الصين، الخرافة والحقيقة

0
1624

بقلم مارتين هيرنانديث، عضو اللجنة التنفيذية في الرابطة الأممية للعمال-الأممية الرابعة

 

يدور بين التيارات الماركسية نقاش شيق حول طبيعة الدولة الصينية الحالية. يوجد وجهات نظر مختلفة بهذا الصدد. ولكن، الرأي الغالب يعتبر بأن، في الصين، قد قاموا بإصلاحات عميقة ما بعد رأسمالية، بخلاف ما حصل مع الاتحاد السوفييتي السابق، الذي لم يرمم نفسه مع الرأسمالية.

بما يتصل بهذه المسألة، هناك موضوع آخر يستحق النقاش: مستقبل الصين. محللون مختلفون، سواء من اليسار أو اليمين (أو على الأقل غالبية كبيرة منهم)، لا يشككون أبدا بتنبؤ مستقبلا زاهرا بالنسبة للصين. يحكى أن هذا البلد سيتحول إلى واحد من القوى العظمى في العالم وليست قليلة التكهنات الخاصة بالصين والتي تضع العنوان “القوة الرئيسية في القرن الحادي والعشرين”.

نجد مشكلة في التطابق مع هذين الرأيين الذين يستشيران هذا الإجماع الكبير. فمن جانب، من الواضح أن الصين، مثلها مثل الاتحاد السوفييتي السابق، ومنذ فترة طويلة أسست لاقتصاد السوق، ومن جانب آخر، من غير المحتمل، أن تستمر الصين في هذا السياق، حيث يمكنها أن تتحول إلى واحدة من القوى العظمى، ولكن أقل بكثير من أن نطلق عليها “القوة العظمى” في القرن الواحد والعشرين.

الشركات الحكومية والطبيعة الطبقية للدولة

إن قيادة الحزب الشيوعي الصيني، كمثيلاتها في كل قيادات الدول العمالية السابقة، ارتدت إلى الرأسمالية ملوحة بالأعلام الاشتراكية. يمثل هذا، وبكل وضوح، تناقضا تحاول قيادة الحزب الشيوعي الصيني تجاوزه قائلة أن في الصين لا يوجد اقتصادا اشتراكيا ولا اقتصاد سوق. ما يوجد في الصين هي “اشتراكية السوق”. أي في مرحلة إمبريالية الرأسمالية وبما أننا في مرحلة “العولمة”، البلد الأكثر سكانا في الكوكب سيكون ذو دولة هجينة.

عطفا على المحاججة السابقة، ومن أجل تبرير أن الصين لم تتحول إلى الرأسمالية، تقوم القيادة الصينية ومريديها بالقول نعم هناك الكثير من الشركات الخاصة، ولكن الشركات الكبيرة لا تزال في يد الدولة. من المؤكد بأن أغلبية الشركات لا تزال تعتبر حكومية ما يمكن أن نقول أن في هذا البلد تتعايش أشكال متعددة من الملكيات وعلاقات الإنتاج، ولكن، هذا لا يمنح الدولة الصينية طبيعة هجينة.

الصيغ الصافية موجودة فقط في النظرية، ولكن في الحقيقة لا يوجد أية دولة تتعايش فيها أشكال مختلفة من الملكية. ولكن، الشركات الحكومية والخاصة لا تحدد، ولم تحدد أبدا الطبيعة الطبقية لأية دولة.

في الدول العمالية (سواء في مراحلها الثورية أو البيروقراطية) وفي الدول الرأسمالية تعايشت وتتعايش أشكال مختلفة من الملكية. في الإتحاد السوفييتي، في مرحلة السياسة الاقتصادية الجديدة، مع الملكية الحكومية لوسائل الانتاج، وجد عدد لا بأس به من الشركات الخاصة. وفي بولونيا، بصرف النظر عن نزع ملكية البرجوازية، الأغلبية العظمى من الأراضي لم تصل لتكون أبدا ضمن ملكية الدولة. على العكس من ذلك، في إيطاليا موسوليني، تم تأميم غالبية الشركات وحولت إلى شركات حكومية. وحتى لا نذهب بعيدا، حتى وقت قليل، في فنزويلا، في بلد رأسمالي تقليدي، أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي ينتج عن الشركات الحكومية.

