النبي المسلّح: الفصل الثالث – على عتبة التاريخ جـ 6 (26)

0
138

هذا وقد وضع قادة الأقلية – المناشفة – تهديدهم بمقاطعة اللجنة المركزية والايسكرا موضع التنفيذ، كما أن تروتسكي أوقف هو الآخر كل تعاون من جانبه. واجتمع المناشفة في جنيف في ايلول / سبتمبر عام 1903 ليضبطوا الخطوط العريضة لعملهم لاحقا: إلى أي حد عليهم أن يصلوا بالمقاطعة؟ هل عليهم المخاطرة بأن يتخذ قرار طرد بحقهم، وفي تلك الحالة، هل يشكلون حزبا منافسا؟ أو هل عليهم، على العكس، أن يرتبوا الأمور بحيث يبقون في الحزب ويحاولون استبعاد لينين في المؤتمر اللاحق؟ ولقد كانت الآراء منقسمة. فبالرغم من عنف هجمات تروتسكي العلنية على لينين، كان يدعو إلى الاعتدال؛ كان هدف المقاطعة، حسبما قال، الضغط على لينين وبليخانوف لإرجاع القدامى إلى مراكزهم الأساسية وإعادة الوحدة. وتبنى الاجتماع قراراً حرّر مسودته كل من مارتوف وتروتسکی. وكان الجزء من الإعلان الذي حرّره تروتسكي يؤكد ما يلي: «نعتبر أن واجبنا الأخلاقي والسياسي … ( يفرض علينا ) خوض المعركة بكل الوسائل، دون وضع أنفسنا خارج الحزب ومن دون النيل من الحزب أو من فكرة تغيير في بنية الفريق القيادي ليتاح للحزب العمل بحرية من أجل نجاحه» (1). ومع أن المناشفة تخلوا عن فكرة انشقاق نهائي، فقد شكلوا لجنة «ظل» مركزية كانت مهمتها خوض حملة ضد اللجنة اللينينية وضد الايسكرا، لجنة معدّة، في حال القطيعة النهائية، لقيادة الحزب الجديد.. تلك اللجنة، أو «المكتب» – تشكلت من اکسلرود ومارتوف وتروتسكي ودان وبوتریسوف. هؤلاء الرجال – ما عدا تروتسكي – قادوا الجناح المنشفي حتى النهاية.

لم يحتج المناشفة، في الواقع، للاضطلاع بالدور البشع المتمثل بتفجير الحزب. فالمقاطعة التي نادوا بها بالكثير من الضجيج لم تتأخر في إحداث نتائجها. فبليخانوف الذي وقف في البدء بحزم شديد إلى جانب لينين كان منشغلا بتهدئة المعارضة وانتزاع أي مبرر للشكوى لديها. حاول إقناع لينين بإعادة فريق الايسكرا القديم، إلا أن لينين بقي على حزمه وتماسكه، وأعلمه بأنه لا يستطيع الخضوع لضغط بعض المجموعات غير الرسمية من المهاجرين والعودة عن قرار اتخذه مؤتمر قومي (2). ومن وجهة نظر الأصول التي يتمسك بها عادة حزب من الأحزاب، كانت حجة لينين غير قابلة للدحض. إلا أن بليخانوف كان في وضع يسمح له بألا يأخذها بالحسبان، فقد كان رئيس مجلس الحزب وكان في الوقت ذاته الرجل الأكثر نفوذا داخل فريق الايسكرا القيادي الذي اقتصر عليه وعلى لينين بعد استقالة مارتوف. قرر بليخانوف دعوة اکسلرود وزاسولیتش ومارتوف وبوتریسوف للانضمام لهيئة التحرير، فقدم لينين استقالته. فوضع المناشفة يدهم على الايسكرا التي كانت لا تزال تتمتع بنفوذ عظيم. وقد تساءل أنصار لينين ذاتهم إذا لم يكن ذهب بعيدة جدا وإذا لم يكن أكثر حكمة وتعقلا السعي لوصل ما انقطع مع خصومهم. كان لينين مهزوماً ومعزولا، لكن مقتنعاً أكثر من أي وقت مضى بصحة موقفه وعازما على الدفاع عنه.

