رأس المال: الفصل الثالث عشر – (52)

0
135

 

                               الآلات والصناعة الكبرى

3) التأثيرات المباشرة للإنتاج الآلي على العامل

كان تثوير وسائل العمل، كما رأينا، نقطة انطلاق الصناعة الكبرى، أما وسائل العمل التي تعرضت للانقلاب فتكتسب شكلها الأكثر تطورا في تمفصل منظومة الآلات في المصنع. وقبل أن نعاين سبل اندماج المادة البشرية بهذا الكيان العضوي الموضوعي دعونا نطلع على بعض التأثيرات العامة لهذه الثورة على العامل نفسه.

آ) استحواذ رأس المال على قوى عمل إضافية. عمل النساء والأطفال

بمقدار ما تجعل الآلات القوة العضلية زائدة عن اللزوم، فإنها تغدو وسيلة لاستخدام عمال يفتقرون إلى هذه القوة العضلية، أو لم يبلغوا بعد تطورهم الجسدي، لكنهم يتوافرون على أعضاء أكثر مرونة. ولذا كان عمل النساء وعمل الأطفال الكلمة الأولى للاستخدام الرأسمالي للآلات! وبذلك تحول هذا البديل الجبار عن العمل والعمال، على الفور، إلى وسيلة لزيادة عدد العمال المأجورين بإخضاع جميع أفراد أسرة العامل لسيطرة رأس المال المباشرة، بلا تمييز في الجنس أو العمر. ولم يقتصر العمل القسري لصالح الرأسمالي على اغتصاب مواضع لعب الأطفال، بل استولى أيضا على العمل الحر الذي تزاوله الأسرة، بمألوف العادات، في المنزل لأجل نفسها (1).
لا تتحدد قيمة قوة العمل بوقت العمل اللازم لإعالة العامل الراشد بمفرده، بل بوقت العمل اللازم لإعالة أسرة هذا العامل. ولما كانت الآلات تقذف جميع أفراد أسرة العامل إلى سوق العمل فإنها توزع قيمة قوة عمل الرجل على أسرته بمجموعها. وعليه فإنها تخفض قيمة قوة عمله. لعل شراء الأسرة المؤلفة من 4 قوى عاملة يكلف أغلى مما كان يكلفه شراء قيمة قوة عمل رب الأسرة من قبل، ولكن بالمقابل تحل الآن 4 أيام عمل محل يوم واحد وينخفض سعرها بصورة تتناسب مع زيادة العمل الفائض لأربعة أفراد على العمل الفائض لفرد واحد. وحتى تتمكن الأسرة من العيش ينبغي الآن على أربعة أفراد أن يقدموا لرأس المال ليس العمل فحسب، بل العمل الفائض أيضا. وهكذا نرى أن الآلات تزيد المادة البشرية المناسبة لاستغلال رأس المال، مثلما تزيد في الوقت نفسه درجة هذا الاستغلال (2).

تحدث الآلات ثورة جذرية في الوسائط الرسمية للعلاقة الرأسمالية، نعني العقد بين العامل والرأسمالي. فأسس التبادل السلعي تفترض أولا أن يقف الرأسمالي والعامل في مواجهة بعضهما بعضا كشخصين حرّين مالكين مستقلين للسلع: الأول هو مالك النقد ووسائل الإنتاج، والثاني هو مالك قوة العمل. أما الآن فإن رأس المال يشتري القاصرين أو الصغار. في السابق كان العامل يبيع قوة عمله الخاصة، كما كان يتصرف بها كشخص حر شكلياً. أما الآن فهو يبيع زوجته وأولاده. إنه يغدو تاجر رقيق (3). وغالبا ما يذكرنا شكل الطلب على عمل الأطفال بالطلب على العبيد الزنوج الذي تعودنا على رؤية نماذج منه في إعلانات الصحف الأميركية.