هذا الواقع (من العدد الكبير للشركات الحكومية في الدول الرأسمالية والشركات الخاصة في الدول العمالية) أحدث كثير من التشوشات ساعة تحليل الطبيعة الاجتماعية لهذه الدول. بهذا الشكل، قطاعات هامة من الحركات الاشتراكية الديمقراطية (كاوتسكي وأوتو باور، من بينهم) حيوا السياسة الاقتصادية الجديدة في الاتحاد السوفييتي السابق (بتصميم من تروتشكس وقيادة لينين) لأنهما أدركا بأن مع هذه السياسة يتم استعادة احياء الرأسمالية. من جانب آخر، مستوى من الماركسية الثورية، ولم يكونوا قلّة، ابتداء من نزع الملكية  من قبل موسوليني، اتخذوا نفس السياق المشابه بين إيطاليا الفاشيستية والإتحاد السوفييتي الستاليني.

من المناسب لتحليل ميكانيكي فظ التفكير بأن الدولة التي تسيطر عليها الشركات الرأسمالية في بلد رأسمالي، والدولة التي تهيمن عليها الشركات الحكومية في بلد عمالي (أو غير رأسمالي)، والدولة التي تتعايش فيها في تكافؤ تام شكلي الملكية (هو) بلد هجين.

تروتسكي الذي كان واحداً من الماركسيين الذين اختبروا مسألة الطبقة في الدول، أكد، في نموذج أخير، بأن هذه المسألة كانت حاسمة “… بالنسبة لأشكال الملكية وعلاقات الإنتاج بحيث تقوم الدولة بحمايتها والدفاع عنها”. في حال هجرنا النقاش في هذا المعيار، من السهل النظر بأن إيطاليا موسوليني ليس لديها أية علاقة مع الدولة العمالية، حسب ما نزعت من ملكية، في الوقت الحالي، البرجوازية، بنفس الشكل الذي لم يملك الاتحاد السوفييتي في عهد لينين أي علاقة مع الدولة الرأسمالية بقدر ما، في فترة معينة، ظهر مجبرا على التنازل إلى الرأسمالية.

إذا ما تفحصنا الصين الحالية ضمن هذا المعييار، من الممكن الحصول على بعض الضوء نستدل من خلاله على مسألة طبقية الدولة. في هذه الحالة، كما في حالات أخرى، لا يتعلق الأمر بتحديد نسبة الشركات الحكومية والخاصة الموجودة في ذلك البلد. وإنما في تحديد ما هي أشكال الملكية وعلاقات الانتاج التي تحميها وتدافع عنها الصين.

هل هي سياسة اقتصادية جديدة؟

بعض مريدي القيادة الصينية الجديدة يؤكدون بأن الإصلاحات بعد رأسمالية ليست أكثر من “… إجراء تكتيكي دون خسارة رؤية البناء الاشتراكي على المديين المتوسط والبعيد”. بمعنى آخر، القيادة الصينية الجديدة تقوم بفعل أمر مشابه بما قام به لينين في السنوات الأولى من الثورة الروسية مع سياسة اقتصادية جديدة.

في روسيا وبعد الحرب الأهلية التي دمرت البلاد، نفذت القيادة البلشفية السياسة الاقتصادية الجديدة. هذه السياسة تهدف إلى الدفع بآليات رأسمالية من أجل التقدم باتجاه الاشتراكية. كجزء من هذه السياسة، في تلك الفترة، 38% من وسائل الانتاج بقيت بأيدي القطاع الخاص، وهنا نشير إلى وسائل الانتاج الزراعية، وهذا العدد وصل إلى 96%. يمكن ملاحظة أن نسبة الملكية الخاصة في مرحلة السياسة الاقتصادية الجديدة كانت أعلى بشكل فعلي في العديد من الدول العمالية السابقة، وبما يخص الريف، كانت بشكل منوع أعلى مما هو عليه الحال حاليا في روسيا.

يكفي مقارنة سيرورة السياسة الاقتصادية الجديدة مع العمليات الحالية من التجديد لرؤية الاختلافات النوعية بينها. في مرحلة السياسة الاقتصادية الجديدة تم الدفع لتطوير الملكية الخاصة، ولكن نمو الانتاج كان يصب في خدمة تطوير الملكية العامة. الكثير كان كذلك في تلك الفترة، حيث كان يتم الدفع بالملكية الخاصة، الشركات الحكومية زادت من مشاركتها في إجمالي الانتاج.

