انتخابات 2016: الجديد والقديم

0
522

الولايات المتحدة الأمريكية

بقلم فلورانس أوبن وجوان دياث

بعد ثورتي وسكنسن وأوكباي والثورات المصرية والليبية والسورية، وفي خضم الصراع من أجل “أجر 15 دولار في الساعة” ومقاومة “مسألة أرواح السود”، سوف لن تكون الانتخابات الأمريكية مشابهة لسابقاتها. لا تجري الحملة الانتخابية الحالية بنفس الطريقة المتعارف عليها في الثلاثين عام السابقة، على الرغم من أن قوى بنيوية كبيرة تتوقع فوز ساحق للطبقة الحاكمة مرة أخرى.

لأول مرة منذ عقود، يواجه كلا الحزبين التقليديين من الطبقة الحاكمة أزمة غير مسبوقة: صعوبة تجميع الدعم الشعبي وراء مهرجان المال الجماهيري أو ما يطلق عليه الانتخابات الجماهيرية. في حالة الحزب الجمهوري، يواجه جيب بوش تمرد دونالد ترومب، الذي يعتبر نفسه صخرة تأسيس أكثر الأحزاب المحافظة في العالم، وهو يزيد بقوة شعبيته في قطاعات الطبقة العاملة البيضاء. بينما يواجه الحزب الديمقراطي وضعا غير مسبوق ويدعي بأنه يملك مرشحا “اشتراكيا” ويستمر برفع البطاقة الديمقراطية، جنبا إلى جنب مع مرشحة المؤسسات التي لم تتواجد من قبل: هيلاري كلينتون.

في المقطع التالي، سنتعرف بالتفاصيل على حملة بيرني ساندرز وظاهرته الانتخابية. يعتبر سانديرز أحد الظواهر الجذابة وهو يستحق اهتماما خاصا ومناقشة بين العمال والشباب. في هذا المقال، سنركز على التناقضات الهائلة للحملة الانتخابية الحالية: من جانب واحد، التضخم المتزايد “لسباق المال” وسيطرة المشاركين وحملاتهم، ومن جهة أخرى، النفور العام من “النظام الانتخابي” أو “الأحزاب الراسخة”. في كانون الثاني/ يناير، حوالي 43% من الأمريكيين سجلوا أنفسهم في بعض الصناديق الانتخابية على أنهم مستقلين (وهذا يعني بأنهم غير داعمين لا للحزب الديمقراطي ولا للحزب الجمهوري). بالطبع، هذا ما يتعلق بصناديق الانتخابات فقط، ولكن هذا كان اتجاها عارما منذ انفجار الأزمة الاقتصادية في عام 2008، وطرد الموظفين وإجراءات الرهن العقاري، وهروب البنوك بشكل خاص، بعد انتفاضة وسكنسين وحركة أوكوباي (2012): ارتفعت نسبة المستقلين من 35 بالمئة في العام 2008 إلى 43 بالمئة في العام 2015، مما تسبب بتدهور دعم الحزبين الراسخين.

هذا النفور من الحزبين الجمهوري والديمقراطي إيجابي جدا: فقطاع واسع من الطبقة العاملة لم يعد يثق بعد اليوم بقيادة البلاد أو قدرتهم على حل مشكلاتهم ويبحثون عن البدائل الممكنة. هذه هي الحركة المشوشة والتي لم تجد بعد بديل حقيقي يمكن أن يتحدى ليس فقط المرشحين المختارين مسبقا، وإنما طريق الانتخابات والديمقراطية الحالية المرتبطة بالمال والشركات الكبيرة والحروب. وهذا هو السبب وراء تقديم الحزبين الرأسماليين مرشحيهم الراسخين “غير المعروفين” دونالد ترومب وساندرز، من أجل حشد أعداد هامة من الأصوات للفوز.

التقاليد الانتخابية “الديمقراطية” في الولايات المتحدة: رأس المال الكبير يشتري أصوات كثيرة

لم يعد هذا سرا بعد اليوم. ترتبط الانتخابات الأمريكية تقليديا بالمال والدعاية. فالانتخابات السابقة والتاريخ يدلان بأن الأحزاب الحاكمة تنفق الملايين من الدولارات ممولة من لوبيات مثل سوبر باكس (لجان العمل السياسية)، والتي لم تتوقف منذ العام 2014 عن ضخ الأموال (1 بالمئة من الشركات متعددة الجنسيات) إلى المرشحين الموالين لها.