وعلى سبيل المثال يقول أحد مفتشي المصانع الإنكليز: «لفت انتباهي اعلان في صحيفة محلية لإحدى كبريات المدن الصناعية في مقاطعتنا». إذ ورد في الاعلان: «مطلوب 12 – 20 صبية في عمر يمكنهم من الظهور بمظهر من تجاوزوا 13 عاماً. الأجور 4 شلنات في الأسبوع. راجعوا، إلخ» (4). وإن عبارة «يمكنهم من الظهور بمظهر الذين تجاوزوا 13 عاماً» تعني أن الأولاد الذين هم دون الثالثة عشرة لا يستطيعون العمل بموجب قانون المصانع سوى 6 ساعات. ويجب على الطبيب الرسمي (certifying surgeon) أن يثبت العمر. لذلك يطلب صاحب المصنع أولادا يوحي مظهرهم الخارجي وكأنهم قد تجاوزوا سن الثالثة عشرة. وإن تناقص عدد الأولاد دون الثالثة عشرة من العمر الذين يستخدمهم أصحاب المصانع، هذا التناقص الذي لا يندر أن يأتي على شكل قفزات ويثير مثل هذه الدهشة في الاحصاءات الإنكليزية خلال السنوات العشرين الأخيرة، كان إلى حد كبير، كما يقول مفتشو المصانع أنفسهم، من صنع هؤلاء “الأطباء الرسميين” (certifying surgeons) الذين يغيرون أعمار الأطفال بما يرضي شهوة الرأسماليين إلى الاستغلال واضطرار الآباء إلى المتاجرة بهم. وفي بثنال غرين، وهو حي سيء السمعة في لندن، تعقد صباح كل اثنين وثلاثاء سوق مفتوحة يؤجر فيها أطفال من كلا الجنسين أنفسهم، ابتداء من سن التاسعة، للعمل في مانیفاكتورات الحرير في لندن. «والشروط المعتادة هي شلن واحد و8 بنسات في الأسبوع (يأخذها الآباء)، وبنسان لي مع الشاي». وتسري العقود لأسبوع واحد لا غير. وإن المشاهد واللغة في هذه السوق مشينة تماما (5). ولا يزال يحدث في إنكلترا أن النساء “يأخذن أولاداً من ملجأ العمل (workhouse) بغية تأجيرهم لأي شار بشلنين و6 بنسات في الأسبوع” (6). وخلافا للتشريع لا يزال 2000 صبي على أقل تقدير يبيعهم آباؤهم في بريطانيا العظمى كآلات حية لتنظيف المداخن (رغم وجود آلات تعوض عنهم) (7). وإن الثورة التي أحدثتها الآلات في العلاقة الحقوقية بين شاري وبائع قوة العمل، والتي جردت هذه الصفقة بكاملها حتى من مظهر العقد بين شخصين حرّين، قدمت للبرلمان الإنكليزي فيما بعد الأساس القانوني لتدخل الدولة في نظام المصانع. وحيثما يحدد قانون المصانع عمل الأطفال بـ 6 ساعات في فروع صناعية لم تكن قد مُسّت حتى ذلك الوقت، يتكرر عويل أصحاب المصانع قائلين: إن بعض الآباء يسحبون أولادهم من الصناعة المقيدة بالقانون لا لشيء إلا ليبيعوهم في فروع تسودها «حرية العمل»، أي حيث يضطر الأطفال دون سن الثالثة عشرة للعمل مثل الكبار، لذا يمكن بيعهم بسعر أغلى. ولكن نظرا لأن رأس المال مساواتي بطبيعته، أي أنه يطالب، بالمساواة في شروط استغلال العمل في جميع فروع الإنتاج كحق فطري من حقوق الإنسان، فإن التحديد القانوني لعمل الأطفال في أحد فروع الصناعة يغدو حافزا لتحديده في فرع آخر.