“الصناعة الحكومية والاشتراكية أنتجت، في عامي 1923-1924، 76% من الناتج الصافي، وفي السنتين التاليتين أنتجت 79.3% وفي عام من السهل، حسب حسابات متقدمة الوصول إلى 79.7 بالمئة. فيما يخص الصناعة الخاصةـ كانت مساهمتها في الانتاج في عامي 1923-1924، 23.7%؛ وفي 1924-1925، 20.7% وكانت تننظر الوصول إلى 20.3 بالمئة في السنتين التاليتين.

وهذا معاكس لما يحصل حاليا في الدول العمالية السابقة. من جانب آخر، اليوم لا يقدمون فقط “امتيازات” للرأسمالية. اليوم يقومون بإعادة إحياء الرأسمالية. لذلك، في جميع الدول العمالية السابقة، “الامتيازات” للرأسمالية لم تكن محدودة بتشجيع الملكية الخاصة في وسائل الانتاج وإنما أنهت احتكار الجولة على التجارة الخارجية وعل الاقتصاد المركزي والتخطيطي. بهذه الصيغة، في جميع هذه الدول (بما في ذلك الصين)، النتائج كانت معاكسة للسياسة الاقتصادية الجديدة التي تبناها لينين: المساهمة في الصناعة الخاصة في الناتج الخاص بالانتاج لم يتوقف عن النمو، في حين بالنسبة للشركات الحكومية حصل العكس تماما.

“الخصوصيات الصينية” سرعت التجديد

بين الحين والآخر يتم التحدث عن “خصوصيات الصين”. ولكن ما هي الخصوصية الصينية الرئيسية التي تميزها عن الاتحاد السوفييتي السابق والدول الأوروبية؟ الخصوصية هي أن الصين لا تملك تطورا كبيرا في مجال الصناعة. لذلك، العمل في الزراعة، وليس في الصناعة، هو النشاط الاقتصادي الرئيسي في الصين. بما أن الانتاج في الاصلاحات الاقتصادية، في هذه الأيام، هذا النشاط 100 بالمئة في أيادي القطاع الخاص. ولكن الإصلاحات لم تتحدد في الريف فقط. بالعكس، بدأت في الأرياف وفيما بعد توسعت إلى باقي المناطق، وإلى المجمعات الاقتصادية الكبيرة.

عندما كان غوربوتشوف بعيدا عن تولي قيادة الاتحاد السوفييتي، كان واضحا تقدم الحكومات الصينية بما يتعلق بـ “بيريسترويكا”. لمتابعة هذا، لا يوجد أفضل من ملاحظة كيف تطورت هذه العملية من قبل الامبريالية:

“الشكل التدريجي (مختصر المصطلح الذي أطلقه دينغ شياو بينغ “رصف الحجارة من أجل عبور النهر” هو الطريق الرئيسي الذي اتبعته الصين. بعد موت ماو تسي تونغ، والتنكر للثورة الثقافية، الإصلاحات التي بدأت في العام 1978 فتحت الباب للتجمعات الاقتصادية العملاقة وبدأت بتحرير الأسعار، بداية بشكل هامشي، وفيما بعد بطريقة أكثر شمولية. إن أغلبية الإصلاحات البدائية ركزت في المناطق الريفية. نظام المسؤولية العائلية، مبتدئة محليا بتفريق الزراعة، ومن ثم تم تطبيقها في المناطق الأخرى… بشكل فوري، تم تخفيف القيود على الشركات غير الصناعية “غير الحكومية” (التابعة لملكية الحكومات المحلية والجمعيات) وتم السماح بدخول شركات جديدة في نطاق واسع من النشاطات. بالإضافة إلى ذلك، تم تشجيع الشركات الريفية البلدية الجديدة من أجل إبرام اتفاقيات ضمن مبادئ السوق. الجزء من الانتاج المتعلق بالشركات الخاصة وليس الحكومية نما كثيرا بناء على ذلك. في العام 1984، تم توسيع الاصلاحات لتصل إلى الاقتصاد المديني. الحكومات المحلية تم تطبيق الإصلاحات عليها، وبذلك منبع التمويل لم يعد ضمن ميزانية الحكومة وتم تمريره إلى النظام المصرفي. وبشكل متسارع، تم إلغاء القيود على التجارة الخارجية والاستثمارات الأجنبية، وتم الشروع بإصلاحات مؤسساتية عديدة، بما في ذلك إعادة إنشاء البنك المركزي. منذ ذلك الحين، عملية مشاريع التخطيط أضحت مختصرة بشكل كبير. تم تسريع الإصلاحات في عامي 1994 و1995، وبشكل خاص بكل ما يتعلق بالضرائب والتشريعات الخاصة بالشركات والتجارة الخارجية”.