وعاد تروتسكي الى الايسكرا مع المناشفة وسط استياء بليخانوف الشديد. لكن لما كان فعل كل ما في وسعه لعودة القدامى المظفرة، لم يكن بليخانوف قادراً على إغلاق الباب في وجه المدافع عنهم الأكثر اخلاصاً، والحاظي بحمايتهم، فاكتفى في البدء بالضغط على مارتوف الذي كان آنذاك رئيسا للتحرير ليبقي تروتسكي في مركز دون المركز الذي كان يشغله في الايسكرا القديمة، أو دون المركز الذي كان مارتوف ينوي إعطاءه إياه. وهكذا لم تطلب من تروتسكي إلا تعليقات على موضوعات غير مهمة تقريبا، لا سيما حين انتقد قراء من روسيا اللهجة العدائية التي اتخذتها محاجته ضد لينين (3). ومع أن بليخانوف هاجم لينين بحدة في تلك الفترة، إلا أنه لم يكن يود دعم تلك اللهجة لدى تروتسكي. وقد طلب في الأخير وقف نشر مقالات تروتسكي في الايسکرا. حتى أنه هدد بالاستقالة من الجريدة إذا لم تتم الإستجابة لطلبه. قال أنه «ينفر أخلاقياً» من رئاسة تحرير جريدة يكتب فيها تروتسكي.

أما حجة ذاك «الانذار» فكانت مقالا لتروتسكي حول الحرب الروسية – اليابانية التي اندلعت قبل قليل. وكان المقال الذي نشرته الايسكرا في أواسط آذار / مارس ۱۹۰۹ مرتبك الأسلوب، مشوش الفكرة. ولم تكن انتقادات بليخانوف غير مبرّرة كلياً، إلا أن المقال كان يتضمن بعض الأفكار المهمة أيضاً. فجزء كبير منه كان مخصص لفضح الليبرالية الروسية «الغامضة والحائرة والهزيلة والميالة إلى الخيانة». هذا الموقف من جانب الطبقات الوسطى كان يضر بقضية الديمقراطية، إلا أنه كان له، بالمقابل، أثر تعويضي: فليس في وسع الليبرالية أن تقود الثورة؛ وموقفها كانت تسرع «تقرير البروليتاريا مصيرها بحرية». إلا أن المقال كان يشكل بمجموعه نقداً للحزب لا يتفق مع شتائم تروتسکی ضد الليبراليين. كان يهاجم «أغلبية لجان الحزب»، وينتقد دعاوتها السيئة حين كانت تعلن أن الحرب ضد اليابان شنت لمصلحة البورجوازية الروسية وبدعم منها. لقد أكّد تروتسكي خطأ ذلك الإتّهام، معتبراً أن القيصر يخوض الحرب لمصلحة الأوتوقراطية (*) بوجه الحصر – فالبورجوازيون الليبراليون كانت لديهم “استعدادات مناهضة للوطنية”. واعترض على “الكلام المعاد الماركسي المزيف”، الذي كان يقال داخل الحزب: «أصبح مقياس المصلحة الطبقية الحيوي كلام معادا فارغا يفرغه من جوهره … كان يتحول إلى سرير بروکوست (**) للمشكلات التي لم تعد تحلل بل يجري التملص منها … من أجل إضعاف البروليتاريا». كان يتم توجيه الانتقاد إلى البلاشفة بوجه خاص، لكن ليس إليهم وحدهم (4).

وضع “إنذار” بليخانوف الفريق المنشفي في الايسكرا في حالة إرباك . فلقد أيّدوا جميعهم المقال المشكو منه، وكانوا ينفرون من الاستغناء عن خدمات تروتسکی، فقد كان أحد الناطقين الرئيسيين بلسانهم وعضوا في لجنة الظل المركزية. إلا أنهم لم يستعيدوا الايسكرا إلا بفضل بليخانوف بالذات، وهو كان علاوة على ذلك رئيسا للمجلس، وكانوا يدينون له بنفوذهم الراجح، كما لم يفتأ يذكرهم بهذا الواقع. وقد بدأوا برفض شروطه، وكانوا ينتقدون «سلوكه غير المشرف»، و«ابتزازه» و«ضغائنه الشخصية». إلا أن تروتسكي قدم استقالته وعبر عن رغبته في العودة إلى العمل السري داخل روسيا، فأقنعه مارتوف وسائر المناشفة بنسيان الإهانة ومواصلة تعاونه مع الايسكرا. بيد أن بليخانوف، الذي جعل من هذه القضية قضية هيبة، لم يكن في وسعه التراجع، فوضع تهديده بالاستقالة موضع التنفيذ. وفي الأخير، وبعد أن خشي المناشفة من خسارة أقوى حليف لهم، ذلك الذي سمح لهم بانزال الهزيمة بلينين، لم يجدوا بدّاً من الخضوع لإرادة بليخانوف، وهكذا اختفى اسم تروتسكي من الايسكر (5).