لقد سبق أن أشرنا إلى الانحطاط الجسدي للأطفال والأحداث، شأنهم شأن نساء العمال أيضا، الذين تخضعهم الآلة لاستغلال رأس المال بصورة مباشرة في البداية – في المصانع الناشئة على أساسها – ثم بصورة غير مباشرة فيما بعد – في كافة الفروع الصناعية الأخرى. ولذا سنتوقف هنا عند نقطة واحدة فقط، هي نسبة وفيات أطفال العمال الهائلة في سني حياتهم الأولى. ثمة في إنكلترا 16 دائرة تسجيل لا تقع فيها سوی 9085 حالة وفاة بالمتوسط في السنة بين كل 100,000 طفل لم يتجاوزوا السنة الأولى من العمر (وفي إحدى الدوائر 7047 حالة وفاة فقط)؛ وفي 24 دائرة أكثر من 10,000 ولكن أقل من 11,000 وفي 39 دائرة أكثر من 11,000 ولكن أقل من 12,000 ؛ وفي 48 دائرة أكثر من 12,000 ولكن أقل من 13,000 وفي 22 دائرة أكثر من 20,000 وفي 25 دائرة أكثر من 21,000 وفي 17 دائرة أكثر من 22,000 وفي 11 دائرة أكثر من 32,000؛ وفي كل من هاو، وولفرهامبتون، وأشتون-أندر-لاین، وبريستون أكثر من 24,000؛ وفي نوتنغهایم، وستوکبورت، وبرادفورد أكثر من 25,000 وفي ويسبيتش 26,001 ؛ وفي مانشستر 26,125 (8). وقد بين تحقيق طبي رسمي في عام 1861 أن سبب مثل هذه النسبة العالية للوفيات يعود بالدرجة الأولى، عدا عن الظروف المحلية، إلى انشغال الأمهات خارج المنزل وما ينجم عن ذلك من إهمال العناية بأطفالهن وسوء معاملتهم، وسوء التغذية ونقص الغذاء وتخديرهم بالأفيون وإلخ؛ يضاف إلى ذلك اغتراب الأمهات عن أطفالهن اغتراباً مجافياً للطبيعة (*) وما يتبع ذلك من تجويع الأطفال وتسميمهم عمدا (9). وعلى العكس ففي المناطق الزراعية “حيث عمل النساء في حده الأدنى نجد أن نسبة الوفيات في أدناها” (10). ولكن لجنة تحقيق عام 1861 توصلت إلى استنتاج مفاجئ تماما مفاده أن نسبة وفيات الأطفال الذين لم يتجاوزوا السنة الأولى من العمر في بعض المناطق الزراعية الخالصة الواقعة على شواطئ بحر الشمال تساوي مثيلتها تقريبا في المناطق الصناعية الأكثر شهرة من هذه الناحية. ولذلك أوعز الدكتور جوليان هنتر لدراسة هذه الظاهرة ميدانياً. وإن تقريره ملحق بالتقرير السادس للصحة العامة  Sixth Report on Public Health(11)، وكان الافتراض قبل ذلك الوقت أن الملاريا وغيرها من الأمراض السارية في المناطق المنخفضة والمستنقعات تحصد الأطفال. بيد أن التحقيق أدى إلى استنتاج مخالف تماما، وهو، “إن السبب الذي قضى على الملاريا، أي تحويل الأرض من مستنقعات شتاء ومراع قاحلة صيفا، إلى حقول قمح خصبة، هو الذي أسفر عن معدل الوفيات الاستثنائي بين الأطفال الرضع” (12). إن الأطباء السبعين العاملين في هذه المنطقة، الذين استجوبهم الدكتور هنتر كانوا “مجمعين إجماعاً مذهلا” حول هذه النقطة.