أي أشكال من الملكية وعلاقات الانتاج تحميها وتدافع عنها الدولة الصينية؟

في كتيب منشور بواسطة الحكومة الصينية الحالية، تقول: “الشركات الحكومية الصينية، جزء رئيسي من الاقتصاد العام الاشتراكي، هي السند والقوة المركزية في الاقتصاد الوطني…” ولكن، في نفس الكتيب ما يوضح ما يعني “سند” الاقتصاد الوطني:

“… الشركات الحكومية قامت بإسهامات هامة: فقد قدموا للشركات غير الحكومية المواد الأولية، ومصادر الطاقة، والإنشاءات العامة والفرق التقنية؛ تولوا إلى حد بعيد المسؤوليات في اتمام عمليات التمويل المالي، من المخططات في اتمام عمليات التمويل المالي، من المخططات إلى خصائص الإرشاد إلى المهمات الاجتماعية؛ ساعدوا الدولة في تطبيق السياسات المفضلة للشركات الجماعية والفردية والخاصة والأجنبية؛ أنشأوا الظروف من أجل التراكم السريع الأعمال الخيرية والتعجيل في تطوير الشركات غير الحكومية… بشكل خاص، أعداد كبيرة من الإداريين والتقنيين المؤهلين تحولوا من الشركات العامة إلى شركات أخرى، تحولوا في قوتهم الأساسية من أجل التطوير… في النصف الأول من العام 1994، في القيمة المضاعفة الصناعية في كل البلاد، الشركات الحكومية وغير الحكومية ساهمت في كل قضية 50% بينما الضرائب المسددة لهذه الشركات وصلت إلى 68% بشكل عام، والشركات غير الحكومية فقط ساهمت بـ 32%.

مع التحفيزات الكبيرة للشركات غير الحكومية، ابتداءا من الدعم المقدم إلى الشركات الخاصة، لا يمكن أن تكون النتائج بغير ذلك:

الاقتصاد غير الحكومي وصل برتم من التطور ضخم جدا. حسب إحصائيات العام 1992، الشركات الصناعية في القطاع غير الحكومي احتلت 50 بالمئة من القيمة الصناعية العالمية… في العام 1990، نسبة الشركات الصناعية غير الحكومية تجاوزت 56.7% في ريف تشانغ سو، 68.7% في ضواحي تشي تشانغ و58.6% في تشانغ تونغ.

حتى العام 1993 شهد تطورا متزايدا في القطاع غير الحكومي. نأخذ على سبيل المثال القطاع الصناعي. من العام 1978 حتى 1985، القيمة الصناعية ارتفعت أربع أضعاف من القيمة العالمية ووصلت إلى المركز الثالث: ومن العام 1985 إلى 1992، من المركز الثالث إلى النصف…

النمو في الشركات الصناعية الحكومية بطيء بشكل ملحوظ في مقارنة مع الصناعيات ذات أشكال الملكية الأخرى.

من 1978 إلى 1992، الشركات الصناعية نمت بنسبة 110%، الجمعيات الصناعية بنسبة 314%، والقطاعات الأخرى ظهرت من لا شيء ووصلت إلى نسبة 3.350%.

هذا الخلل في التطور في الصناعة الخاصة والحكومية حمل بقوة الأزمة وتصفية الصناعة الحكومية. المسائل يمكن شرحها، بكثير من الوضوح، من قبل مؤلفي هذا الكتيب:

“… الشركات الحكومية التي لا تزال سند الدولة كان عليها التضحية من أجل دفع تكاليف الإصلاح والتغيير وإنشاء ظروف مالية ومادية وإنسانية تتعلق في تطوير اقتصاد السوق، قطاعات اقتصادية متنوعة سلمت نفسها للمنافسة العادلة حسب قانون القيمة، وتقاليد السوق عملت بشكل مستقل مع أي شكل من أشكال الملكية… وكبحت الحكومة التدخل بشكل مباشر في الإنتاج والإدارة الخاصة بتلك الشركات. الشركات الأفضل حافظت على وجودها وتلك غير الفعالة زالت عن الوجود بفضل المنافسة في السوق”.

هذا الصراع غير المتكافئ كان له نتيجة أولية: “في الفصل الأول من هذا العام، تم تسجيل 108 ألف شركة حكومية أظهرت خسائر، للمرة الأولى، تجاوزت الأرباح”.

