الفصل السابع: انتفاضة أكتوبر و”الشرعية” السوفيتية

0
129

الجزء السابع من كتاب “دروس ثورة اكتوبر” لليون تروتسكي

في سبتمبر ويوم انعقاد المؤتمر الديمقراطي، كتب لينين يطالب بالقيام بالانتفاضة حالا::لكي ننظر إلى الانتفاضة كماركسيين، أي ننظر إليها كفن يجب علينا في نفس الوقت دون إضاعة لحظة واحدة، أن ننظم أركان عامة لكتائب الانتفاضة، ونوزع قوانا بحيث تحتل الفصائل المخلصة أهم النقاط، وتطوق مسرح الاكسندرا، وتحتل قلعة بيتر وبول وتعتقل الأركان العامة والحكومة، وتبعث إلى الطلبة -الضباط وإلى “الكتيبة المتوحشة” فرقا مستعدة للتضحية إلى آخر رجل من رجالها في سبيل أن لا تترك العدو يدخل إلى أجزاء المدينة الرئيسية. يجب علينا أن نحرك كتائب العمال المسلحة وندعوهم إلى المعركة المقدسة واحتلال البرق والهاتف المركزي في آن واحد. وهنالك نقيم أركاننا العامة ونربطها تليفونيا مع كل المصانع ومع كل الفرق ومع كل النقاط التي يجري فيها الصراع المسلح الخ… إن هذا كله ليس سوى شيء تقريبي، ولكنني هنا أريد البرهنة على أننا في الوقت الراهن لا يمكن أن نبقى مخلصين للماركسية وللثورة دون أن نعتبر الانتفاضة فنا”.

إن هذه الطريقة في مواجهة الأشياء تفترض إعدادا للانتفاضة والقيام لها بواسطة الحزب، وتحت قيادته ثم بعد ذلك يتوج الانتصار بموافقة مؤتمر مجالس السوفيات. ولكن اللجنة المركزية لم توافق على هذه الطريقة. كان من رأيها أن الانتفاضة يجب أن تأخذ مجراها في الطريق السوفيتي وتكون مربوطة بمؤتمر مجالس السوفيات. أن هذا الخلاف يتطلب إيضاحا خاصا لأنه لا يدخل بالطبع في نطاق الخلافات المبدئية وإنما له صبغة فنية محضة، ومع ذلك فإن له أهمية كبيرة في المجال التطبيقي.

سبق أن ذكرنا كيف قيم لينين فوات أوان الانتفاضة، ولعلمه بوجود ترددات في قمة الحزب، ولأن التحريض كان يربط ربطا صوريا بين الانتفاضة وبين انعقاد المؤتمر الثاني لمجالس السوفيات، ظهر له أن في ذلك تأخيرا لا يمكن قبوله وأنه مساومة مع الميوعة والمائعين وضياعا للوقت وهو جريمة حقيقية. ولذلك أخذ يتناول الفكرة ويدحضها أكثر من مرة ابتداء من آخر شتنبر، فكتب في 29 منه قائلا: “يوجد في اللجنة المركزية، ولدى بعض قادة الحزب، ميل، واتجاه، نحو انتظار مؤتمر مجالس السوفيات، وضد أخذ السلطة في الحال، ضد الانتفاض حالا، يجب مقاومة هذا الميل أو الاتجاه”.

ثم كتب في أول أكتوبر قائلا: “التأخر جريمة، وانتظار انعقاد مؤتمر مجالس السوفيات ليس سوى شكلية صبيانية عبثية بل خيانة للثورة”. أما وجهة نظره حول مؤتمر بطرسبورغ المحدد عقده يوم 8 أكتوبر، فيقول “يجب النضال ضد الأوهام الدستورية والآمال المنعقدة على مجالس السوفيات، يجب عدم الانصياع إلى النيات التي تريد انتظار هذا المؤتمر بالضبط”. ثم يضيف قائلا: “إن التاريخ لا يرحم تلكؤ الثوريين الذين في إمكانهم أن ينتصروا (ولا بد أن ينتصروا بالتأكيد) اليوم، ثم يخاطرون بذلك الانتصار بانتظار غد”.

