاخلاق البورجوازية التعارض ذاته القائم بين المغالاة والقاعدة. فالإنسان الأمثل اللاأخلاقي كان يدافع مع البورجوازية الفاضلة عن العلاقة ذاتها التي دافع عنها روبريتر (الفارس النهّاب) في العصر الوسيط الذي كان شعاره:

Rauben ist keine Schaude, dastuhndie Besten im Lande

أو: (ليس النهب عاراً، فأفضل الناس في البلد يفعلون ذلك)، مع السيد الاقطاعي. كان مثل نيتشه الأعلى البورجوازي الجشع المتحرر من كل كبت، ومن كل نفاق. ورغم كل شيء، لم يكن في وسع الاشتراكيين إلا أن يعجبوا بالفرادة الباهرة التي برهن بها نيتشه عن سرعة عطب الأخلاق العملية الرائجة لدى البورجوازية (4).

وقد توصل برونشتاين للاستنتاج ذاته في دراسة عن ایبسن، الذي كان يرى فيه الفنان الخالد بمواجهة الأخلاقي المزيف (5). «ان مؤرخ الفكر الاجتماعي في أوروبا لن ينسى أبدأ الصفعات الرائعة التي وجهها ایبسن للوجه المغسول جيدا، والمصقول تماما والمُشع من الرضى، الخاص بالبورجوازي غير المستنير». ففي عدو للشعب، مثلا، أظهر ایبسن كيف أن في وسع ديمقراطية بورجوازية، من دون أن تستعمل العنف وبمهارة لبقة، أن تعزل هرطوقية وتدمّره («بالفعالية ذاتها التي لنفيه إلى سيبيريا»). إلا أنه لم يكن بإمكان الاشتراكيين أن يؤيدوا موقف بطل ایبسن الشبيه جدا بموقف الانسان الأمثل، موقف الحذر تجاه الشعب واحتقار حكومة الأغلبية. فالشعب، أو الاغلبية، ليس مصدر كل حكمة (والاشتراكيون يسلمون بذلك): “إذا كانت «الجماهير» مدعوة لإعطاء رأيها في حسنات نظرية علمية أو نظام فلسفي … يكون ایبسن على حق مبين … ونظرية داروين حول مشكلات البيولوجيا أهم مئة مرة من الرأي الجماعي الذي يعبر عنه لقاء يضم مئة ألف شخص”. (لم يكن المؤلف يتخيل منظراً شائعاً في بلاده بالذات، بعد خمسين عاما من ذلك التاريخ، حيث تتهم لقاءات جماهيرية علماء أحياء أو لغويين بأنهم «خونة».) “لكن حين يتم الدخول إلى ميدان السياسة الاجتماعية العملية حيث تتصادم مصالح متعارضة إلى حد بعيد، تصبح المشكلة مختلفة تماما … في مثل تلك الحالة، يكون لإخضاع الاقلية للأكثرية قيمة أسمى بكثير، إذا كان ذلك يتناسب مع توازن القوى الاجتماعية الحقيقي ولم يكن نتيجة مؤقتة ناجمة عن حيلة من الحيل”. لقد كان حذر ایبسن من «الشعب» يعبر مع ذلك عن تعارض الفنان مع المجتمع البورجوازي، تعارض كان على الماركسيين أن ينظروا اليه بتفهم وعطف، مع أنهم تمردوا على ذلك المجتمع بشكل مغاير وانطلاقا من مسلمات مخالفة.

______________

(۱) ل، تروتسكي، سوشيتنيا، الجزء الرابع، ص 17 – 42.
(۲) ل. تروتسكي، سوشيننيا، الجزء الرابع، ص 3 – 7.
(۳) اختتم هكذا بحثا حول غوغل: «مؤسس الرواية الروسية»: «إذا كان غوغول حاول التقليص من الأهمية الاجتماعية الخاصة بكتاباته … فلنمتنع عن القسوة عليه من جراء ذلك. فإذا كان حاول في أعماله الصحفية أن يخلب النفوس المنحطة – فلنغفر له ذلك! فلأجل مزاياه العظيمة، مزاياه الفنية التي لا تنضب، لأجل النبل الإنساني في عمله الخلاّق – فليكن مجده خالداً لا ينضب!» سوشيننيا، الجزء العشرون، ص ۲۰.
(4) ل. تروتسکی، سوشينيا، الجزء العشرون، ص 147 – 162.
(5) المرجع ذاته، ص ۱۸۱ – ۹۰.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلّح: الفصل الثاني – بحثاً عن مثل أعلى جـ 4 (18)