هل الصين قوة عالمية جديدة؟

فيما يتعلق بروسيا، الناطقون باسم الإمبريالية لا يقومون بتجنب الكارثة والتي تعني استعادة الرأسمالية. ولكن بالنسبة للصين لا يحدث الشيء ذاته. يقومون بإبراز الصين على أنها الاقتصاد الأكثر نموا في العالم. في الواقع، بين عامي 1989 و1995، نما الاقتصاد الصيني بمعدل سنوي 9.4% وبين عامي 94-95 وصلت النسبة إلى 11%. هذا في المرحلة الحالية من الرأسمالية، بدون شك نمو لافت للنظر. بهذه الطريقة، ستتنكر الصين لتعاليمها الماركسية، والتروتسكية بشكل خاص. التوجه نحو الرأسمالية لن يكون مرادف للتراجع بل للتقدم. بهذا المعدل، كما أشرنا سابقا، من الكاف التعميم بالرأي الذي يقول أن الصين تمشي نحو التحول، في وقت قصير، إلى قوة اقتصادية جديدة وكبيرة.

رؤيتنا بالنسبة لهذه السيرورة مختلفة أو، الأفضل أن نقول، معارضة. من المؤكد بأن الاقتصاد الصيني قد حصل على نمو حاد الإرتفاع. ولكن، الشكل الذي حصل فيه هذا النمو في الصين لم يكن مهددا للقوى الإمبريالية الحالية. أو على الأقل لم يكن تهديدا بالنسبة للدول الأكثر أهمية في المنطقة، والتي يطلق عليها “النمور الآسيوية”. بالإضافة إلى ذلك، الصين لم تسع إلى تحولها إلى قوة اقتصادية كبيرة، وإنما على العكس، مشت بخطى عاجلة باتجاه التحول إلى بلد شبه استعماري للإمبريالية، وهي ليست كذلك.

الصين توصلت إلى نمو كبير في اقتصادها ابتداء من الزيادة في الانتاج الزراعي والنمو الهائل في مجال التصدير. في نهاية عقد السبعينات، ومع بداية الإصلاحات الاقتصادية، كانت الصادرات الصينية تدور حول 7.4 ألف مليون دولار، وحاليا، وصلت إلى 121 ألف مليون دولار، وهذا ما وصل إلى زيادة كبيرة جدا من الاحتياطيات، والتي كانت في العام 1978 صفر وحاليا وصلت إلى 85 ألف مليون دولار.

جميع المحللين الدوليين يبرزون هذه الأرقام، ولكن نرى من المهم أيضا تسليط الضوء على بعض المسائل الاقتصادية الأخرى. أولا، كما ذكرنا سابقا، الصين بلد زراعي متخلف جدا. ثانيا، وجود زيادة كبيرة في الاستيراد (7.4 ألف مليون في العام 1978 مقابل 116 ألف مليون دولار في العام 1996). ثالثا، هناك زيادة هائلة في الدين الخارجي (4.5 ألف مليون في العام 1978 مقابل 70 ألف مليون في 1996). ورابعا، والأكثر إثارة هو الزيادات في استثمارات الشركات متعددة الجنسيات: في 1991 كانت بميزانية 430 مليون دولار لتقفز في، الربع الأول من العام 1995 إلى 16.372 مليون دولار.

تأخر الصين

إن ابتهاج الأصوات الرأسمالية (وكثير من الماركسيين) حول التطور في الاقتصاد الصيني مجمع عليه. فمثلا، الاقتصادي الصيني الشهير فان غانغ، وفي زيارة له في البرازيل، شدد على ضرورة أن نكون حذرين بشأن ما يقومون به في الصين، وبأن الاقتصاد في بلاده “ينمو جدا، ولكن يتوزع بمستوى منخفض جدا.

هذا التحذير صحيح. النمو في الاقتصاد يعتبر عنصرا هاما، ولكن نسبيا. من الضروري النظر إلى أي مستوى يصل وبأي شكل يتم تقديم هذا النمو. بهذا المعنى، من الجيد الإشارة أن النمو الأسرع في العالم ليس في الصين وإنما في بوتوسوانا، بلد صغير في القارة الإفريقية وصل إلى نمو مذهل بعد إنتاج النسيج الماسي. ولكن، من المخطأ، بهذا السبب، أن يكون لهذا البلد إمكانية التحول إلى قوة إمبريالية. ولا بفضل عدد سكانه القليل (مليون وثلاثمئة ألف نسمة)، يمكن أن يتحول إلى سويسرا جديدة.