تكتسي هذه الرسائل التي ضرب كل مقطع فيها على سندان الثورة، أهمية فائقة في معرفة طبيعة لينين وفي تقييمه لأهمية الوقت. فكل الروح التي تخيم على هذه الرسائل إدانة للموقف القدري الانتظاري الديمقراطي الاشتراكي المنشفي إزاء الثورة، لأن هذا الموقف يعتبرها كالفيلم الذي ليس له نهاية. وإذا كان الوقت بصورة عامة عاملا مهما في السياسة، فإن زمن الثورة والحرب أكثر أهمية من ذلك مائة مرة. وليس بصحيح أن ما يمكن فعله اليوم ممكن غدا. فاليوم يمكن أن تثور وتقلب العدو وتنتزع منه السلطة، أما غدا فربما يكون من غير الممكن، وربما يقع التساؤل: إن أخذ السلطة يعني تغير لمجرى التاريخ أيكون من الممكن أن يرتبط مصير حدث كهذا بمدى أربعة وعشرين ساعة ؟ الجواب نعم، بكل تأكيد، ذلك أن الأمر عندما يتعلق بالانتفاضة المسلحة فإن الأحداث لا تقاس بمعيار السياسة وإنما بمعيار الحرب. أن تترك بعض أسابيع تمضي أو بعض أيام وفي أحيان أخرى يوم يساوي في بعض الظروف إلغاء الثورة إلى الإستسلام. فبدون ضغط لينين ونقده وقلقه الثوري ما كان بإمكان الحزب – وهذا شيء حقيقي- أن يمشي في الخط الذي سار فيه في اللحظة الحاسمة، إذ كانت المقاومة في الأوساط القيادية العليا قوية جدا. ففي الحرب الأهلية كما في الحرب بشكل عام، تلعب الأركان العامة دورا هاما.

من الواضح أن إعداد الإنتفاضة تحت ستار التحضير للمؤتمر الثاني لمجالس السوفيات، وفي ظل شعار الدفاع عنه قدم لنا خدمات جليلة.كما أننا رفضنا نحن مجلس سوفيات بطرسبورغ أوامر كرنسكي القاضية بإرسال ثلثي الحامية إلى الجبهة جعلنا نصبح عمليا في حالة عصيان مسلح. إلاّ أن لينين الذي كان خارج بطرسبورغ لم يقدر هذا الأمر حق قدره، وحسب ما أذكر لم يتكلم عنه في رسائله، ومع ذلك فإن مصير إنتفاضة 25 أكتوبر تقرر ثلاث أرباعها على الأقلية عندما رفض إرسال حامية بطرسبورغ وشكلنا اللجنة العسكرية الثورية (7 أكتوبر) وعينا مفوضين في كل الوحدات والمؤسسات العسكرية، فعزلنا بذلك تماما ليس فقط الأركان العامة لمنطقة بطرسبورغ العسكرية، وإنما أيضا الحكومة. وبالإجمال فقد أصبحنا أمام انتفاضة مسلحة (إلاّ أنها من غير دم) لكتائب بطرسبورغ ضد الحكومة المؤقتة بقيادة اللجنة العسكرية الثورية وتحت شعار الإعداد للدفاع عن المؤتمر الثاني لمجالس السوفيات الذي يجب أن تحل مشكلة السلطة. وإذا كان لينين قد نصح ببدء الانتفاضة في موسكو، حيث كان يعتقد أنها مضمونة النجاح هناك دون إراقة دماء، فلأن بعده جعله لا يستطيع أن يقدر التحول الجذري الذي حصل، ليس فقط في الوضع التنظيمي، إذ أن كل السلم العسكري بعد الثورة “السلمية” لامية العاصمة قد تغير في حوالي منتصف أكتوبر. فمنذ ذلك الوقت، وبأوامر من اللجنة العسكرية الثورية أصبحت الكتائب ترفض الخروج من المدينة. وبذلك أصبح لدينا في العاصمة انتفاضة منتصرة شبه مقنعة (بواسطة الأسمال الأخيرة للديمقراطية البرجوازية). ولم تكن انتفاضة 25 أكتوبر سوى عمل تكميلي ولذلك كانت غير موجعة، وعلى عكس ذلك سارت الأمور في موسكو، فبينما كانت سلطة مجلس مفوضي الشعب قد أقامت أعمالها في بطرسبورغ، طال الصراع في موسكو وكان أكثر دموية. ومن البديهي أن الإنتفاضة لو بدأت في موسكو قبل بطرسبورغ لأخذت وقتا أكثر وكان نجاحها موضع شك، بالإضافة إلى أي فشل تمنى به في موسكو كان يعكس آثارا خطيرة على بطرسبورغ، ومع ذلك فإنه من المؤكد أنه حتى في ظل مخطط لينين كان النجاح ممكنا ولكن الطريقة الذي سارت فيه الحوادث كان أكثر اقتصادا وفائدة وأعطى نصرا أكثر اكتمالا.

