حول وفاة فيدل كاسترو

0
682

من الأمانة العامّة لـ “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”

في ليلة 25 نوفمبر 2016، توفي فيدل كاسترو، وقد تركت وفاته أثراً كبيراً على العالم.

في عام 1959، قاد فيدل كاسترو الثورة التي أطاحت بالدكتاتور فولجنسيو باتيستا، ومنذ عام 1960 بنت تلك الثورة دولة العمال الأولى في أمريكا اللاتينية بالقرب من سواحل الإمبريالية الأمريكية.
نتيجة للثورة، حقق الشعب الكوبي الانتصارات الهامة التي تم التعبير عنها من خلال التقدم الكبير: العمالة الكاملة، والغذاء، والصحة العامة، والتعليم، والقضاء أو التقليل من الشرور الاجتماعية للرأسمالية. في هذه المجالات، تجاوزت كوبا البلدان الأكثر تطوّراً منها بكثير، مثل البرازيل والمكسيك والأرجنتين. هذا أثبت الفوائد الهائلة لمصادرة وسائل الإنتاج من البرجوازية والإمبريالية، إضافة إلى الاقتصاد المخطط، والتنشئة الاجتماعية لوسائل الإنتاج الأساسية، واحتكار التجارة الخارجية. أصبح بلد فقير مثل كوبا معبّر حقيقي عن بديل ممكن من خلال مسار النضال.
الثورة الكوبية وانتصاراتها من إنجازات فيدل، وهو واحد من أكثر الشخصيات السياسية تأثيرا في النصف الثاني من القرن العشرين، وبدون أدنى شك، يُعتبر المرجع الرئيسي لليساريين في أمريكا اللاتينية بسبب المكانة التي اكتسبها بعد الثورة الكوبية وانتصاراتها.
الملايين من الشعوب في كوبا وأمريكا اللاتينية والعالم تبكي وفاة الزعيم القديم، الذين يعتبرونه رمزا لتلك الثورة. نحن نفهم هذا الألم، وندعم ونتضامن مع هؤلاء الناس الذين شعروا بفقدانهم لزعيم ثوري وافته المنية.
وكان لدينا نحن “المورينيين” ميل، منذ ستينيات القرن الماضي للتعاطف الكبير والدفاع عن الثورة الكوبية، ومع ذلك، لم يعيقنا هذا الميل من انتقاد القيادة “الكاستروية” بشدّة، لأن دولة العمال حُكمت في ظل نظام بيروقراطي، قمعي، مع عدم وجود الحريات الحقيقية للعمال والجماهير، كتأسيس المنظمات السياسية بصرف النظر عن “الحزب الشيوعي”، أو تأسيس نقابات مستقلة أخرى غير تلك التي تسمح بها الحكومة.
انتقدنا أيضا (اندماجهم في النهج الستاليني) واعتماد استراتيجية بناء “الاشتراكية في بلد واحد” و “التعايش السلمي” مع الإمبريالية، التي كانت تحاول وقف الثورات التي بدأت تنفجر في جميع أنحاء العالم. والمثال الواضح على ذلك هو نيكاراغوا: في عام 1979 عندما أنجزت القيادة الساندينية ثورة مظفّرة ضد الدكتاتور أناستازيو سوموزا، تشبه الى حد بعيد الثورة الكوبية. بعدها، سألت القيادة الساندينية فيدل كاسترو (الذي اعتبروه زعيمهم) عمّا يجب القيام به، وكان رد فيدل عليهم: “لا تجعلوا من نيكاراغوا كوبا جديدة”. وهو ما يعني: عدم المضي قدما نحو نزع الملكية في الطريق إلى الاشتراكية. وهكذا، ظلت نيكاراغوا بلد رأسمالي، وتحوّل “الساندينيين” تدريجيا إلى مجموعة من الفاسدين، إلى حزب برجوازي قمعي.
