ما وراء إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأمريكية وكوبا.

0
464

كتابة: ماركوس مارغاريدو- حزب العمال الاشتراكي الموحد
في 20 تموز/يوليو، تم إعادة فتح سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في كوبا، بعد أكثر من 50 عاما على إغلاقها. ماذا يوجد وراء هذا التقارب؟
“في كوبا فقر، ولكن ليس كالفقر الموجود في البرازيل.  هناك أحياء الفقراء، ولكن هنا لا. ليس لدينا شحاذين الذين ينامون في الشوارع… هناك فرق”. هذا التصريح كان لمواطن كوبي في هافانا، عاصمة البلاد، وكان جزء من الوثائقي الذي نشرته أكبر المحطات التلفزيونية .البرازيلية، ريد غلوبو

 
في هذا الوثائقي، يقول المعلقون أن كوبا تملك نظاما تعليميا يتفوق على مثيله البرازيلي، لأن جميع الكوبيين يتعلمون في المدارس الحكومية والطلاب يظهرون مستوى ثقافيا أعلى. كما مدحوا النظام الصحي الحكومي، المشهور على مستوى العالم بنظام الطب الوقائي وبإرسال الأطباء الكوبيين إلى العديد من دول العالم.

الوثائقي يقول أن كوبا ضحية الحظر الاقتصادي الأمريكي الذي استمر أكثر من 53 عاما ومنع المزيد من التطور في الجزيرة، التي تقع على بعد 300 كيلومترا من سواحل فلوريدا. هناك هدف واحد وراء هذه الإطراءات: الدفاع عن إعادة فتح العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وكوبا الذي أعلن عنه الرئيس باراك أوباما، ونهاية الحظر الاقتصادي.

أهم خطوة في هذا الاتجاه كان إعادة فتح السفارة الأمريكية في كوبا وإعادة فتح السفارة الكوبية في الولايات المتحدة. أمر كان من الصعب التفكير به حتى قبل عدة أعوام.
يبدو أن ريد غلوبو، المشهورة بمهاجمة العمال البرازيليين وإنجازاتهم، لديها حساسية من الاشتراكية الكوبية وتريد أن تساعدها. هل هذا هو الأمر؟ أم أنه فخ “عالمي” جديد؟

ثورة هزت أمريكا اللاتينية

أولا، إدعاءات مواطني هافانا وتعليقات الوثائقي التلفزيوني يجب أن يكون متفق عليها. الفقر في كوبا مختلف، الصحة والتعليم حكوميان وبمستوى عال والطعام والسكن مدعومان من الحكومة. في هذا الجانب وجوانب أخرى، بلد صغير مثل كوبا تفوق على أكثر دول أميركا اللاتينية تطورا، مثل المكسيك والبرازيل والأرجنتين.

لكن هذه الانجازات لم تحصل لأن الكوبيين صوتوا لصالح حكومة جيدة، والتي بحثت عن الأفضل للبلاد. حدث هذا بسبب الثورة الاشتراكية في عام 1959 والتي أطاحت، بقوة السلاح، بالديكتاتور فولخينثيو باتيستا، دمية الولايات المتحدة الأمريكية.
فيديل كاسترو، تشي غيفاره، كاميلو ثينفويغوس وثوار آخرون نظموا مجموعات حرب العصابات في الجبال وشاركوا في الانتفاضة الشعبية في المدن. سيطروا على السلطة وبعد عدة سنوات ما كانت مستعمرة الولايات المتحدة تحولت لتكون دولة العمال، حيث تم تجريد أرباب العمل من ملكياتهم، وهذا يعني فقدان جميع الممتلكات والثروات، كما تم تأميم الشركات الأجنبية. إضافة إلى ذلك، تم تنظيم الاقتصاد بحسب حاجة السكان، والتجارة الخارجية كانت الحكومة تتحكم بها والأراضي كانت مؤممة.

كل هذا رفع من مستوى معيشة الناس، ووضع حدا للفقر والدعارة، وحصل جميع العمال على العمل وعلى الإنجازات المذكورة سابقا، والتي دامت حتى يومنا هذا، حتى بعد سنوات طويلة من الحظر الاقتصادي.