لقد كان بإمكاننا أن نقرن إلى حد ما تسلم السلطة مع انعقاد المؤتمر الثاني لمجالس السوفيات لسبب وحيد هو أن الإنتفاضة المسلحة وشبه “الشرعية” – على الأقل في بطرسبورغ- كان ثلاثة أرباعها، إن لم نقل تسعة أعشارها، قد أصبح شيئا واقعا وشرعيا بالنظر إلى أن ازدواجية السلطة كانت في تلك الظروف أمرا “عاديا”، إذ حدث أكثر من مرة أن راقب مجلس سوفيات بطرسبورغ أعمال الحكومة وعدل من قراراتها حتى على عهد التوفيقيين. ولما أصبح لنا نحن البلاشفة الأغلبية فيه زدنا استمرارية تلك الازدواجية وعمقناها. وأخذنا على عاتقنا مراقبة ومراجعة الأمر الصادر في الحكومة المؤقتة والقاضي بإرسال الحامية إلى الجبهة، وبذلك غطينا – استنادا إلى تقاليد وأساليب ازدواجية السلطة- تمرد حامية بطرسبورغ. وأكثر من ذلك، فإننا حين جعلنا في تحريضنا بين قضية السلطة وقضية انعقاد المؤتمر الثاني لمجالس السوفيات، كنا ننمي ونعمق تقاليد الازدواجية تلك، ونحضر الإطار السوفياتي للانتفاضة في جميع أنحاء روسيا.

وتبنينا شعار النضال من أجل المؤتمر الثاني لمجلس السوفيات لم نكن نمني الجماهير بأوهام دستورية وإنما كنا نكسب ونجمع إلى جانب قضيتنا قوى الجيش الثوري، ونجحنا في نفس الوقت أكثر مما كنا نأمل في جر أعدائنا التوفيقيين إلى فخ الشرعية السوفياتية. صحيح أن المراوغة في السياسة دائما ذات عواقب خطيرة، وخاصة، زمن الثورة، إذ من الصعب خداع العدو، بالإضافة إلى أن ذلك قد يؤدي إلى خطر توجيه الجماهير التي تتبعك نحو وجهة خاطئة، إلاّ أو “مراوغتنا” نجحت تماما لأنها ليست اختراعا مصطنعا من خبير استراتيجي ذكي يريد إنهاء الحرب الأهلية، وإنما لأنها آتية طبيعية من تحلل النظام التوفيقي ومن تناقضاته الفاضحة. كانت الحكومة المؤقتة تريد التخلص من الحامية، والجنود يرفضون الذهاب إلى الجبهة، فأعطينا نحن لهذا الشعور الطبيعي تعبيرا سياسيا، وهدفا ثوريا، وغطاء “شرعيا” وبهذا ضمنا الاجتماع داخل الحامية، وربطناها ربطا متينا لعمال بطرسبورغ، في حين كان أعداؤنا على العكس من ذلك. ففي وضعهم اليائس والمضطرب كانوا يميلون إلى التمسك بالشرعية السوفياتية كثمن ناجز. ولما كانوا يريدون الوقوع في الخطأ مكناهم منه.