إن المتزوجات العاملات مع الفتيات والأحداث يعملن لقاء مبلغ معين بتصرف المزارع المؤجر من قبل شخص يدعى «رئيس الزمرة» (**) وهو الذي يتفق على تأجير الزمرة كلها. وغالبا ما ترتحل هذه الزمر أميالا عن قراها؛ وتمكن رؤيتها صباحا ومساء على الطرقات الزراعية؛ النساء يرتدين تنورات قصيرة وما يناسب ذلك من بلوزات وأحذية، وأحياناً سراويل، ويدل مظهرهن على قوة البدن وعافيته، رغم ما يعتريهن من خلاعة مألوفة ولا مبالاة مهلكة بما يجره شغفهن بهذه الحياة الموّارة، المنفلتة على أطفالهن الذين يذوون في البيت (13). وتتكرر هنا كافة ظواهر المناطق الصناعية، بل إن قتل الأطفال المستتر وتخديرهم بالأفيون أشد وطأة(14).

يقول الدكتور سایمون، المفتش الطبي للمجلس السري الإنكليزي والمحرر الرئيسي للتقارير المتعلقة بالصحة العامة: «إن اطلاعي على الشر الناجم عن الاستخدام الواسع لعمل النساء البالغات في الصناعة هو مبرر إشمئزازي من هذا الواقع» (15). ويهتف مفتش المصنع ر. بيكر في أحد التقارير الرسمية: “من المفرح تماما بالنسبة للمناطق المانيفاکتورية في إنكلترا منع جميع النساء المتزوجات اللواتي لديهن أسر، من العمل في أي مصنع مهما كان شأنه” (16). لقد صور ف. إنجلز في كتابه: وضع الطبقة العاملة في إنكلترا ومؤلفون آخرون أيضا الفساد الأخلاقي الناجم عن الاستغلال الرأسمالي لعمل النساء وعمل الأطفال، تصويراً أخّاذا ومسهباً، بحيث اكتفي هنا بمجرد الإشارة إلى ذلك. ولكن التوحش الذهني الذي يسببه تحويل البشر قبل الأوان، بصورة مصطنعة، إلى محض آلات لصنع فائض القيمة، والذي يختلف تماما عن ذلك الجهل الفطري الذي يبقى الذهن في ظله بِكراً من دون أن يفقد مقدرته الذاتية على النمو، خصبه الطبيعي، إن هذا التوحش قد أرغم البرلمان الإنكليزي أخيرة على اعلان التعليم الابتدائي شرطاً إلزامياً قبل الاستهلاك “المنتج” للأطفال دون سن الرابعة عشرة في جميع فروع الصناعة الخاضعة للتشريع الصناعي.

وتتجلى روح الإنتاج الرأسمالي بوضوح في الصياغة الخرقاء لمواد قوانين المصانع المتعلقة بالتربية المزعومة، وفي غياب الجهاز الإداري الذي يصبح هذا التعليم الإلزامي بدونه سرابا في أغلب الحالات، وفي معارضة أصحاب المصانع حتى لمثل هذا القانون عن التعليم، وفي مراوغاتهم وأحابيلهم للتملص منه.

“يقع اللوم على السلطة التشريعية وحدها لأنها أصدرت قانونا خادعاً (delusive law) يظهر حرصا على تربية الأطفال ولكنه لا يتضمن حكماً واحداً يكفل تحقيق هذه الغاية، وهو لا يقرر سوى أنه يجب حبس الأطفال خلال عدد معين من الساعات في اليوم، (3 ساعات) بين أربعة جدران في مبنى يسمى مدرسة، وأن رب عمل الأطفال يجب أن يحصل أسبوعياً على شهادة بتنفيذ ذلك من قبل الشخص الذي يوقعها بوصفه المعلم أو المعلمة” (17).
قبل إصدار قانون المصانع المعدل في عام 1844 لم يكن من النادر رؤية شهادات بارتياد المدرسة موقعة من المعلم أو المعلمة بعلامة صليب لأنهما لا يعرفان الكتابة.