وانتخابات هذا العام ليست استثناءا فيما يتعلق بذلك: ستكون الانتخابات الأكثر تكلفة بالتاريخ. ففي حين انتخابات 2012 كلفت 6.3 مليار دولار، قد تصل تكلفة انتخابات 2016 إلى 10 مليار، مع تكلفة لكلا المرشحين المفضلين (هيلاري كلينتون وجيب بوش) تقدر بـ 2 مليار دولار لكل واحد منهم.

تظهر المقالة التحليلة في النييورك تايمز بأن “أقل من أربع مئة عائلة تعتبر مسؤولة عن نصف الأموال المنفقة في الانتخابات الرئاسية لعام 2016، وهو تمركز للتبرع السياسي لم يسبق له مثيل في العصر الحديث”. الشركات والاستثمارات الرئيسية (سيتي غروب، غولدمان ساك، مورغران ستانلي، وول مارت، شيفرون، غوغل وغيرها) تتحكم بالانتخابات ومنها بالمرشحين. تستخدم الشركات هذا المال والتأثير في الأماكن ذات المشاركة الانتخابية العالية لضمان حصول مرشحيها على خيار القبض على كافة المصادر المالية والتنظيمية والسياسية وكل ذلك من أجل الحصول على فرصة جيدة للفوز بالانتخابات. إنهم يستخدمون ارتباطاتهم وسلطتهم على كبرى الشركات الإعلامية (إن بي سي، فوكس، سي بي إس، آ بي سي) ليتأكدوا بأن رسالتهم تصل إلى جميع المحطات التلفزيونية والانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. من البداية، تتلاعب الانتخابات وتضغط على الشعب الأمريكي ليشارك في الانتخابات ويحاولوا إقناع الناس بأن مرشح ما سوف يأتي بالتطور والتغير الذي يعتقدون بأنه هام.

صرح دونالد ترومب في الحوار الجمهوري: “قبل ذلك، قبل شهرين، كنت رجل أعمال. وكنت أعطي الجميع. عندما يتصلوا بي، أعطيهم. أتعرفون؟ عندما أريد شيء ما منهم، بعد عامين، أو ثلاثة، أتصل بهم… مع هيلاري كلينتون، اتصلت بها وقلت لها، تعالي إلى حفل زفافي، فكانت في حفل زفافي. هل تعرفون لماذا؟ ليس لديها خيار آخر، لأني أعطي”. ربما يكون هذا التصريح هو الأكثر وضوحا للدلالة على الديمقراطية الحالية ديمقراطية الغنى والجور على الفقراء والطبقة العاملة.

هذا هو السبب وراء التحديات التي تواجه الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري في الفترة القادمة. في كل الأوقات تقل الثقة بالحكومة الأمريكية وبآليات سلطتها- أوباما، الكونغرس ومجلس الشيوخ- المرشحون الرئيسيون في كل حزب، هيلاري كلينتون، جيب بوش وإيفين ساندرز- سيكون عليهم مهمة إقناع الأمريكيين بأن عليهم أن يشاركوا في الانتخابات والتصويت لواحد منهم- لبيع فكرة “الأمل والتغيير” كما فعل أوباما في 2008. يساعد هذا المضمون في تفسير المسائل التي جرى مناقشتها فيما بينهم وأيضا مع مرشح اليمين المتطرف دونالد ترومب.

كلينتون: مرشحة المؤسسة الرسمية

كلينتون هي مرشحة المؤسسة الرسمية السياسية والشركات الرئيسية في الإمبريالية الأمريكية. من بين الشركات الرئيسية التي مولت مسيرتها نجد البنوك الكبيرة (سيتي غروب، جي بي مورغان تشيس)، الشركات الاستثمارية (غولدمان ساش، ليمان برذيرز، مورغان ستانلي، ميريل لينش)، المؤسسات الإعلامية الاحتكارية (21 سينشري فوكس، تايم وارنر، كابلفيجين سيستيمز)، مجموعات شركات الطاقة (شيفرون، تشينري إينيرجي، إيكسون موبيل)، والعديد من قطاعات الشركات الأخرى. من المحتمل كما جرى مع أوباما في العام 2008 و2012، سوف تكون المرشح المفضلة لواحد بالمئة من الطبقة الحاكمة.

