تاريخ الثورة الروسية: في الذكرى المئوية للثورة الروسية

1
1216

كانت الثورة الروسية، وماتزال الثورة الأكثر تأثيرا في القرن العشرين. في الذكرى المئوية سنقوم بنشر العديد من المقالات ومقاطع الفيديو لتعلّم الدروس واستخلاص العبر. نبدأ أولى منشوراتنا  بنشر مقاطع من كتاب  “تاريخ الثورة الروسية” لليون تروتسكي، ونبدأها بالقسم الأول من المدخل:

 

1- ظروف تأليف الكتاب:

في 23 أكتوبر (تشرين الأول) فُصل تروتسكي من اللجنة المركزية للحزب البلشفي، ولم يأت يوم 15 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى فُصل من الحزب. وتعرضت المعارضة الموحدة إلى ضربة عنيفة خلال المؤتمر الخامس عشر المنعقد في ديسمبر (كانون الأول)، وتفتتت في الشهر الذي تلا ذلك. ونُفي تروتسكي إلى آلما – آتا في يناير (كانون الثاني) 1928؛ حيث تابع قيادة النشاط السياسي لمعارضة يسارية قوية رغم عمليات الإبعاد والعسف التي مارسها جهاز ستالين. وانفجرت الأزمة التي بقيت كامنة في الاتحاد السوفييتي خلال شهور: ورفض الفلاحون تقديم الحبوب، وتناقص المخزون، وبدأت المجاعة تهدد المدن، التي ظهرت فيها بطاقات تموين الخبز. وتذمر الكولاك الذي كان من المنتظر أن “يتحول إلى الاشتراكية بصورة سلمية”. وأراد ستالين أن يضرب الخصم كعادته قبل أن يهاجمه. وجاءت مناوراته ضد الجناح اليميني (بوخارين، ريكوف؛ تومسكي، أوغلانوف) لتكون فاتحة أزمة جديدة داخل صفوف الحزب، ومنعطفًا حادًا نحو الجماعية والتصنيع.

وأمام التوترات الناجمة عن الصراع الجديد، والانعطاف المنتظر، وجد ستالين نفسه مضطرًا لتصفية تروتسكي بصورة نهائية؛ لأنه كان “الزعيم البديل” الوحيد الباقي أمامه بعد أن استسلم زينوفييف وكامنييف وبياتاكوف على أثر المؤتمر الخامس عشر مباشرة، وغدوا على استعداد “للزحف على بطونهم”. وكان موقف بوخارين، وريكوف، وتومسكي، يدعو إلى الاعتقاد باحتمال استسلامهم دون قتال. وهكذا كان أربعة من “الخلفاء” الستة الذين حددهم لينين في وصيته قد فقدوا كل قدرة على الصراع، وغدوا أرواحًا شبه ميتة. على حين كان الأشخاص الذين صنعوا الأمين العام، واختارهم الأمين العام بنفسه أضعف من أن يزاحموه على السلطة عند وقوع أي تمزق داخلي.

وقرر ستالين طرد تروتسكي من الاتحاد السوفييتي ليتخلص من رجل وبرنامج، ويشوِّه سمعتهما. وتقول نشرة المعارضة بأنه كان على ستالين أن يُعلن أمام المكتب السياسي ما يلي: “ينبغي إبعاد تروتسكي إلى خارج البلاد؛ (1) لأنه يتبنى أيديولوجية معارضة تتسع صفوفها يومًا بعد يوم، (2) ولتلويث سمعته في أعين الجماهير، واتهامه بالتبعية للبرجوازية بعد أن تطأ قدماه أرض بلد بورجوازي، (3) ولإلقاء الظلال على قيمته أمام البروليتاريا العالمية، لأن الاشتراكية – الديمقراطية لن تلبث أن تستخدم طرده خارج الاتحاد السوفييتي للدفاع عنه واعتباره “ضحية من ضحايا الإرهاب البلشفي”، (4) وإذا ما هاجم قيادة الحزب اتهمناه بالخيانة بلا تردد”.