هذا التكامل مع “النظام العالمي”، كان قد بدأ منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، عندما استعاد فيدل والقيادة “الكاستروية” الرأسمالية في كوبا. هذا الواقع، حاليا لا يمكن إنكاره موضوعيا، حيث كانت له آثار عميقة، لأسباب، أولها، هو أن كوبا لم تعد من البلاد المستقلّة عن الاستعمار، كما أنها تعيش عملية متقدمة من شبه الاستعمار لأول مرة من قبل الإمبريالية الأوروبية، حيث قاموا الآن بفتح الأبواب أمام الإمبريالية الأمريكية أيضا. والثاني، هو أن القيادة “الكاستروية” (نفسها التي قادت الثورة) تحوّلت من جديد إلى البرجوازية المرتبطة بالإمبريالية. والثالث، هو أنّه منذ استعادة الرأسمالية، بدأت هذه القيادة مهاجمة، والقضاء على انتصارات عظيمة للثورة على شرور الرأسمالية التي بدأت تظهر الآن مرة أخرى، مثل البطالة والدعارة واسعة النطاق.
مع هذا، ونتيجة لذلك، وفي تناقض واضح مع الماضي المتمرّد، بدا فيدل والقيادة “الكاستروية” من المدافعين بقوة عن “النظام العالمي”، كتعبير واضح عن حقيقة (تسليم السيادة والدور السياسي لـ “الكاستروية”)، يمكننا أن نرى الإجتماعات والعناق مع باراك أوباما والبابا فرانسيس (الذين شعروا بالأسف لموت فيدل، لكن ليس بشكل رسمي).
نحن نعلم أن مواقفنا جدلية بعمق، حيث أغلب قوى اليسار تخالفنا الرأي، أكثر مما تشاركنا إياه. ولكن اختلافنا ليس من أجل الجدل في حد ذاته، حيث هناك تقليد خاطئ، يُعتمد لإسكات الانتقادات أمام الموت. هذه ليست تقاليدنا: نحن نحترم آلام الملايين الذين رأوا فيدل زعيماً لهم. لكن مع هذا، نعتقد أيضاً أن الحقيقة ثورية، ويجب ألا يتم إسكاتها، حتى في أكثر اللحظات إيلاماً.
هذا هو سبب دعمنا لفيدل الذي واجه الإمبريالية. تلك التي قام فيدل جنبا إلى جنب مع العمال الكوبيين بنزع ومصادرة ملكيتها الخاصة ووسائل إنتاجها، وهو ما أدّى لإنشاء أول دولة للعمال في أميركا اللاتينية. نحن لا ندعم، أو ندافع عن فيدل كاسترو الذي تجنّب نزع الملكية، فأعاق بذلك استمرار الثورة في نيكاراغوا وأمريكا الوسطى. نحن لا ندعم أو ندافع عن فيدل عندما نتحدّث عن النظام الشمولي البيروقراطي المفروض على الجزيرة، ولا عن فيدل الذي كان مع أخيه راؤول جنبا إلى جنب، معبّراً واضحاً عن البيروقراطية الكوبية، واستعادة النظام الرأسمالي وفتح الأبواب أمام الشركات متعددة الجنسيات.
إن قول هذه الحقيقة أمر ضروري في الوقت الحاضر، وتحديدا عندما نحتفل بمرور 100 عام على الثورة الاشتراكية، ثورة العمال في روسيا. من الضروري اليوم أكثر من أي وقت مضى، القول، أن الرأسمالية لا تولّد إلا الأزمات، في حين تؤدّي همجيتها إلى تدمير الكوكب، وهو ما يطرح الثورة الاشتراكية في الواقع كضرورة تاريخية. نحن في “الرابطة الأممية للعمال – الأممية الرابعة”، نقول للعمال والأجيال الجديدة، أن “الستالينية” ليست مرادفاً للاشتراكية، وأن تجنّب العودة المأساوية للأنظمة الرأسمالية في البلدان التي ظهرت فيها الثورات في القرن العشرين، كان ممكناً؛ لو كان هنالك قيادة ثورية مناهضة للإمبريالية، ومعادية للرأسمالية، معتمدة على المنظمات الديموقراطية المؤلّفة من الحضر والعمال الريفيين، وكل المُستَغَلّين والمظلومين.. هذه هي القيادة التي نحاول بناءها، لإسترداد الدروس المستفادة من تجربة الحزب البلشفي، الرائد الحقيقي للثورة العمالية الإشتراكية.