بهذه الطريقة بدأت القطيعة بين تروتسكي والمناشفة. ومع أنه عرض هو ذاته الاستقالة تلافيا لإزعاج أصدقائه، إلا أن المساومة مع بليخانوف أثارت امتعاضه، غادر جنيف مستاء واختفى بضعة أشهر، فلم يعد يظهر في الحلقات المنشفية. كان الحقد الشخصي يتداخل مع نشوء تباينات سياسية. فلما كان المناشفة يحاولون إضفاء العقلانية على أسباب صراعهم مع البلاشفة، شرعوا يبتعدون عن الأفكار التي دافعوا عنها قبل الانشقاق. كانت وجهات نظرهم تتبدل بصدد المسائل التنظيمية كما بصدد المنظورات السياسية. فراسولیتش تحلم جهارا بتحالف بين الاشتراكية وليبرالية الطبقات الوسطى. وكان تيودور دان، الذي راح نفوذه يزداد، يطالب بذلك التحالف علناً. وكان دان وتروتسكي يتعارضان بالفطرة، حتى حين كانا قائدين للعصبة ذاتها. فدان كان من حيث المزاج بليداً ومبتذلاً بقدر ما كان تروتسكي لامع ومندفعاً. كان في وسع الأول أن ينجح كلياً في مناخ مساومة سياسية، كما أثبت ذلك الدور الذي لعبه عام ۱۹۱۷ في ظل نظام کیرنسكي، أما الآخر فكان مجبولا على الثورة. شرع المناشفة يسعون بصعوبة وراء صيغ أكثر اعتدالا وأخذ نفوذ دان يزداد لديهم فيها يتناقص تأثير تروتسكي. وفيما كان مارتوف ذاته يعد العدة للمستقبل لاحظ سعي أنصاره وراء موقف معتدل، إلا أن السيرورة التي أطلقها تخطّته. ولم تترك الردة حيال روح الايسكرا القديمة تروتسكي في حال من اللامبالاة. والحقيقة أنه لم يكن يمكن للأمور أن تأخذ مسار آخر، ذلك أن لينين، الذي وضع نفسه في مواجهته، كان يجسد تلك الروح. غدا تروتسكي يعتقد أن الايسكرا القديمة كانت لديها ميول تآمرية، تماما كالنارودنيين، وأنها كانت تظلم الاقتصاديين وأخطأت في الدفاع عن أولوية التنظيم على الحركة العمالية العفوية. كانت تلك هي الاستنتاجات التي توصل إليها معظم المناشفة حين كانوا يتفحصون الماضي القريب، وكان تروتسكي يواكبهم حتى ذلك الحين (6)، إلا أنه حان الوقت الذي غضب فيه وكان محقا في غضبه: حين حاولوا، للمرة الأولى، أن يقيموا جسر بين الاشتراكية والليبرالية. وقد تمسك بالموقف المناهض لليبرالية الذي انتصر على الدوام في الايسكرا القديمة. هكذا بدأ يفهم خلال نقاشات طويلة مع المناشفة إلى أي حد كان بعيدا عنهم، مما يخص تلك المشكلة الجوهرية، وقريبا من لينين.

إلا أنه قبل أن يقطع علاقته بالمناشفة، هاجم لينين مرة أخرى، موجها إليه سلسلة من الشتائم الجارحة جعلت أي مصالحة شبه مستحيلة. ترك تروتسكي الايسكرا في نيسان / أبريل 1904، وفي آب / أغسطس ظهرت في جنيف مقالته النقدية: مهامنا السياسة، التي أهداها إلى: «معلمي العزيزي، بول. ب. اکسلرود». وتكمن الأهمية السيَرية والتاريخية الخاصة بهذه المقالة في كونها قرار الإتهام الأكثر فظاظة الذي حدث أن كتبه اشتراکی ضد لينين. كما تكمن أيضا في التيار الفكري الذي كان يعبر عنه وفي الحدوس intuitions السياسية الخاطفة المنشورة في أكثر من مئة صفحة مضغوطة، محشوة بانتقادات حادة.