فجرى بيننا وبينهم صراع من أجل الشرعية السوفياتية، وقد كانت مواقف الطبقات والفئات المختلفة من مجالس السوفيات كما يلي: البرجوازية لا تزال متشبثة بروما الإمبراطورية. الجماهير ترى في مجالس السوفيات مصدر السلطة، إذ منها تخرج كيرينسكي وتسيريتللي وكوبيليف. ونحن ارتبطنا بها ارتباطا حميما بطرحنا شعار كل السلطة للسوفيات. أما التوفيقيون فكانوا على عكسنا إلاّ أنهم يريدون إضعاف دورها إلى النهاية. ولكن لأنهم لا يستطيعون قطع صلتهم بها لجأوا إلى إقامة جسر بينها وبين البرلمانية فدعوا إلى المؤتمر الديمقراطي، وخلقوا البرلمان المؤقت الذي شاركت فيه مجالس السوفيات. وكانوا بذلك يريدون القبض على الثورة من خلال طعم لتقنيتها في مجرى البرلمانية البرجوازية.

إلاّ أننا نحن أيضا كانت لنا مصلحة في استعمال تلك الشرعية. واستطعنا في نهاية المؤتمر الديمقراطي أن ننتزع منه الموافقة على دعوة المؤتمر الثاني لمجالس السوفيات فأوقعهم ذلك في بلبلة كبرى. إذ أنهم من جهة يستطيعون معارضة دعوته دون أن يقطعوا الحبل الذي يشدهم إلى الشرعية السوفياتية. ومن جهة أخرى لا ينتظرون من هذا المؤتمر بطبيعة تركيبه أي خير. وقد زاد في بلبلتهم تلك دعايتنا الملحاحة لهذا المؤتمر، ومناشدتنا إلى مساندته وحمايته ضد هجمات الثورة المضادة. وهكذا فإذا كانوا قد أمسكوا بنا من خلال الشرعية السوفياتية عن طريق البرلمان المؤقت المنبثق من مجالس السوفيات فإننا بدورنا قبضنا عليهم من خلال تلك الشرعية نفسها عن طريق المؤتمر الثاني لمجالس السوفيات. أن ننظم انتفاضة مسلحة تحت شعار أخذ السلطة من قبل الحزب فهذا شيء وأن نعد ثم نحقق انتفاضة تحت شعار الدعوة لضرورة الدفاع عن حق مؤتمر مجلس السوفيات فهذا شيء آخر.

ونحن إذا ربطنا زمنيا بين أخذ السلطة والمؤتمر الثاني لمجالس السوفيات فإنه لم يكن لدينا أي أمل ساذج بأن هذا المؤتمر سيستطيع بنفسه حل قضية السلطة. فقد كنا بعيدين تماما عن مثل هذه العبادة للشكل السوفياتي. فنحن وجهنا نشاطنا للعمل الضروري في الميادين السياسية والتنظيمية والعسكرية للاستيلاء على السلطة. ولم تكن إشارتنا إلى أن المؤتمر المقبل هو الذي سيقرر قضية السلطة سوى غطاء شرعي لعملنا.

فكنا ونحن نهاجم على طول الخط، نبدو وكأننا ندافع. في حين كانت الحكومة المؤقتة لو أرادت الدفاع عن نفسها جديا لوجب عليها أن تحظر عقد مؤتمر مجالس السوفيات. ولكن قيامها بمثل هذا العمل يعطي مرة أخرى لخصومها مبررا أقوى للانتفاض، بل أكثر من ذلك فنحن لم نضع الحكومة المؤقتة في موقف سياسي محرج فقط وإنما أيضا حذرناها.

لقد كان أعضاء الحكومة يعتقدون جديا، بأن ما نريده إنما هو البرلمانية السوفياتية، وأن ما نريده من مؤتمر مجالس السوفيات هو قرارات حول السلطة كتلك القرارات التي اتخذها كل من مجلسي سوفيات بطرسبورغ وموسكو في الماضي. وبعد ذلك تحيلها الحكومة إلى البرلمان المؤقت ثم إلى الجمعية التأسيسية المقبلة، وتقدم لنا انحناءة حبية ثم تضعنا في موقف مضحك. ذلك هو تفكير البرجوازيين الصغار الأكثر معقولية. ولدينا على ذلك دليل لا جدال فيه في شهادة كرنسكي.

