حلب من الحصار إلى الملحمة الكبرى

0
734

فيكتوريوس بيان شمس

عادت مدينة حلب السورية إلى واجهة الأحداث، بعد أن كانت مدن وبلدات أخرى أحكم النظام السوري والميليشيات الطائفية المتحالفة معه حصارها وتجويعها وقصفها لفترات طويلة،   كمعضمية الشام وداريا والقصير والزبداني ودير الزور وحي الوعر وغيرها تتصدّر عناوين الأخبار.
حلب هي أقدم مدينة مأهولة في التاريخ، كانت ذات موقع استراتيجي هام على طريق الحرير. وهي أكبر المدن السورية من حيث تعداد السكان (قرابة 5 مليون نسمة)، كما تعتبر المدينة الأهم اقتصادياً وتجارياً وزراعياً وثقافياً داخل سوريا، وعلى مستوى الإقليم بشكل عام. وفي حلب خليط من القوميات والطوائف المتداخلة التي عاشت مع بعضها لآلاف السنين، والتي عايشت وعاصرت العديد من أنظمة الحكم والإحتلالات، كان آخرها، قبل أحداث اليوم، محاولة الإحتلال الفرنسي لسوريا، تمزيق البلاد وتحويلها إلى دويلات طائفية، عندمّا قسم سوريا في العام 1920 إلى خمس دويلات، كانت حلب إحداها تحت مسمّى “الإتحاد السوري” الذي سقط فيما بعد مع انطلاق “الثورة السورية الكبرى” في العام 1925.
تراجع دور حلب في مراحل لاحقة بعد التضييق الذي مارسه عليها النظام السوري بقيادة حافظ الأسد كعقاب لها على معارضة بعض أبنائها لنظام حكمه، فيما ازدادت الأمور سوءاً بوصول بشار الأسد إلى السلطة في العام 2000، وهو الذي عمد فيما بعد لإعتماد ما يعرف بـ “اقتصاد السوق” عوضاً عمّا كان يسمّى بـ “الإقتصاد الموجّه” في فترة حكم والده، وهو الإقتصاد الذي تتولى الدولة إدارته بالكامل، ما أدّى للإصطدام بعوائق كثيرة كالهدر، والفساد، والمحسوبيات، والبيروقراطية، والروتين وغيرها. لتظهر نسب بطالة مرتفعة تراوحت في آخر إحصاء أوائل العام 2012 بحسب رضوان حبيب وزير “الشؤون الإجتماعية والعمل” بين 22و 30%. أدّى ذلك أيضاً بحسب دراسة “للمعهد العربي للتخطيط” أواخر العام 2010 لتفارق طبقي حاد، حيث استهلك (20%) من الشرائح الدنيا في المجتمع ما نسبته (7%) من حجم الإنفاق العام. بينما يقابلهم (20%) من الأثرياء، استهلكوا (45%)، أغلب هؤلاء الأثرياء الجدد  من المقرّبين والأكثر ولاء للنظام، حتى بالمعنى العائلي.
في العام  2004، وقّعت الدولة اتفاقية “منطقة التجارة الحرّة” مع تركيا، والتي دخلت حيّز التنفيذ في العام 2009، بعد أن وقّع مجلس الوزراء السوري ممثلاً بنائب رئيسه للشؤون الإقتصادية عبدالله الدردري (27) اتّفاقية في مجال النفط والغاز وتشجيع الإستثمارات وتجنّب الإزدواج والتهرّب الضريبي، واتّفاقية لإنشاء مجلس رجال الأعمال السوري التركي، وغيرها. كان لهذه الإتّفاقيات انعكاساتها المدمّرة على العديد من الحرف والصناعات السورية التي لم تستطع الصمود أمام منافسة البضائع التركية، إن من حيث الجودة، أو الأسعار، وهو ما كان يعني تراجع دور حلب بشكل خاص  في كافة المجالات.