شجعت الثورة الكوبية على النضال الثوري، ورفع حلم أميركا لاتينية اشتراكية آمال المجموعات الثورية في جميع البلدان. لكن للأسف، أغلبها نسخ النموذج الكوبي في حرب العصابات في الأرياف، حتى في الدول الصناعية كالبرازيل والأرجنتين، ابتعدوا عن الطبقة العاملة. وكان من السهل على الحكومات الرأسمالية هزيمة حرب العصابات ومنع ثورة جديدة في القارة. الولايات المتحدة الأمريكية، بدورها، بعد عدة محاولات للإطاحة بحكومة فيدل كاسترو، كما حصل في عام 1961، فرضت حظرا اقتصاديا على البلاد.
ولكن، لا يوجد أي شيء كامل أو يدوم للأبد…

دولة العمال تحت قيادة بيروقراطية

تحكم العديد من النقابات بواسطة قيادة بيروقراطية. وهذا وضع حدا للديمقراطية، ومنع النقاشات لدى عامة الشعب والعمال، وإجراء الاجتماعات يتم بدون دعوات موسعة، ولم تعزز التنظيم في أماكن العمل وتم إقامة اتفاقيات مع الرؤساء بدون موافقة العمال.
ولكن لم يفكر أحد من العمال في ترك الاتحاد لهذه الأسباب. وبدلا عن ذلك، نظموا قوائم معارضة للإطاحة بالقيادة البيروقراطية واستعادة الاتحاد لصالح عامة العمال.
نفس الشيء حصل في كوبا بعد الثورة الاشتراكية. فعلى الرغم من استغلال الرؤساء ومنظمات الدولة مواقعهم لضرب مصالح العمال، قادة البلاد الجدد قاموا مؤخرا باجتزاء الديمقراطية، وأسسوا نظام الحزب الواحد، كما تم منع منظمات العمال الحرة في اتحاداتها وأمسوا يحكمون بقبضة من حديد.
تماما كمتنفذي الاتحادات، استخدمت بيروقراطية الدولة الكوبية مراكزها لتأمين امتيازاتها ولتصبح أغنى بواسطة إدارة الدولة التي تملك الشركات والمزارع والمزروعات.

أزمة اقتصادية مدمرة وفتح البلاد للرأس المال الأجنبي

لقد حدث هذا منذ 1994، عندما كان هناك تغيرات رئيسية في بنية الدولة الكوبية. منذ ثمانينات القرن الماضي، عاشت كوبا أزمة اقتصادية شلت البلاد. الاتحاد السوفييتي لم يعد موجودا، لقد كان مقسما إلى بلاد عديدة وما أطلق عليه “الاشتراكية الحقيقية” أصبح من الماضي. يعني هذا أن المصانع والبنوك والأراضي عادت إلى الملكية الخاصة، كل شيء أصبح في أيدي أرباب العمل. لقد كان هناك استعادة رأسمالية في البلد الذي قام بأول ثورة اشتراكية مظفرة في العالم. وهكذا، التجارة مع كوبا، والتي كانت تعتمد على إرسال المنتجات الزراعية لاستبدالها بالنفط والمنتجات المصنعة، لم تعد موجودة وهذا وضع البلاد في موضع صعب جدا. الحكومة الكوبية، في موقف نمطي للاتحاد البيروقراطي، طلبت مساعدة الدول الرأسمالية بدلا من النقاش مع العمال الكوبيين الخيارات الكفيلة بإخراج كوبا من هذا الظرف الحرج.
لقد شرعوا قوانين جديدة في عام 1995 فتحت البلاد لتدفق رأس المال الأجنبي، وسمحوا بالتصدير والاستيراد بدون تحكم الدولة وبحرية تحويل الأرباح إلى الخارج.

إن دخول رأس المال الأجنبي حصل بشكل عملي في كافة القطاعات الإنتاجية بوتيرة سريعة. هيمنت المضاربات المشتركة (بين الدولة ورأس المال الأجنبي) على 100 بالمئة من الاستثمارات النفطية، الحديد الخام، إنتاج الزيوت، خدمات الاتصالات، إنتاج الصابون، ومستحضرات التجميل وصدرت الروم، 70 بالمئة من المنتجات الزراعية وأشجار الحمضيات و50 بالمئة من منتجات معدن النيكل، بالإضافة إلى منتجات طب الأسنان والسياحة.

من انتهز الفرصة كانت الرأسمالية الأوروبية، لأن الشركات الأمريكية كانت ممنوعة من الاستثمار في كوبا نتيجة الحصار الاقتصادي. ولكن الآن، يريد الرئيس باراك أوباما عكس هذا العائق والسماح للرأسماليين من بلده تعويض ما فاتهم من وقت.
في العام 2013 تم الموافقة على مرسوم جديد بشأن الاستثمار الأجنبي، والذي يسهل بشكل كبير دخول الشركات الأجنبية إلى كوبا. باستثناء الصحة والتعليم والاتصالات، يمكن أن تستلم القطاعات الأخرى الاستثمارات الأجنبية، وبإعفاء ضريبي لمدة 8 سنوات وبتعهدات بأن الحكومة لن تقوم بتأميم هذه الشركات. بالإضافة إلى ذلك، لم يعد مطلوبا مساهمة الدولة في المضاربات المشتركة، وأصبح من الممكن أن تكون خاصة بشكل كامل.