عندما زرت مدرسة تعطي مثل هذه الشهادات ذُهلت من جهل المعلم بحيث أنني سألته: «قل لي من فضلك هل تحسن القراءة؟» فكان جوابه: «أي. نوعا ما (summat)». وأضاف تبريراً لنفسه: «على كل حال أنا أحسن من تلامذتي».
أثناء إعداد قانون عام 1844 اشتكى مفتشو المصانع من الحالة المخزية للأماكن المسماة مدارس، والتي كان عليهم بموجب القانون الاعتراف بصلاح شهاداتها. ولكن كل ما حصلوا عليه اقتصر على الآتي وهو: اعتبارا من عام 1844

“يجب على المعلم أن يسجل الأرقام في الشهادة المدرسية بخط يده، وكذلك (ditto) أن يوقع إسمه ولقبه بخط يده” (18). ويتحدث السير جون کینکاید، مفتش المصانع الإسكتلندي، عن تجارب مماثلة في عمله الوظيفي.

كانت المدرسة الأولى التي زرناها برعاية السيدة آن كیلین. وعندما طلبنا منها أن تتهجى لقبها أخطأت على الفور إذ ابتدأت بحرف C، ولكنها ما لبثت أن صححت خطأها وقالت إن لقبها يبتدىء بحرف K. إلا أنني لاحظت عندما تفحصت تواقيعها على الشهادات المدرسية أنها توقع بتهجيات مختلفة. كما أن خط يدها لا يدع مجالا للشك في أنها لا تصلح للتعليم. واعترفت هي نفسها أنها لا تعرف كيف تنظم سجل الصف… وفي مدرسة ثانية دخلت صفاً مدرسياً بطول 15 قدماً وعرض 10 أقدام يحتشد فيه 75 طفلا يهمهمون بشيء غير مفهوم (19). «إلا أن حصول الأطفال على شهادات مدرسية من دون تلقي أي تعليم لا يقتصر على تلك البقاع التعيسة، بل ثمة الكثير من المدارس تتوافر على معلمين أكفاء، لكن جهود هؤلاء الأخيرين تذهب هباء، إزاء هذا الخليط المشتت من أطفال من جميع الأعمار ابتداء من سن الثالثة. كما أن الوضع المادي للمعلم، بائس في أفضل الحالات، وهو يتوقف كليا على عدد البنسات التي يستلمها، علما بأنه يستلم بنسات أكثر كلما حشر عددا أكبر من الأطفال في حجرة واحدة. زد على ذلك الحالة المزرية للمفروشات في المدرسة ونقص الكتب وغير ذلك من الوسائل الدراسية والتأثير المكرب للهواء الخانق الكريه على الأطفال المساكين أنفسهم. لقد زرت الكثير من المدارس المماثلة حيث رأيت صفوفاً من الأطفال الذين لا يعملون شيئا على الإطلاق؛ هذا ما يسمونه ارتياد المدرسة، ويدرج مثل هؤلاء الأطفال في الاحصاءات الرسمية في عداد المتعلمين (20) (educated)”

وفي اسكتلندا يبذل أصحاب المصانع قصارى جهدهم للاستغناء عن الأطفال الملزمين بارتياد المدرسة.

“وهذا يكفي للبرهنة على نفور أصحاب المصانع الشديد من مواد القانون المتعلقة بتعليم الأطفال”(21).

ويتجلى ذلك بأشكال غريبة، منفرة في معامل طباعة الأقمشة وغيرها التي تخضع لقانون مصانع خاص. وتنص أحكام هذا القانون على أنه:

“يجب على كل طفل قبل الانتساب إلى مؤسسة طباعة الخام أن يرتاد المدرسة 30 يوما على الأقل بما لا يقل عن 150 ساعة خلال الأشهر الستة السابقة مباشرة ليوم انتسابه. وفي أثناء عمله في مؤسسة طباعة الخام يجب عليه أيضا أن يرتاد المدرسة مدة 30 يوما أو 150 ساعة كل نصف سنة … ويجب ارتياد المدرسة بين الثامنة صباحا والسادسة مساء. والزيارة التي تستمر أقل من 1/2، 2 ساعة أو تتجاوز 5 ساعات في يوم واحد لا تحتسب في عداد هذه الساعات الى 150. وفي الظروف العادية يتردد الأطفال على المدرسة صباحا ومساء على مدى 30 يوما لخمس ساعات يوميا، وعند انقضاء الثلاثين يوما وبعد أن يقضوا 150 ساعة محددة وينتهوا من كتابهم، على حد تعبيرهم، يعودون من جديد إلى المعمل ويبقون فيه ستة أشهر أخرى إلى أن يحل الموعد الجديد لارتياد المدرسة، ليبقوا فيها مرة أخرى إلى أن ينتهوا من كتابهم من جديد… وإن كثرة من الأطفال الذين يزورون المدرسة في غضون ال 150 ساعة المقررة، يجب أن يبدأوا كل شيء من جديد عند العودة إليها عقب مكوثهم ستة أشهر في معمل طباعة الخام… وهم ينسون بطبيعة الحال كل ما تعلموه خلال زيارتهم السابقة للمدرسة. وفي مؤسسات أخرى لطباعة الخام تقع زيارة المدرسة في تبعية كاملة مع سير العمل في المصنع وحاجاته. فعدد الساعات المطلوب كل نصف سنة يتكون من المجموع العام لزيارات تترواح بين 3 – 5 ساعات، وقد يجري توزيع هذه الساعات على نصف السنة بكامله . فمثلا، تجري زيارة المدرسة في أحد الأيام من الساعة 8 حتى الساعة 11 صباحا، وفي يوم آخر من الساعة الواحدة حتى الرابعة بعد الظهر، وبعد أن يتغيب الطفل عدة أيام يأتي من جديد على حين غرة من الثالثة حتى السادسة مساء؛ وربما حضر من ثم على مدى 3 أو 4 أيام أو حتى أسبوع على التوالي، ويختفي من جديد بعد ذلك لثلاثة أسابيع أو لشهر كامل، ويعود لعدة ساعات في الأيام التي يصادف أن رب العمل لا يحتاجه خلالها؛ وعلى هذا النحو يتقاذفون (buffet) الطفل، كما يقال، من هنا إلى هناك، من المدرسة إلى المصنع ومن المصنع إلى المدرسة حتى يُتم الـ 150 ساعة” (22).
إن الآلات، إذ تزج جموع غفيرة من الأطفال والنساء في قوام العامل المركّب، تحطم أخيراً مقاومة العمال الذكور في المانيفاکتورة في مواجهة إستبداد رأس المال (23) .

________________

(1) خلال أزمة القطن التي رافقت الحرب الأهلية في أميركا أرسلت الحكومة الإنكليزية الدكتور إدوارد سميث إلى لانکشایر وتشيشاير ومناطق أخرى لدراسة الأوضاع الصحية لعمال صناعة القطن. ومما أفاده في تقريره من الناحية الصحية أنه كان للأزمة، عدا عن طرد العمال من أجواء المصنع، الكثير من الفوائد. فالنساء يجدن الآن وقت الفراغ الكافي من اجل إرضاع الأطفال من أثدائهن بدلا من تسميمهم بمزيج غودفري (مستحضر من الأفيون). ويتوافر لديهن الآن الوقت الكافي لتعلم الطهي. ولكنهن لسوء الحظ تعلمن فن الطهي هذا في وقت لم يعد لديهن فيه ما يطبخ. نرى من ذلك إلى أية درجة اغتصب رأس المال العمل الضروري لاستهلاك الأسرة من أجل نموه الذاتي. وكذلك استمرت الأزمة بهدف تعليم بنات العمال الخياطة في مدارس خاصة. وعليه تطلب الأمر ثورة أميركية وأزمة عالمية لكي تتعلم هاته الفتيات العاملات، اللواتي يغزلن للعالم بأسره، الخياطة!
(2) تعاظم النمو العددي للعمال بنتيجة تنامي الاستعاضة عن عمل الذكور بعمل الإناث، وبالأخص الاستعاضة عن عمل الراشدين بعمل الصغار. وإن ثلاث فتيات في الثالثة عشرة من العمر، باجور تتراوح بين 6 و8 شلنات في الأسبوع، جئن محل رجل راشد تتراوح أجوره بين 18 و45 شلنا. (ت. دي کوینسي، منطق الاقتصاد السياسي، حاشية ص 147).