ففي مذكراته يحكي عن مناقشة وقعت بينه وبين دان Dan ليلة 24-25 أكتوبر حول موضوع الانتفاضة التي كانت تسير على أشدها. يقول: “صرح لي دان أول ما صرح بأنه أكثر اطلاع مني وأني أبالغ في الحوادث تحت تأثير اتصالات الأركان العامة الرجعية بي. ثم أكد لي بأن قرار أغلبية السوفيات، الذي لن يكون مستحبا “بالنسبة لذات الحكومة” سوف يساهم دون جدال في أحداث تحول في أذهان الجماهير لصالح الحكومة. وأن مفعوله منذ الآن يمكن الإحساس به، وأن تأثير الدعاية البلشفية سوف “ينزل بسرعة”.

“ومن جهة أخرى – حسب رأيه- فإن البلاشفة في محادثاتهم مع الأغلبية السوفياتية أعلنوا أنهم مستعدون “لأن يكونوا تحت إرادة أغلبية السوفيات” ومستعدون لأن يأخذوا “ابتداء من غد كل الإجراءات الكفيلة بخنق الانتفاضة “التي انفجرت عكس رغبتهم وبدون قرار منه”. ثم أضاف دان بأن البلاشفة “ابتداء من غد” (غدا إلى الأبد‍‍ !) سوف يصرفون أركانهم العامة العسكرية. ويستنتج من ذلك أن كل الإجراءات التي اتخذتها الانتفاضة لن يكون لها مردود سوى “دفع الجماهير إلى اليأس” وأنني “بخلقي” هذا لا أفعل سوى “منع ممثلي الأغلبية السوفياتية من النجاح في محادثاتهم مع البلاشفة للقضاء على الإنتفاضة”.

“وفي هذا الوقت الذي كان يجري فيه معي دان هذه المكالمة كانت الفرقة المسلحة للحرس الأحمر تحتل المباني الحكومية واحدة اثر الأخرى. وبعد قليل من مغادرة دان ورفاقه قصر الشتاء، وقع إيقاف وزير الديانات كارتشيف Cartachev فوق المليونايا واقتيد يدا وسمونللي حيث رجع دان ليواصل محادثاته مع البلاشفة. يجب أن نعترف بأن البلاشفة كانوا في ذلك الحين يعملون بطاقة كبيرة وبمهارة تامة. ففي حين كانت الانتفاضة على أشدها في المدينة و”الحرس الأحمر” يقوم بالعمليات في جميع أنحاء المدينة كان بعض الزعماء البلاشفة المعينين خصوصا لهذه المهمة يجهدون أنفسهم بنجاح في المساومة مع ممثلي “الديمقراطية الثورية”. وقضى هؤلاء المخادعون الليلة كلها يناقشون بدون نهاية الصيغ التي يجب – حسب قولهم- أن تتخذ كقاعدة للمصالحة وتجميد الانتفاضة. وبواسطة هذا الأسلوب من “المحادثات” كسب البلاشفة وقتا ثمينا جدا بالنسبة لهم وبقيت القوات المقاتلة التابعة للاشتراكيين الثوريين والمناشفة بلا تحرك في الوقت المناسب وهذا ما يجب إيضاحه !” (أ. كرنسكي من بعيد).

إن ما يجب إيضاحه حقا، هو أن التوفيقيين – كما رأينا- تركوا أنفسهم يقعون تماما في فخ الشرعية السوفياتية. أما ما يقوله كرنسكي من أن بعض البلاشفة كانوا معينين لمهمة إيقاع المناشفة والاشتراكيين الثوريين في وهم التجميد المقبل للانتفاضة، فهو غير صحيح. ذلك أن البلاشفة الذين اشتركوا في المحادثات كانوا يريدون فعلا تجميد الانتفاضة وتكوين حكومة اشتراكية تستند إلى اتفاق بين الأحزاب. هذه المحادثات أدت موضوعيا بعض الخدمة للانتفاضة بتغذية أوهام العدو بأوهام أولئك البلاشفة، وما كان لها أن تؤدي هذه الخدمة لولا أن الحزب رغما عن نصائحهم وإنذاراتهم قاد وأكمل الانتفاضة بطاقة لا تمل.