وفي 16 ديسمبر (كانون الأول) 1928، قدم أحد زعماء “الإدارة السياسية للدولة”  (G.P.OU) إلى تروتسكي الإنذار النهائي التالي: أن يتوقف عن تزعم نشاط المعارضة وإلا وجد نفسه “معزولاً عن الحياة السياسية”. ورفض تروتسكي الإنذار. وفي 18 يناير (كانون الثاني) تلقى قرار طرده إلى خارج البلاد، “وقادته الإدارة السياسية للدولة” في يوم 22 وألقت به على الحدود التركية. وفي 22 فبراير (شباط) 1929، وصل إلى القسطنطينية، ولم يلبث أن وجد داره في برينكيبو أكبر جزر أرخبيل الأمراء. وأمضى في هذا المكان أربع سنوات كاملة تخللتها رحلة قصيرة إلى الدانمارك تلبية لدعوة الطلاب الاشتراكيين – الديموقراطيين الدانماركيين الذين طلبوا منه إلقاء محاضرة عن الثورة الروسية. ورفض الاشتراكيون الإنكليز والألمان منحه تأشيرة دخول إلى بلادهم، أو دفعوا حكوماتهم إلى هذا الرفض. واستمر الحال كذلك حتى عام 1933؛ حيث سمحت له حكومة دالادييه بالإقامة في فرنسا. وهكذا عاش تروتسكي في ظروف قاسية وسط جزيرة برينكيبو الصغيرة، وكان خلال إقامته بعيدًا عن الصراعات السياسية الدائرة.

وبعد 12 سنة من النضال المستمر، وبعد تنظيم الاستيلاء على السلطة في بتروغراد، وبعد المشاركة في خلق الجيش الأحمر وقيادة الصراع ضد الجيش الأبيض، وبعد الجدل العنيف داخل الأممية والمساعدة لتشكيل حزب شيوعي فرنسي لا يكون عبارة عن حزب اشتراكي – ديموقراطي مصبوغ بصبغة حمراء، وبعد كافة المجابهات العنيفة حول مسائل البناء الاقتصادي للاتحاد السوفييتي الذي تعرض لخراب شامل، وبعد معارك المعارضة اليسارية (1923 – 1924) ومعارك المعارضة الموحدة (1925 – 1927) التي هاجم تروتسكي فيها قيادة ستالين – بوخارين باسم خطة التصنيع والجماعية، وبعد المعركة ما قبل الأخيرة دفاعًا عن الثورة الصينية ضد سياسة ستالين – بوخارين الداعمة  لـ تشانغ – كاي – تشيك والكومينتانغ، وبعد العمل في آلما – آتا لممارسة دور قيادي بعيد وتوجيه المعارضة المحطمة المفتتة بتأثير الضربات والتساقط، وبعد 12 سنة من المشاركة بصنع التاريخ، جاء هدوء برينكيبو التائهة بين أمواج البحر الأسود، والتي لا يسكنها سوى حفنة من الرعاة وصيادي الأسماك، فبدا هذا الهدوء وكأنه خاتم يَمْهُر الفشل.

ولو كان المؤرخ شيشرون في مثل هذا الموقف لوجد الفرصة سانحة لإلقاء المواعظ حول ضعف “الأخلاق”. ولكن نشاط تروتسكي السياسي لم يعد “مهنة” كما كان من قبل. وفي  16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1927 كتب له صديقه القديم إبراهام أيوفيه قبل انتحاره ما يلي: “وليس للحياة البشرية من معنى إلا خلال الفترة التي تكون فيها في خدمة هدف لا نهائي، واللا نهاية بالنسبة لنا هي الإنسانية”. وسواء كان تروتسكي مفوضًا للخارجية أو الدفاع  أو محررًا لنشرة المعارضة في جزيرة من جزر البحر الأسود، فقد كان يشن المعركة نفسها التي لم يحكم عليها بناء على نتائجها المباشرة، ولا تنسجم برأيه مع حماسه واندفاعه. وهكذا استطاع تخصيص نصف المدة التي قضاها في برينكيبو لكتابة تاريخ الأحداث التي جرت قبل 12 عامًا.

وعاد تروتسكي إلى المعركة دون تأخير، ولكنه لم يكن يملك القدرة على الاشتراك فيها بصورة مباشرة. وفي يوليو (تموز) 1929 ظهر العدد الأول من نشرة المعارضة التي استمر ظهورها دون انقطاع حتى صيف عام 1939. ولكن هذا النشاط المحدود، وهذه اللقاءات العرضية مع ممثلي المعارضة الشيوعية لم تكن كافية لتعويض الفراغ الناجم عن انعدام الصراع الجدي الفعال.