ببساطة، الصين بلد متخلف، مع بعض التطور الصناعي. هذا التأكيد لا يأتي من مقارنة الاقتصاد الصيني مع واحدة من القوى الإمبريالية الكبرى. أيضا تأتي من مقارنة اقتصاد هذا البلد مع روسيا. فمثلا، مقارنة الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة للفرد في كل من روسيا والصين عندما بدأت الإصلاحات في كلا البلدين، يمكن ملاحظة أن روسيا تتقدم على الصين بثمان مرات، وهذا، في واقع الأمر، لم يتغير بشكل نوعي على الرغم من السقوط المدوي للاقتصاد الروسي. حاليا الناتج المحلي الإجمالي بالنسبة للفرد في روسيا يعادل خمس مرات مثيله في الصين.

لإظهار تأخر الصين، من المفيد إبراز أن 73% من السكان يعيشون في الأرياف. هذا الرقم مشابه لبلدان مثل الهند (73%)، باكستان (66%) أو نيجيريا (62%). وهو بعيد جدا عن القوى الإمبريالية الكبرى التي تملك انتاج زراعي هام، مثل الولايات المتحدة الأمريكية (24%) وفرنسا (27%) أو ألمانيا (14%). كما أنه بعيد عن بلدان أكثر تقدما يطلق عليها “العالم الثالث”، مثل البرازيل (23%). في هذا المجال يعتبر الاقتصاد الصيني متخلفا من حيث النمو.

الاستثمارات الأجنبية

إن النمو في الاقتصاد الصيني ينبغي أن يكون تهديدا بالنسبة للقوى الإمبريالية، وبشكل خاص لما يطلق عليهم “النمور الآسيوية”. ولكن الأمر ليس على هذا النحو. لأن ما يحدث، من جانب، الشركات متعددة الجنسيات الكبيرة الإمبريالية هي من تحتل السوق الصيني المحلي الكبير، ومن جانب آخر، وفي حالات كثيرة، رأس المال الأجنبي هو وراء المنتجات “صنع في الصين” والتي تجتاح السوق العالمية.

من بعد عملية الخصخصة في الاقتصاد الصيني (في العام 1978 كان يوجد 300 ألف شركة خاصة واليوم يوجد 22 مليون شركة)، وهي تمثل اجتياحا حقيقيا، ولتكون أكثر نضارة، تعتبر استعمارا حقيقيا للبلاد. وفي واجهة هذه العملية هناك الشركات الكبيرة متعددة الجنسيات. بهذا المعنى، الكراس الذي أشرنا إليه سابقا، يبرز أن “قدوم المستثمرين من أكثر من 150 بلدا ومنطقة في العالم”.

من بين أكثر من 200 شركة متعددة الجنسيات مع مستثمرين من الصين، يأتي الجزء الرئيسي من البلدان المتطورة في أوروبا وأمريكا وأيضا اليابان. هؤلاء المستثمرون ينقسمون إلى فروع صناعية متنوعة، كالمصانع الآلية، وأنظمة التحكم البرمجي، صناعة الألياف والكابلات الضوئية، مشتقات البترول، المصاعد والمنتجات الإلكترونية والكيميائية، إلخ.

شركة هويلت باكارد، الشركة الثانية لصناعة الكمبيوترات في الولايات المتحدة، أسست لها في الصين خمس شركات.  يتم توزيع منتجاهاتها عن طريق دي إتش إل، التي تملك عشرة مكاتب في الآراضي الصينية، ويتواجد هناك 26 مكتبا منذ 1996. شركة سانيو اليابانية أقامت 17 شركة في الصين، ورأس المال كان حصريا يابانيا. وشركة بيبسي كولا، متواجدة في الصين منذ عدة سنوات، وتعمل على إقامة عشر مصانع لها في العشر سنوات القادمة.

في منطقة التطور الاقتصادي والتكنولوجي في تيانجين، واحدة من النقاط الأكثر ديناميكية في النمو الصناعي في شمال الصين، مع 55 شركة متعددة الجنسيات ذات شهرة كبيرة أقامت شركات ومكاتب هناك، مثل موتورولا، إيه إس تي للكمبيوتر، كارف جينيرال إليكتريك وجميعها من الولايات المتحدة، باير وفوكسفاكن من ألمانية، نستلة من سويسرا، نوفو نورجيسك بيوتكنولجي من الدنمارك، بوك من إنكلترا؛ إتشو وياماها من اليابان؛ سامسونغ وهيونداي من كوريا الجنوبية، يونيفرسال من تايوان، تشاي تاي من تايلاند. من مئة شركة متعددة الجنسيات رئيسية في العالم، 53 منها لديها مكاتب في بكين. ومن 50 شركة أمريكية، 28 مكتب يتواجد لها في نفس المدينة.