إن نجاح هذه المناورة العريضة التي استعملت كغطاء كان يستلزم توفر ظروف استثنائية عديدة، منها الكبير ومنها الصغير. ولكن الذي يجب توفره قبل كل شيء هو وجود جيش لا يريد القتال، ذلك أن تطور الثورة وخاصة في الفترة الأولى بما فيه فبراير وأكتوبر كان يأخذ وجها آخر لو أنه لم يكن لدينا زمن الثورة جيش فلاحي، منهزم ومتذمر، يتكون من ملايين عديدة من البشر. إن توفر تلك الظروف وحده هو الذي أعطانا مع حامية بطرسبورغ الإمكانية الناجعة لتحقيق التجربة التي قضت مسبقا بانتصار أكتوبر. وليس هناك مجال لتعميم التجربة التي وقع فيها الجمع بين انتفاضة هادئة تكاد تكون غير منظورة وبين الدفاع عن الشرعية السوفياتية ضد الكورنيلوفيس وصياغتها في قانون عام. بل على العكس من ذلك يمكن التأكيد بأن هذه التجربة لا يمكن تكرارها في أي مكان بهذه الصورة. إلاّ أنه من الضروري دراستها باهتمام لأن دراستها توسع في أفق كل ثوري وتكشف له اختلاف الأساليب والوسائل المتغيرة التي يقع تطبيقها في النشاط العملي. ولكن بشرط أن يتم تحديد هدف واضح، وتقييم صاف للوضعية، وتتوفر الإرادة للقيام بالنضال حتى النهاية.

أما في موسكو فإن الانتفاضة تمت جملة واحدة مما جعلها تمتد وقتا طويلا وتتسبب في سقوط عدد من الضحايا. وسبب ذلك أن الحامية هنالك لم تتلق إعدادا ثوريا كالذي حصل لحامية بطرسبورغ (أرسلت أفواج إلى الجبهة)، بالإضافة إلى نقص الحزم عند القيادة. فقد حدث مرات عديدة أن توقفت العمليات الحربية بهدف إجراء مفاوضات لتستأنف. وإذا كان تردد القيادة إلى الحد الذي يشعر به الجنود، على العموم مضرا في السياسة، فإنه يصبح خطرا قاتلا في الإنتفاضة. إذ أن الطبقة الحاكمة في هذا الوقت رغم كونها تكون قد فقدت ثقتها بنفسها، إلاّ أنه لا يزال بيدها جهاز الحكم، وإذا كان للطبقة الثائرة مهمة الاستيلاء على جهاز الدولة فإنه يتحتم عليها بأن يكون لها ثقة في قواتها الذاتية. وما دام الحزب قد جر الشغالين إلى طريق الانتفاضة فيجب عليه أن يستخلص كل النتائج المترتبة على ذلك. ففي الحرب لا يمكن تحمل الترددات. كما أن الإبطاء والمواربة رغم كونهما يرجعان جزئيا إلى فقدان القياديين الثقة بأنفسهم، خلال ساعات فقط إلاّ أنهما يسلبان المنتقضين جزءا من ثباتهم، في حين أن تلك الثقة وذلك الثبات هما اللذان يقرران نسبة القوى، وبالتالي تتجه الانتفاضة. فمن هذه الزاوية يجب دراسة العمليات العسكرية في موسكو خطوة في حال اقترانها بالقيادة السياسية.