«في اللحظة التي كان يطرح علينا فيها التاريخ المهمة الكبيرة، مهمة قطع عقدة الرجعية في العالم، بدأ الاشتراكيون – الديمقراطيون الروس وكأنه ليس لهم ما يهتمون به غير خصومة داخلية تافهة». هكذا بدأ تروتسكي وهو يشير الى الحرب الروسية اليابانية تلميحاً. أية «مأساة وأي جو كابوس خلقته !.. الجميع، أو معظم الأعضاء، كانوا يعون طابع الانشقاق الإجرامي، إلا أنه ما كان أحد يستطيع التملص من مخلب التاريخ الحديدي». أما السبب العميق وراء الإنقسام، فينبغي البحث عنه في عجز الحزب عن التوفيق بين مهامه الديمقراطية ومهامه الاشتراكية. لم تكن روسيا عرفت بعد ثورة بورجوازية، وكان هدف الحزب المباشر اطاحة استبدادية القيصر؛ إلا أن هدفه الحقيقي، لكن الأبعد، كان الاشتراكية. كان الحزب ممزقا باستمرار بين هذين المقصدين. وفي كل مرة كانت تدور مناقشة في صفوفه، كان كل تكتل يتهم الآخر بالتخلي عن مصلحة البروليتاريا الطبقية لصالح الديمقراطية البورجوازية. “كل مجموعة تمثل اتجاها جديداً تلقي الحرم على سابقيها. وتبدو المرحلة السابقة، للذين يصلون وفي جعبتهم افكار جديدة، كما لو لم تكن غير انحراف فظ عن الطريق القويم، كما لو كانت خطأ تاريخياً!” (7).

ويتابع تروتسکی قائلا: “ان لينين والايسكرا القديمة عاملا بهذه الطريقة اجمالا جماعة الاقتصاديين الذين أيقظوا، رغم حدودهم، الطبقة العاملة الروسية”. كان المناشفة أول “من حاولوا أن يبنوا فوق ما بناه أسلافهم، بدل أن يقفوا على انقاضهم”؛ وهذا وحده كان علامة نضج، فالاقتصاديون لم يوجهوا الدعوة للبروليتاريا باسم الاشتراكية – الديمقراطية، بل باسم النقابية اللاسياسية. ووجهت الايسكرا، من جانبها، رسالتها الاشتراكية – الديمقراطية للانتلليجنسيا لا للشغيلة. جر لينين الانتلليجنسيا إلى الأورثوذكسية الماركسية، إلى خضوع غير مشروط لسلطة مارکس، آملا بأن يجعل من أفراد الانتلليجنسيا قادة موثوقين لحركة عمالية لا تزال حيية ولم تنضج بما فيه الكفاية. إلا ان لينين كان يحاول تسريع وتيرة التاريخ: لأن امتلاك مذهب بروليتاري كالماركسية لم يكن يكفي للحلول محل بروليتاريا متطورة سياسياً (8). لم يكن لينين يثق بالجماهير وكان ينظر بنوع من الازدراء إلى أعمالها المرتجلة، مؤكدا أن العمال غير قادرين على الانتقال من تلقاء أنفسهم من النقابية الى الاشتراكية الثورية، وأن الايديولوجية الاشتراكية سوف تحملها الانتلليجنسيا الثورية إلى الحركة العمالية من «الخارج». وقد كتب تروتسكي ما مفاده أن تلك كانت نظرية “التيوقراطية الأورثوذكسية”. وأن مخطط لينين التنظيمي كان يناسب حزبا “ينوي الحلول محل الطبقات العمالية”، والعمل باسمها بالوكالة، دون حسبان ما يفكر فيه العمال أو يشعرون به.

هذه “الاستبدالية”، (زامستيتلسفو) – حسبما كان يدعوها تروتسكي -، هذا التصور لحزب يعمل کـ “Locum tenens” (أو قائم مقام) البروليتاريا، كان يواجهها تروتسكي بمشروع اکسلرود القاضي بتشكيل حزب ذي قاعدة واسعة، من نوع الأحزاب الاشتراكية – الديمقراطية الأوروبية (9). كانت طريقة لينين تؤدي إلى ما يلي: تبدأ منظمة الحزب (لجنة صغيرة) تحل محل مجمل الحزب، ثم تحل اللجنة المركزية محل المنظمة، ويحل “ديكتاتور”، في الأخير، محل “اللجنة المركزية”… (10) “على الحزب أن يرسي استقراره على قاعدته، ضمن بروليتاريا نشيطة وواثقة من نفسها، لا على فريق قيادي يمكن للثورة… أن تكنسه فجأة … وبعد تحريف ساخر لأسلوب لينين (11) «المثير للسخط والديماغوجي»، وبعد الهزء بمحاولة لينين فرض انضباط على الحزب، تساءل تروتسكي: «هل من الصعب للغاية أن نرى … انه حين ينبغي لأي مجموعة جدية أن تجيب على مسألة معرفة ما إذا كان عليها أن تمحى وتصمت احتراما للانضباط، أو أن تقاتل من أجل حياتها دون مراعاة للانضباط ، سوف تختار الحل الثاني وتقول: فليمت الانضباط الذي يخنق المصالح الحيوية للحركة». لن يقول التاريخ انه كان على الانضباط أن ينتصر حتى لو هلك العالم من جراء ذلك؛ إنه سيعطي الحق، في نهاية المطاف، لأولئك الذين «فهموا بالشكل الأعمق والأفضل مهام الثورة»(12).