خلال هذه السيرورة، تستحق الإشارة بشكل خاص على العلاقة الصينية مع الدول الرئيسية في المنطقة، “النمور الأسيويين”. حسب بيان البنك الدولي:

“… الانفتاح في الصين شرع المنافسة للنمور في التجارة العالمية، وهم في موقع المقاومة، استفادوا من الفرصة بتحويل مصادر التصنيع البسيطة إلى خطوط انتاج أكثر تعقيدا متسلحين بالتخصص من أجل بسط منتجاتهم في الصين… الصادرات الصينية ببساطة استبدلت بصادرات النمور الأربعة، والتي تعرضت لسقوط في المشاركة المتصلة بها في صادرات الملابس والألعاب والمنتجات الرياضية في السوق العالمية… وحدث هذا بمساعدة الاستثمارات المباشرة للنمور أنفسها، بشركاتها الخاصة، في كثير من الأشياء، ببساطة حولوا خطوطهم الإنتاجية إلى الصين. مثلا، في منطقة دلتا نهر بيرلا، غوانغ دونغ، حوالي 25 ألف شركة، والتي تشغل بشكل مباشر أو غير مباشر ثلاثة أو أربعة ملايين عاملا، يعملون بموجب عقود من الباطن لشركات من هونغ كونغ. في غضون ذلك، طور النمور معدل من التطور، بالتحول إلى انتاج منتجات بكفاءة عالية وبرأس مال واختصاصات عالية الجودة”.

في ما يتعلق بالمستثمرين، من الضروري تحليل آخر.  هناك برجوازية صينية ذات سلطة في خارج البلاد. وزن هذه البرجوازية هائل. تسيطر على ما يعادل 2.5 مليار دولار (وهذا يوازي حوالي نصف الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة). في اندونيسيا، على سبيل المثال، تقدر بأنها المالكة لـ 17 شركة من 24 مجموعة شركات ذات أهمية كبيرة في البلاد. في الفلبين، تسيطر على 75 بالمئة من عالم الأعمال. هذه البرجوازية القوية هي من قامت بعمل كبير في الاستثمارات في الصين. وبشكل رئيسي انطلاقا من هونغ كونغ (67.3 ألف مليون من الدولارات) وفي تايوان (9.8 ألف مليون).

من خلال هذه الأرقام، من الضروري التنويه وبشكل خاص، لعمل سياسي اقتصادي فوق العادة مثل إعادة تعاون كونغ هونغ مع الدولة الصينية. من وجهة النظر الجغرافية والسياسية نتحدث عن تعاون حقيقي ولكن لا نستطيع أن نقول نفس الشيء من الناحية الاقتصادية.

بعض الاستنتاجات حول الانتعاش والنمو في الاقتصاد الصيني

في بلد زراعي مثل الصين، نمو الاقتصاد، مدعوما بجزء كبير بقاعدة تصدير المنتجات المصنّعة، وهذا تناقض كبير. وفقط استطاع التقدم من خلال اندماج عاملين اثنين: اليد العاملة الهائلة، غير المتخصصة والرخيصة، من جانب، والاستثمارات الأجنبية القوية، من جانب آخر. ولكن هذا النوع من “النمو” هش، وبدرجة أبعد مصطنع. يلاحظ بعض المراقبين بأن من “المعجزات” أن تحافظ  الإمبريالية، في لحظات عديدة، على وجودها. بهذه الطريقة، الصيغة التي ينمو فيها الاقتصاد الصيني، بعيد عن الوصول إلى ذلك البلد الذي سيتحول إلى قوة جديدة، فهو يمشي، وبخطى ثابتة، لأن يكون اقتصاده معتمدا على الإمبريالية.

في اقتصاد معتمد على الإمبريالية، لن تقاتل الصين من أجل الأسواق. أي، في التنوع العالمي للعمل، تحتل الصين مكان تحافظ عليه مع الدول غير المتطورة. إن العلاقات الاقتصادية الجيدة التي تحافظ عليها الصين مع “النمور الأسيوية” تظهر هذا الأمر: هم يتنازعون على سوق المنتجات المتطورة، بينما تتصرف الصين في المنتجات التي تتطلب يد عاملة كبيرة ورخيصة، وفي كثير من الحلالت يكون رأس المال من “النمور” في أراضيها.