ولهذا كانت سنوات برينكيبو الأربع أكثر فترات تروتسكي “الكاتب” خصبًا، وأغزرها إنتاجًا. ولعل في استخدام كلمة “الكاتب” هنا شيئًا من التجاوز لأن الكاتب يصف العالم الذي يحيط به، أو يخلق عالمه الخاص، ولم يكن تروتسكي يصف العالم إلا لتحويله. وفي عام 1929 نشر تروتسكي كتاب الثورة المشوهة” وهو مجموعة وثائق تتعلق بالتحويرات الستالينية للتاريخ. ثم عكف في الفترة الواقعة بين فبراير (شباط) وسبتمبر (أيلول) على إعداد تاريخ حياته التي قرر مدير دار فيرلاغ للنشر أنها ستكون أول ما سينشره من كتابات تروتسكي. وفي بداية سبتمبر (أيلول) تم إعداد كتاب حياتي“. ووضع له تروتسكي في
14 سبتمبر (أيلول) 1929 مقدمة يحدد فيها الإطار الذي سيضم نشاطه المقبل بقوله: “لقد رأيت الجماهير تتخلى عن الراية مرتين: الأولى عند سحق ثورة 1905، والثانية عند مطلع الحرب العالمية. ولذا فإنني أعرف عن طريق الخبرة والتجربة ماذا يعني مد التاريخ وجزره. إنهما يخضعان إلى عدد من القوانين. ولا يكفي أن يبدي المرء استعجاله لتحويلهما بسرعة أكبر. ولقد اعتدت على أن أقدر الأفق التاريخي من وجهة نظر مغايرة لوجهة النظر الخاصة بمصيري الشخصي. إن من أول واجبات الثوري أن يعرف الأسباب الحقيقية لما يجري، وأن يحدد مكانه بدقة وسط الأحداث”.

ويبرهن تروتسكي على هذا الأمر بانكبابه على كتابة “تاريخ الثورة الروسية” التي استمرت من عام 1930 حتى عام 1932. وبالرغم من اندفاعه في هذا العمل، ورغبته في أن يكون مؤرَخًا لا يرقى إليه النقد، حتى بالنسبة للأحداث الصغيرة التي يمنحها أهمية كبيرة، فإننا نجد أن المؤرخ لم يطغ على المناضل. فليس التاريخ ملاذ “الأسد العجوز” المغلوب على أمره، أو باب مأوى طالبي الراحة. ففي هذه الفترة التي كتب فيها تاريخ الثورة الذي لا يُجارى، كان تروتسكي يشن نضالاً يائسًا ضد سياسة “المرحلة الثالثة” التي مارستها قيادة الحزب الروسي، وقيادة الكومنترن. فباسم نظرية “الاشتراكية – الفاشية” والفكرة القائلة بأن “الاشتراكية – الديمقراطية والفاشية توأمان لا ينفصلان” دفعت الأممية الثالثة الشيوعيين الألمان لمهاجمة الاشتراكيين – الديموقراطيين الذين شعروا بسعادة طاغية لرفض اليد التي مدوها، وشلت البروليتاريا الألمانية في مجابهة الخطر النازي. ومنذ سبتمبر (أيلول) 1930 حتى فبراير (شباط) 1933، حاول تروتسكي من الخارج إصلاح هذا الاتجاه الذي يؤدي إلى الكارثة. وأخذ يطالب دونما كلل بخلق جبهة عمالية شيوعية – اشتراكية واحدة لقطع الطريق أمام هتلر. ورد خصومه على كل نداءاته ومحاولاته بقهقهات السخرية والتبجح: “وبعد هتلر سيأتي دورنا”.

وفي الوقت نفسه، حاول تروتسكي بكل دأب وصبر خلق معارضة يسارية في فرنسا متجاوزًا “الشخصيات” التوَّاقة لاستلام المناصب، وبعيدًا عن صراعات المجموعات والشلل، وبذل نشاطًا مماثلاً في إسبانيا. وتابع النضال ضد “تزوير التاريخ” الذي أخذ حجمًا كبيرًا  لا يمكن السكوت عنه، فنشر في عام 1932 وتحت عنوان “التزوير الستاليني للتاريخ” كُتَيِّبًا، أعاد فيه بعض ما جاء في كتاب “الثورة المشوهة”.

وهكذا يتعذر فصل تروتسكي المناضل عن تروتسكي المؤرخ خلال كتابه “تاريخ الثورة الروسية. ويشير الكاتب إلى ذلك بنفسه في مقدمة الجزء الثاني فيقول: “ولا بُدَّ أن يساعد الكتاب على فهم طبيعة الاتحاد السوفييتي. ويتمتع كتابنا بأهمية بالغة ويشكل كتاب الساعة، لا لأن أحداث ثورة أكتوبر (تشرين الأول) جرت تحت أنظار جيل لا يزال حيًّا (…) بل لأن النظام الذي انبثق عن هذه الثورة قائم يتطور، ويطرح أمام الإنسانية عددًا من الأسرار الجديدة”. ومن المؤكد أن تروتسكي لم يكتب “تاريخه” لخدمة الأغراض التكتيكية المباشرة للمعارضة اليسارية. ولا شك في أن الأستاذ الجامعي التولوزي شارل أوليفييه كاربونيل الذي رأى في الكتاب “سلاحًا ضد الستالينية” لم يقرأ الكتاب بشكل سليم؛ إذ لا يحتل ستالين في هذا الكتاب إلا مكانًا صغيرًا يماثل المكان الذي احتله منذ عام 1917، ولا تذكره إلا وثائق الأمين العام لعام 1932.