تمتلك كلينتون سجلا مرعبا في وقوفها إلى جانب المسؤولين عن قمع الطبقة العاملة. وقفت إلى جانب مجلس إدارة وول مارت، واحدة من أكبر الشركات متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة، من العام 1986 إلى 1992. رواتب الفقر التي كانت الشركة تدفعا لم تزعجها على الإطلاق، ولا حتى جهود الاتحادات الرئيسية الهجومية أو السياسة المشهورة بتقاضي المرأة راتب أقل من الرجل. في العام 2001 مثلا، “العاملات الإناث (في وول مارت) تقاضين 5200 دولار في العام أقل من رواتب العاملين الذكور” وفي العام 2011، كان على الشركة أن تواجه أضخم محاكمات طبقية متهمة الشركة بالتمييز الجنسي.

وزيرة خارجية الولايات المتحدة في عهد أوباما، قامت بنفس أعمال أسلافها: حماية وتوسيع مصالح الشركات حول العالم، وبخاصة العقود العسكرية مثل لوك هيد مارتين وبيشتل وبوينغ. منذ انتخابات العام 2008، كسر مصنعو الأسلحة منهجيتهم في المنح المتفاوت للحزب الجمهوري ورأوا في هيلاري كلينتون أفضل بديل لحماية مصالحهم.

ولكن كلينتون ليست المرشحة “المفضلة” الوحيدة للشركات الكبيرة ونظام الاستغلال الرسمي، هي أيضا نوع خاص من الانتهازية. لنأخذ على سبيل المثال حقوق المثليين. في العام 1996، دعمت قرار زوجها في توقيع قانون الدفاع عن الزواج ومنع المثليين من الحصول على أي مستوى من المساوة (الزواج، الضرائب، الفوائد، إقامات الهجرة، الخ…) في العام 2004، صرحت: “أعتقد أن الزواج ليس فقط ارتباطا بل هو رابطة مقدسة بين الرجل والمرأة… حجر الأساس العميق الموجود بين الرجل والمرأة، يرجع إلى عمق التاريخ ويمثل مؤسسة المشاركة الراسخة في التاريخ والإنسانية والحضارة، وكان له الدور الرئيس خلال آلاف السنين في تنشئة ودمج الأطفال في المجتمع حتى يصلون إلى سن البلوغ”.

بالنسبة لكلينتون، الزواج ليس فقط علاقة حب للجنس الآخر “في الطبيعة” بل “حجر الأساس للحضارة الإنسانية”، ووظيفته التأسيس لـ “دمج الأطفال اجتماعيا”. هذا يعني، لم تكن كلينتون ضد حقوق المثليين فحسب، بل متحمسة جدا لنموذج العائلة البطريركية التي انتظمت حول مبدأ التكاثر وكانت المؤسسة القمعية لحقوق المرأة والمثليين على مدار التاريخ. الآن في العام 2014، بعد أن حكمت المحكمة العليا بزواج المثليين، وبعد أن قررت الترشح للرئاسة، أعلنت أنها “تطورت” بهذه المسألة وكانت داعمة بشكل دائم لحقوق المثليين من أجل الوصول للمساواة!

هذا كاف لإظهار عدم دعم الطبقة العاملة لكلينتون. وسجل كلينتون الحافل بالنسبة للمرأة العاملة، وول مارت، تدمير زوجها للرفاه الاجتماعي، الخ… من غير العادل من أجل قضية تحرر المرأة أن يتم تقديمها على أنها المرشحة النسوية… فهي ليست إلا عدوة للطبقة العاملة والمرأة من الطبقة الوسطى وعائق في سبيل تحررهن.