وبما أنه لا يمكن الاستغناء تماما عن بعض الواجبات في الأسرة، كرعاية الأطفال وإرضاعهم، فإن الأمهات اللواتي يصادرهن رأس المال يلتمسن خدمات بديلة. والأعمال المنزلية لعيش الأسرة، كالخياطة والرتق والخ، تُعوض بشراء سلع جاهزة. ولذلك فإن تقلص ما يبذل من العمل المنزلي يقترن بازدياد المصاريف النقدية خارج المنزل. ولذا تزداد تكاليف إنتاج الأسرة العمالية فتلغي ما تحقق من ازدياد المداخيل. زد على ذلك أن من المستحيل الاقتصاد والتدبير في استخدام وسائل العيش وتحضيرها. ونجد مادة غنية عن هذه الوقائع، التي يخفيها الاقتصاد السياسي الرسمي، في تقارير مفتشي المصانع، وفي تقارير لجنة استقصاء شروط استخدام الأطفال، وعلى وجه الخصوص في تقارير الصحة العامة.
(3) على النقيض من ذلك الواقع العظيم وهو أن العمال الراشدين هم الذين انتزعوا من رأس المال تحديد عمل النساء وعمل الأطفال في المصانع الإنكليزية، نجد في التقارير الجديدة للجنة استقصاء شروط استخدام الأطفال أن العمال الآباء قد اكتسبوا خصالا مقرفة في المتاجرة بأولادهم وهي من شيم تجار الرقيق، ونجد الفريسيين الرأسماليين، كما نرى من هذه التقارير، ينددون بهذه البهيمية التي يخلقونها بأنفسهم ويخلدونها ويستغلونها والتي يعتمدونها في حالات اخرى باسم “حرية العمل”. “لقد دعي عمل الأطفال إلى المساعدة … كي يكسب الأطفال خبزهم، كفاف يومهم. ولكونهم لا يملكون القدرة على تحمل مثل هذا العمل المرهق ولكونهم لا يملكون الإعداد الضروري لتوجيه حياتهم في المستقبل فقد وجدوا أنفسهم في وضع مدنّس جسدياً وأخلاقياً. وقد أشار مؤرخ يهودي بصدد تهدیم تیتوس لأورشليم إلى أنه ليس ثمة ما يثير الدهشة في أنها تعرضت لمثل هذا الدمار الماحق إذ إن أمة غير إنسانية ضحت بوليدها لتخفيف عائلة الجوع”. (کالاريل، تركيز الاقتصاد العمومي، 1833، ص66).
(Carlisle, Public Economy Concentrated, 1833, p. 66).

(4) أ. ريدغريف في تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر، 1858، ص 41.
(5) لجنة استخدام الأطفال.Children ‘ s Employment Commission . 5th Report , London , 1866 , p.No ,81. 31 .   [الطبعة الرابعة. لقد تلاشت صناعة الحرير في بثنال غرين كلية على وجه التقريب. ف. إنجلز].

(6) لجنة استخدام الأطفال، التقرير الثالث، 1864، ص 53، رقم 15.

(7) المرجع نفسه، التقرير الخامس، قم 137.
(8) تقرير الصحة العامة السادس، لندن، 1864، ص 34.
(Sixth Report on Public Health, London, 1864, p. 34).
(*) في الطبعة الرابعة: اغتراباً طبيعياً. [ن. برلین].
(9) “فضلا عن ذلك فهو” (تحقيق عام 1861) …. “قد بين أن الأطفال الرضع يموتون في ظل هذه الظروف نتيجة الإهمال وسوء المعاملة، الناجم عن أشغال أمهاتهم… اللواتي يفقدن مشاعر الأمومة تجاه أطفالهن إلى درجة أن موتهم لا يحزنهن، ويبلغ الأمر أحيانا … حد اتخاذ تدابير للتسبب بهذا الموت” (المرجع نفسه).