وسوف يكون من المهم جدا الإشارة إلى بعض النقاط التي تجري فيها الحرب الأهلية في ظروف خاصة (عندما تختلط بالعامل القومي)، إن دراسة من هذا القبيل تمكننا من إغناء معرفتنا بآلية الحرب الأهلية(1). كانت الحرب الأهلية في الأقاليم تقررها دائما نتيجتها في بطرسبورغ رغم كونها كانت تأخذ مدى طويلا في موسكو. لأن ثورة فبراير أضرت اضرارا بالغا بجهاز الدولة القديم. والحكومة المؤقتة التي ورثت هذا الجهاز كانت عاجزة عن تجديده أو تقويته، فكان يسير في أثناء فترة فبراير-أكتوبر بقوة الروتين البيروقراطي فقط. وإذا اعتادت الأقاليم أن تنضم إلى بطرسبورغ: كما فعلت ذلك فبراير فقد جددنه في أكتوبر. والامتياز الكبير الذي كان لدينا هو أننا كنا نعد لقلب نظام لم يكن له بعض الوقت ليأخذ شكله النهائي. كما أن عم استقرار جهاز الدولة إلى حد بعيد، وفقدانه ثقته بنفسه سهل لنا بحد ذاته عملنا في الإبقاء على ثبات الجماهير الثورية وثبات الحزب نفسه.

وقد حدث في ألمانيا والنمسا وضع مشابه في 9 نوفمبر 1918. إلا أن الاشتراكية الديمقراطية قامت بسد ثغرات جهاز الدولة، وساعدت على إبقاء النظام البرجوازي الجمهوري، ورغم أن هذا النظام لا يمكن القول أنه نموذج للاستقرار، إلاّ أنه مع ذلك له من العمر الآن ست سنوات. أمّا في البلدان الرأسمالية الأخرى فلم تكن لها مزية التقارب الزمني بين الثورة البرجوازية والثورة البروليتارية إذ أنجزت ثورتها البرجوازية، بالتأكيد، لا يزال في إنكلترا بعض البقايا الإقطاعية إلاّ أنه لا يمكن الكلام عن ثورة برجوازية مستقلة. وبمجرد أن تأخذ البروليتاريا الإنكليزية الحكم سوف تسدد ضربة أولى إلى الملكية لتنظف البلاد منها ومن اللوردات. إن الثورة البروليتارية في الغرب لها مصلحة في وجود دولة برجوازية استكملت شكلها. إلاّ أن ذلك لا يعني أن لها مصلحة في دولة مستقرة. إذ أن إمكانية الثورة تتطلب انحلالا كافيا للدولة الرأسمالية. وإذا كانت ثورة أكتوبر عندنا نضالا ضد جهاز الدولة لم يكن له الوقت الكافي ليأخذ شكله النهائي بعد فبراير فإن الانتفاضة في البلدان الأخرى سيكون أمامها جهاز دولة في حالة تفسخ تدريجي.

وكما أشرنا في المؤتمر الرابع للأممية الشيوعية، فإن القاعدة العامة هي أن نتوقع مقاومة أكبر من البرجوازية في البلدان الرأسمالية القديمة مما حدث عندنا. وسيكون من الصعب على البروليتاريا أن تنتصر في هذه البلدان، ولكنها إذا انتصرت واستولت على السلطة فستتمكن من الوصول إلى وضع أشد وأكثر استقرارا مما كان عندنا بعد أكتوبر. فعندنا لم تكبر الحرب الأهلية إلاّ بعد استيلاء البروليتاريا على السلطة في أهم المراكز المدنية والصناعية. ولم تستغرق السنوات الثلاث الأولى من عمر السلطة السوفياتية إلاّ بعد ذلك الحين. هناك عدة أسباب تدعو إلى الانعقاد بأن البروليتاريا في أوروبا الوسطى والغربية سيكون من الأشق عليها الاستيلاء على السلطة، إلاّ أنها في مقابل ذلك ستكون مطلقة اليدين بعد أخذها أكثر مما كنا نحن. وبالطبع فإن هذه التصورات للظروف مشروطة بعدة أمور، لأن نتيجة الحوادث راجعة لحد بعيد إلى الترتيب الذي ستحدث فيه الثورة في مختلف البلدان الأوروبية، وإلى إمكانية التدخل العسكري، ومدى القوة الاقتصادية والعسكرية للاتحاد السوفياتي في ذلك الوقت. وعلى أية حال فإن الشيء المحتمل هو أن يصادف استيلاء البروليتاريا في أمريكا وأوروبا على السلطة مقاومة أكثر جدية واحتداما وتنظيما من قبل الطبقات الحاكمة مما كان عندنا، ولذلك يجب علينا أن نعتبر الانتفاضة المسلحة والحرب الأهلية فنا..