ما البديل بالنسبة للعمال والمرأة والشباب والملونين في الولايات المتحدة الأمريكية؟

اليوم، ترومب، الداعم السابق للحزب الديمقراطي، يتم تقديمه على إنه المرشح “المرعب”: “الشرطي السيئ” في “أقل الشرين” في نظام الحزبين الراسخ ويمكن أن نقول كما يقول بعض الأشخاص بأنه فاشي بسبب تلميحاته الهمجية ضد المهاجرين. هو يظهر كرهه المباشر، بالفعل، للطبقة العاملة والمضطهدين ويحاول جذب بعض الطبقات الاجتماعية. مرشحي “الشرطي الجيد” في الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري يختلفون فقط بالطريقة التي يظهرون بها كرههم ولا يعبرون عنه لفظيا، الارتياب والتخويف من المهاجرين والسود والنساء وباقي المضطهدين والطبقة العاملة، كما إنهم يسنون قوانينا ويفرضون سياسيات تؤدي بشكل فعلي إلى تبيان الحزب الجمهوري على أنه الحزب الذي يرفع صوته عاليا ضد المهاجرين. السقوط في مصيدة أقل الشرور هو بالضبط ما يتوقعه الحزب الجمهوري، وهذا بالضبط ما نريد أن نحاربه، من أجل الدفاع عن البديل المستقل للعمال.

سيواجه أغلب العمال والطلاب والمضطهدين ضغوطا لوضع مبادئهم ومصالحهم السياسية جانبا والتصويت لأقل الشرور في العام 2016. هذا هو الضغط الرئيسي في كل انتخابات، ولكن الطريقة في حملة 2016 هذه تحدد- حيث يوجد نفورا عاما وإحباطا من هيمنة الحزبين تصل نسبتها إلى 1 بالمئة- إشارات بأن هناك خيارات أخرى ممكنة إذا ما نظمنا أنفسنا وحاربنا من أجلها.
نعتقد بأننا بحاجة إلى تأسيس حزب عمالي مستقل لخوض الانتخابات- سواء أكان حزب عمال أو لا- وأنه يجب أن يكون مستقل طبقيا ويأخذ موقفا واضحا ضد الإمبريالية الأمريكية ودعم المرأة والشباب والمهاجرين والسود والمضطهدين الآخرين في عهد الإمبريالية الأمريكية.

نعتقد بأننا لا نستطيع أن نضغط على الحزب الديمقراطي من خارجه أو من داخله، وعلينا بناء الحزب والحركة المستقلة، ولهذا السبب نعتقد بأنه على الرغم من برنامجه الإصلاحي المحدود، لن يطبق سيناتورس كانديرز نصف برنامجه وهذا لأنه لم يقطع مع الحزب الديمقراطي، ولا مع الطبقة السياسية الراسخة وطريقه السياسي يمر في الولايات المتحدة.

انطلاقا من انتخابات العام 2016، والفرص المتاحة، علينا أن نواصل التحرك نحو هدفنا بإنشاء حزب الطبقة العاملة المستقل. ولكن جوهريا، لن تحل الانتخابات المشاكل الحالية للطبقة العاملة. ولذلك أفضل طريقة للتدخل في الحملة هي التنظيم أيضا والقتال من أجل مطالبنا: الاحتجاج على عمليات الشرطة العنصرية (والجناح اليميني مثل مجزرة تشارلتستون) التي ابتلى بها السود والملونين، الدفاع والانضمام إلى تحركات العمال أصحاب الأجور القليلة والذين يكافحون من أجل راتب يتيح لهم الحياة بكرامة والقتال من أجل حق التنظيم في الاتحادات، وما إلى هنالك.

الأكثر أهمية، يجب أن نعمل ما بوسعنا من أجل تأسيس حزب الطبقة العاملة المستقل، وتوحيد المنظمات اليسارية والاشتراكية والجذرية وربط أنفسنا بالقطاع الفاعل في الحركة العمالية، “القتال من أجل الخامس عشر”، نشاطات الطلاب، ونضالات حقوق المهاجرين أو حركة بلاك لايفز ماتر التي تنشد تغييرا حقيقيا. علينا أن نبني بديلا سياسيا مستقلا يمكن أن يقود العمال، مع برنامج ضد التقشف ومن أجل الدفاع عن الحقوق الديمقراطية وبذلك لا يتحول “النفور” إلى دعم لترومب، أو حتى لساندرز، والذي سينتهي به الأمر إلى قيادتنا مرة أخرى إلى السياسات البرجوازية التقليدية ضمن أكثر الأحزاب الراسخة محافظة.