(10) تقرير الصحة العامة السادس، لندن، 1864، ص 454.
(11) المرجع نفسه، ص 454-462، تقرير الدكتور هنري جوليان هنتر حول تعاظم وفيات الأطفال الرضع في بعض مناطق ريف إنكلترا.
(12) تقرير الصحة العامة السادس، لندن، 1864، ص 35-455-456.
(**) (Gangmeister)، أما في الأصل الإنكليزي للمقتبس فقد ورد تعبير (undertaker) أي متعهد أو مقاول. [ن. ع].
(13) المرجع السابق، ص 456.

(14) يتزايد تعاطي الأفيون بين العمال والعاملات من الراشدين سواء في المناطق الصناعية أو الزراعية في إنكلترا. “إن زيادة تصريف الأفيون… هي الهدف الرئيسي لبعض تجار الجملة النشيطين. ويعترف الصيادلة بان الأفيون هو السلعة الأكثر رواجاً (المرجع السابق، ص 459). وإن الأطفال الرضع الذين يتناولون الأفيون “يتغضّنون مثل شيوخ صغار او ينكمشون مثل القرود” (المرجع السابق، ص 460). ويرى المرء هنا كيف تنتقم الهند والصين من إنكلترا!.
(15) المرجع السابق، ص 37.
(16) تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر، 1862، ص 59. لقد كان مفتش المصانع هذا طبيباً في السابق.
(17) ليونارد هورنر في تقارير مفتشي المصانع، 30 نيسان/إبريل 1857، ص17.
(18) ليونارد هورنر في تقارير مفتشي الصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1855، ص18-19.
(19) السير جون کینکاید في تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1858، ص 31-32.

(20) ليونارد هورنر في تقارير مفتشي المصانع، 31 نيسان/ابريل، 1857، ص 17 و18. (21) السير جون كينكايد في تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1856، ص 66.
(22) أ. ريدغريف في تقارير مفتشي المصانع، 31 تشرين الأول/ أكتوبر 1857، ص 41- 43، في فروع الصناعة الإنكليزية التي تخضع منذ أمد بعيد لقانون المصانع (وليس للقانون المتعلق بمصانع طباعة الخام المذكور في النص) شهدت السنوات الأخيرة إزالة العراقيل القائمة أمام المواد الخاصة بالتعليم بدرجة معينة. أما الفروع الصناعية غير الخاضعة لقانون المصانع فإن الآراء التي عبر عنها صاحب معامل الزجاج ج. غيدز ما تزال واسعة الانتشار حتى الآن، وقد أبلغ عضو لجنة التحقيق وایت قائلا: “بحدود ما أرى، فإن التعليم المتزايد الذي اكتسبه قسم من الطبقة العاملة في السنوات الأخيرة هو الشر بعينه. وهو خطير لأنه يجعل العمال مستقلين”. (لجنة استخدام الأطفال، التقرير الرابع، لندن، 1865، ص 253).
(23) “أخبرني السيد إي (E)، وهو صاحب مصنع، أنه يستخدم النساء للعمل على أنوال النسيج الآلية عنده؛ وهو يفضل المتزوجات ولا سيما النساء المعيلات لأسرة، فهن أكثر انتباهاً وطاعة إلى حد كبير من الآنسات، وتضطر هاته النسوة إلى توفير الجهد حتى الحد الأقصى بغية الحصول على ضروريات العيش. وهكذا، فالفضائل – المميزة لأطباع النساء تنقلب وبالا عليهن، ويتحول الجانب الأخلاقي والحنان في طبيعتهن إلى وسيلة للاسترقاق ومصدر للعذاب”. (لائحة قانون الساعات العشر، خطاب اللورد آشلي، 15 آذار/ مارس 1844، ص 20).
(Ten Hours’ Factory Bill, The Speech of Lord Ashley, 15th March, 1844, London, p. 20).

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من الرابط أدناه:

رأس المال: الفصل الثالث عشر – (51)