بإيجاز كلي، البلد يملك الآن اقتصادا خاضعا للنظام الرأسمالي الدولي. قوانين السوق، حيث ما يحسب حسابه الحصول على الأرباح، والهيمنة على الخطط الاقتصادية التي لا تلبي مصالح العمال. بكلام آخر، الرأسمالية في كوبا، كما في روسيا، جددت نفسها أيضا.

العمال الأكثر تأثرا

قد يعتقد الكثير من العمال أن هذا ليس سيئا. فبعد كل هذا، الشركات الخاصة الداخلة إلى السوق يمكن أن تقدم وظائف جديدة وقد تزيد الرواتب نتيجة زيادة التنافس بينها. العديد من العمال الكوبيين يفكرون بهذه الطريقة في الوقت الحالي ويدافعون عن التغيرات التي تجريها الحكومة. ولكنهم أيضا يقولون: نظامنا اشتراكي ويجب أن يستمر.

ولكن هذا غير صحيح. لشرح الفكرة، في عام 2010 وافقت الحكومة الكوبية على صرف مليون موظفي حكومي. حتى هذه اللحظة، تم تسريح حوالي 360 ألف عامل والأضرار على العمال بدأ الاستشعار بها. المعدل الرسمي للبطالة 3.8 بالمئة، ولكن المعدل الفعلي يمكن أن يصل إلى 18.5 بالمئة، بما أن البعض يقول بأن بعض العمال لا يبحثون عن عمل ولا يمكن حسابهم في الإحصائيات.

متوسط أجرة العمال 20 دولارا، وحتى لو أن بعض الشركات الخاصة تدفع أكثر من ذلك، الحكومة، التي تلعب دور “وكالة توظيف”، تحصل على القيمة المضافة. بالإضافة إلى ذلك، في عام 2013 تم تمرير قانون عمل جديد خاص بالشركات الخاصة. أسس إلى أيام عمل تصل إلى 44 ساعة في الأسبوع، يوم استراحة واحد في الأسبوع ويتم دفع إجازة من سبعة أيام في السنة.

هذا تشريع رجعي جدا. في البرازيل على سبيل المثال يقدم قانون العمل إجازة من 30 يوما مع علاوة الثلث على الراتب الفعلي. علاوة على ذلك، لم يحدد أي تعويض على الصرف من العمل، لأن العمال يعملون بموجب عقود محدودة المدة. بالنهاية لا يوجد أي ميزات للعمال في هذه التغيرات.
إذا أضفنا على هذا الحقيقة بأن ليس هناك حرية تشكيل النقابات أو الحق في الإضراب، تمسي كوبا جنة استغلال العمال من قبل رؤسائهم.

كوبا بحاجة إلى ثورة اشتراكية جديدة

هذا هو السبب وراء قرار أوباما إعادة العلاقات الدبلوماسية مع كوبا والطلب من الكونغرس الأمريكي تمرير قرار إنهاء الحظر الاقتصادي. فهو فرصة كبيرة للشركات الأمريكية، ولكن حتى الآن يوجد فقط الشركات الأوروبية، كندا وحتى البرازيل تنتهزان هذه الفرصة أيضا. شركة البناء البرازيلية، أوديبريشت، المتهمة بالفساد في البرازيل، تقوم ببناء الميناء البحري، والذي يراد له أن يكون بوابة منطقة التجارة الحرة. رؤساء الأمم الرأسمالية الكبيرة في العالم لا يمكن لهم أن يفوتوا هذا الهجوم الحقيقي على البلاد، وبدعم من الحكومة الكوبية نفسها.
لا شك أن العمال حول العالم يجب أن يدافعوا عن إعادة تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين هاتين الأمتين وإنهاء الحظر الاقتصادي من قبل الأمة الأقوى ضد الأضعف. ولكن من واجبنا أن نحذر بأن هذه الأفعال تم القيام بها بفضل الاتفاق بين الحكومتين الأمريكية والكوبية لزيادة استغلال العمال الكوبيين وتحويل كوبا إلى مستعمرة أمريكية. المستفيدون الوحيدون هم الرؤساء وأعضاء الحكومة الكوبية، والذي أصبحوا الطبقة البرجوازية الجديدة.

من الضروري أن تنظيم الطبقة العاملة الكوبية بشكل مستقل أمور الحكومة، وأن تطرد الاتحادات البيروقراطية وتشكل الحزب الثوري للإطاحة بحكومة راؤل كاسترو (شقيق فيدل كاسترو) وتقود ثورة اشتراكية جديدة في كوبا. وهذه المرة مع الديمقراطية لجميع العمال.