تأخّرت مدينة حلب عن الإلتحاق بركب الثورة التي انطلقت ضد نظام الأسد الإبن في العام 2011  بعكس ريفها الذي واكب الثورة منذ لحظة انطلاقها، ولذلك أسباب تتعلّق بالتركيبة الطبقية وتمركز الرأسمال الصناعي فيها، وهو الرأسمال نفسه الذي اضطر في مرحلة لاحقة بعد وصول الثورة إلى قلب مدينة حلب للهروب إلى خارج القطر بحثاً عن ملاذات آمنة في تركيا بالدرجة الأولى، ومصر بالدرجة الثانية. كان تأخر دخول حلب على خط الثورة ذريعة لمثقفي النظام الذين حكموا على الثورة بالفشل طالما أن المدن الكبرى (دمشق وحلب) مازالت خارج المعادلة. إلا أن حلب لم تتأخر كثيراً، حيث فرضت الثورة نفسها فيها في العام التالي، وهو ما أدّى لردود أفعال انتقامية من قبل النظام وحلفائه، (ولتوخي الدقّة، يمكن القول أن النظام طوال الفترة الماضية كان يلعب دوراً لوجستياً، فيما تقوم الميليشيات الطائفية من لبنان والعراق وأفغانستان بقيادة قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني بالقتال نيابة عنه) حيث بادر هؤلاء  مباشرة لقصف المدينة بكافة أصناف الأسلحة بما فيها الأسلحة المحرّمة دولياً، كالقنابل العنقودية والحرارية والصواريخ الفراغية والفوسفورية أسوة بغيرها من المدن السورية.
في الثلاثة أشهر الأخيرة، بدأت بعض مناطق حلب، والتي تضم أكثر من (350,000) مواطن  تتعرّض لحصار مترافق بقصف دائم، أدّى لارتكاب (16) مجزرة، راح ضحيتها أكثر من (1000) شهيد منهم (165) امرأة و (331) طفلاً، إضافة إلى قصف المستشفيات، ليُدمّر منها (6) بشكل كامل، فيما لم يبقَ سوى مستشفى واحد يعمل بإمكانيات محدودة. جرى كل ذلك في ظل صمت دولي مطبق، فُهم على أنه ضوء أخضر للنظام وحلفائه، لاستكمال تدمير المدينة وتهجير ما تبقى من سكانها تمهيداً لاحتلالها وتغيير ديموغرافيتها، ليعود في 11 تموز الماضي للتصعيد بعد سيطرته على طريق الكاستيلو وهو الشريان الوحيد الذي كانت تصل من خلاله المساعدات للمحاصرين في المدينة، ليصرّح بعدها وزير الدفاع الروسي، وليس السوري، في دلالة واضحة على أن القرار بيد الروس وليس النظام السوري، أن روسيا ستضمن الخروج الآمن للمواطنين، وليس لإدخال المساعدات.
بعد أن صعّد النظام والميليشيات المتحالفة معه عملياتهم ضد حلب بغطاء جوي روسي، انتشرت الدعوات لتخصيص اليوم الأخير من تموز للفت الأنظار للمأساة التي تنتظرالمدينة تحت عنوان “يوم الغضب العالمي من أجل حلب”، لتنتشر في نفس اليوم، وبشكل مفاجئ، صور أطفال حلب على الفضائيات ومواقع التواصل الإجتماعي وهم يحرقون الإطارات المطاطية لتضليل الطيران الروسي عن أهدافه، وهو ما أثبت جدواه بالفعل، تبع ذلك توحّد العديد من فصائل الجيش السوري الحر والفصائل الإسلامية في غرفة عمليات واحدة، لتنطلق معركة تحرير  حلب تحت عنوان “ملحمة حلب الكبرى”، حيث استطاعت الفصائل المقاتلة تحرير الجزء الأكبر من المدينة وفك الحصار عنها، إضافة إلى السيطرة على العديد من المواقع والكليات العسكرية الإستراتيجية بالنسبة للنظام وحلفائه جنوب، وجنوب غرب المدينة بعد ستة أيام من المعارك الطاحنة.

في الخلاصة لا يمكن اعتبار أن المعركة انتهت بتحرير الجزء الأكبر من المدينة وفك الحصار عنها، رغم أهمية ذلك كنموذج يتعيّن على الجبهات الأخرى استخلاص العبر منه، إذ من المتوقع، أن يعمد النظام ومن معه كما العادة، لاستكمال تدمير المدينة باستخدام الطائرات ومختلف أصناف الأسلحة الأخرى انتقاماً لهزيمته.

ملاحظة: الآراء الواردة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن راي “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”