في جميع أنواع النمو الاقتصادي المصطنع، فهو بشكل كامل غير مستقر. في هذه الحالة، كونها مدعومة بخمسة شروط مفضلة ولكن ذات خاصية تتعلق بالوقت الحاضر فقط. هذه الشروط الخمسة هي: الانفتاح الموجود في غالبية الأسواق في العالم لدخول المنتجات الصينية الرخيصة؛ وجود ديكتاتورية تمكن التمادي في التصدير المتوحش؛ التحفيزات الخاصة بالشركات الخاصة والمدعومة للتضحية بالشركات الحكومية؛ الرواتب المنخفضة جدا، أقل بكثير من البلدات المتخلفة التي تعتبر من “العالم الثالث”؛ والأهم الاستثمارات التي تأتي من الخارج.

إن النمو في الاقتصاد هزيل للغاية ما يكفي فقط تحول واحد من هذه العوامل ليؤثر على باقي العوامل، وبهذه الحالة النمو ينقلب إلى ركود أو فتور اقتصادي. هذا هو الوضع الذي تقترب إليه الصين. إذ أن عملية استعادة الرأسمالية، مع جمعها مع الاستعمار، تشحذ التناقضات على الصعيد الاقتصادي. وهذا سيؤدي، بشكل حتمي تقريبا، إلى انفجار ما.

“المعجزات” لا تدوم طويلا. المزايا الهائلة التي تتمتع بها الشركات الخاصة من أجل المضي في تطويرها لن تدوم إلى ما لا نهاية، وبدون هذه المزايا، تدفق المستثمرين سيقل، وفي الوقت نفسه منتجات “صنع في الصين” سوف تتوقف عن المنافسة في السوق العالمية.

وهكذا، على سبيل المثال، “اليد العاملة الرخيصة” يستدل عليها، من جانب، بوجود الديكتاتورية، ومن جانب آخر بالراتب الاجتماعي الذي تحصل عليه من الدولة أو من الشركات الحكومية.

نفس الشيء يحصل مع مجموع المزايا التي تحصل عليها الشركات الخاصة، والتي لن تأتي من “العطاء الإلهي”. الشركات الحكومية، على خلاف الخاصة، عليها تحمل الضرائب المرتفعة، براتب تقاعد  (في كثير من الأحوال هو أعلى من راتب العمال وهم في عملهم). مع كمية كبيرة من الخدمات الاجتماعية، وبعد فعل هذا كله، عليها التنافس مع الشركات الخاصة ومتعددة الجنسيات، حول قاعدة قوانين السوق. النتيجة يمكن أن تكون مجرد هزيمة الشركات الحكومية وإضعاف الدولة مقابل الشركات الخاصة. يوصل هذا الواقع إلى دينامية جهنمية. لأن “المعجزة الصينية” هي، في الواقع طفيلية الدولة، وإضعافها يوصل إلى التساؤل حول النمو الاقتصادي، وأيضا الديكتاتورية التي لا تزال قائمة.

النمو الاقتصادي الصيني استطاع التطفل على الدولة، والتي استطاعت تكديس في أربعة عقود من تجريد الملكية من البرجوازية والمخططات الاقتصادية. نشهد في الصين عملية تدمير كبيرة لقوى الانتاج، مقنعة باستثمارات امبريالية.

في تناقض مع أغلبية التحليلات، نؤكد بأن الصين، مع إحياء الرأسمالية، لن تذهب على المدى البعيد سنوات من الرفاهية أو الاستقرار. على العكس من ذلك. في الأفق غير البعيد فقط يمكن رؤية أزمة، عدم استقرار وانفجارات شعبية، وسوف تغذى بالتناقضات التي تراكمت على مدار سنوات طويلة. من بينها، اثنتان منها تستحق التوضيح. أولا، يوجد بروليتاريا صينية جديدة: فقط في المؤسسات الاقتصادية الكبير لرأس المال الأجنبي يعمل حاليا عشرة ملايين عاملا. ثانيا، خصخصة الريف خلق حشد كبير من المعطلين عن العمل، حوالي مئة مليون شخص، حيث خصخصة الاقتصاد يظهر عدم القدرة على استيعابهم. هذا ما يجري في الوقت الحالي، وهذا ما تحافظ عليه الدولة. وتيان انمين كانت مجرد محاولة.

ملاحظة: الآراء الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن راي “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”