أما الجزء الأكثر اثارة للفضول في هذه المقالة فهو الفصل الأخير فيها، بعنوان «اليعقوبية والاشتراكية الديمقراطية»(13). ففي المؤتمر، كان تروتسکی، رد الاتهام باليعقوبية الذي وجهه الاقتصاديون ضد الايسكرا بمجملها. هذا الاتهام، غدا يوجهه الآن للينين، وقد رد هذا الأخير بازدراء: «إن اشتراكية – ديمقراطية ثورية هو يعقوبي بالضبط، لكن يعقوبي حازم ومتمسك بتنظيم البروليتاريا وواع لمصالحها الطبقية». وكما يظهر من المقالة النقدية، كان تروتسكي بنى اتهامه على الدراسة المعمقة للثورة الفرنسية التي قام بها؛ كان يتجه بأنظاره إلى الدراما اللاحقة للثورة الروسية. أعلن أن طبائع اليعقوبي والاشتراكي – الديمقراطي تتنابذ. فبسبب الحدود التي كان يضعها عصر الثورة الفرنسية، لم يكن في وسعها أن تؤسس الا مجتمعاً بورجوازياً قائماً على الملكية البورجوازية. وكانت اليعقوبية (“أقصى درجة من الراديكالية في متناول مجتمع بورجوازي”) تحاول أن تديم اللحظة الهاربة التي تمثلها ذروة الثورة، حيث تجلى اتجاه شبه مساواتي، لا يتفق مع التوجه الأساسي للعصر. كانت تلك طوبى محكوم عليها سلف: كان على التاريخ أن يتوقف لينقذ اليعقوبية. فالنزاع بين اليعقوبية وعصرها يفسر فكر اليعاقبة وعملهم. وكان لدى روبسبير واصدقائه فكرة ما ورائية عن الحقيقة، حقيقتهم؛ إلا أنهم ما كانوا قادرين على الاعتماد على حقيقتهم من أجل كسب قلب الشعب وروحه.

__________________

(1) پیسا اکسلرودا أي مارتونا، ص 14.
(2) لينين، سوشيننيا، الجزء 34، ص ۱۹۲-۹.
(3) راجع مثلا احتجاج لجنة تفير، الايسكرا، العدد 10.
(*) الحكم المطلق، أو الاستبدادي (م).
(**) بروكوست حسب الأسطورة اليونانية كان قاطع طرق في أتيکا يوقف المسافرين ويمددهم على سرير حديدي، فيقصر قامتهم بتشويهات مرعبة أو يطيلها بشد اعضائهم بحيث تصبح بطول السرير (م).
(4) الايسكرا، العدد ۲۲، ۱۰ آذار / مارس ۱۹۰۹، راجع ايضا في ملحق الايسکرا، حزيران يونيو 1904، تعلیق تروتسكي وهو نصف اعتذار.
(5) نقل خبر هذا الحادث عن بیریبیسکا بليخانوفا أي اكسلرودا، الجزء الثاني، ص ۱۹۸ – ۲۰۱: بيسا اکسلرودا أي مارتوفا، م ۱۰۱ – والايسكرا.
(6) حول هذه النقطة، لم يكن هنالك أي اختلاف بين تروتسكي وتشير يفانين الذي كان يمثل الجناح المنشفي اليميني.
(7) تروتسكي، ناشي بوليتبشسكيي زاداشي، ص 4.
(8) ن. ترونسكي، ناشي بولينيشسكيي زاداشي، ص 23.
(9) – المرجع ذاته، ص 50.
(10) المرجع ذاته ص 94.
(11) المرجع ذاته ص ۷۰.
(12) المرجع ذاته ص ۷۲.
(13) المرجع ذاته ، ص ۹۷ – ۱۰۷.

لمراجعة الفصل السابق يرجى الدخول من خلال الرابط أدناه:

النبي المسلَح: الفصل الثالث – على عتبة التاريخ جـ 5 (25)