تاريخ الثورة الروسية .. 5- تاريخ ثورة أكتوبر بعد تروتسكي:

1
1485

يذكر دويتشر في الفصل المذكور آنفًا من كتابه “تروتسكي” ما يلي: “وطالما أن تاريخ الثورة الروسية لم يكتب حتى الآن في الاتحاد السوفييتي بشكل يستحق الاهتمام، فإن كتاب تروتسكي يبقى بعد مضي حوالي 50 سنة على ثورة أكتوبر، التاريخ الوحيد لمجمل الثورة”. ولعل من أهم الأمور وأكثرها دلالة، أن أفضل المؤلفات النادرة التي تبحث الثورة الروسية منذ عام 1932 كان كتيبًا صغيرًا من سلسلة Que sais-je? كتبه ف. أكس. كوكان.

وليست المؤلفات الضخمة حول هذا الموضوع (مثل مؤلفات جيراروالتر، وجان بيير أوليفييه، وشارل أوليفييه كاربونيل) سوى مؤلفات مبسطة، لا تحمل أي جديد، ولا يحس المرء فيها بريح الثورة أو زمجرتها. وإذا استثنينا من كتاب “الثورة المجهولة” لفولين، الأنوار التي يلقيها على عالم الفوضويين الروس الممزق، وعلى الحركة الماخنوفية، لوجدنا أنه عبارة عن حديث طويل ضد الدولة الوحش الدموي. ولقد كتب البروفسور كار، مؤلفًا ضخمًا يضم ثلاثة أجزاء ويحمل عنوان: “الثورة البلشفية”، ولكنه لم يكرس لثورتي فبراير (شباط) وأكتوبر (تشرين الأول) سوى ثلاثين صفحة. ويذكر في بداية الفصل المخصص لهاتين الثورتين ما يلي: “إننا بحاجة ماسة لكتابة تاريخ هذه الفترة الحيوية (…) وهناك عدد كبير من الوثائق المستقاة من المصادر الأساسية بصورة مباشرة، والتي تبحث من وجهة نظرها كتاب ميليوكوف الرائع “تاريخ الثورة الثانية”، كما تبحث كتاب تروتسكي “تاريخ الثورة الروسية”. ولكنه لا يقدم بعد هذه المقدمة إلا على رسم أحداث وتحليل فبراير (شباط) وأكتوبر (تشرين الأول) بشكل يدفعنا إلى الاعتقاد بأنه يحس بالحرج من التصدي لهذه المهمة التي يعتبرها حيوية. ويعتبر مارك فيرو آخر من أرخ للثورة، وهو يحاول العثور على الثورة وسط تتابع الأحداث، ولكن هذه المحاولة مستحيلة كل الاستحالة.

ولم تُفتح المصنفات السوفييتية منذ أيام تروتسكي إلا على استحياء. فلقد فُتحت مثلاً في العيد الخمسين لثورة أكتوبر (تشرين الأول). ونشرت دار نشر ناووكا ثلاثة أجزاء من الوثائق الخاصة بلجنة بتروغراد العسكرية الثورية. وذكر الناشرون في مقدمة هذه الطبعة ما يلي: “يعتبر إصدار هذه الوثائق والمواد الخاصة بلجنة بتروغراد العسكرية الثورية أول تجربة لنشر المعلومات الموجودة في أعماق المصنفات”.

ولقد تجدد تاريخ الثورة الروسية منذ أيام تروتسكي باتجاه “التفسير” فقط. وجاء التجديد باتجاه مزدوج متكامل؛ هو اتجاه المفهوم البوليسي للتاريخ.

ففي عام 1936 صدر في موسكو كتاب من 4 أجزاء يحمل عنوان: “تاريخ الثورة الروسية”. وهو كتاب “تم إعداده تحت إشراف مكسيم غوركي، وف. مولوتوف، وك. فوروشيلوف، وسيرج كيروف، وآ. جدانوف، وج. ستالين”، وكان هذا الكتاب ردًا صريحًا على كتاب تروتسكي. وكانت صيغة: “تم إعداده تحت إشراف…” صيغة رائعة. ومن غير المحتمل أن يكون أي واحد من “المؤلفين” المذكورين قد شارك في كتابة الكتاب سوى مشاركة رمزية لا تخرج عن حدود المراقبة. فستالين عاجز عن أن يكتب لوحده أي شيء أكثر من خطاب أو كتيب صغير مبني على الأسئلة والأجوبة. ولا يستطيع مولوتوف وجدانوف وفورشيلوف تجاوز حدود الخطابات المُعدة للمناسبات. وينطبق هذا القول على كيروف. وتأتي سيرة كيروف التي كتبها الكاتب السوفييتي كراسنيسكوف لتؤكد بأنه لم يشترك في وضع الكتاب أبدًا. ولم يكن غوركي يحس بميل خاص نحو التاريخ. ووجوده وسط هذه المجموعة المعدة للرد على تروتسكي عمل مفعم بالسخرية؛ إذ إننا لا نزال نذكر أنه كتب في أكتوبر (تشرين الأول) مقالاً في: صحيفة نوفايا جيزن وصف فيه الحكومة السوفييتية الفَتِية بـ”أوتوقراطية الوحوش”، واعتبر أن لينين “مشعوذ دجال (…) مجنون بلا حدود”. وأعلن بأن “لينين وأنصاره يظنون أن بوسعهم ارتكاب كافة الجرائم”. وأدى هذا التعاون عبر هيئة من اللجنة المركزية إلى خلق بَالِيه عجيب يختفي فيه الممثلون الحقيقيون من المشهد ليتركوا المكان لسادة الحقبة. وهكذا يختفي شليابنيكوف، وزالوتسكي، وكييوروف، وتشوغورين، وسيملغا، وبوخارين، وبياتاكوف، وبريوبرا جينسكي، وأوجين بوش، وغيرهم من مسرحية “ستالين في بلاد العجائب” التي يحاول تروتسكي فيها تخريب سلطة السوفييتات بمساعدة الخونة المغرضين: زينوفييف، وكامنييف، وسوكولنيكوف، وريازانوف. وينطبق هذا القول على آخر تاريخ للثورة الروسية صدر في الاتحاد السوفييتي (“تاريخ ثورة أكتوبر الاشتراكية الكبرى” الذي اشترك في وضعه كل من سوبوليف، وغيمبيلون، وتروكان، وتشيباييفسكي)، فهو جزء من هذا العالم العجيب، رغم احتوائه على بعض التعديلات. ويحاول هذا الكتاب حتى الآن إقناعنا مثلاً بأن “المركز العسكري الثوري الذي خلقته اللجنة المركزية وضم، بوبنوف، ودزيرجينسكي، وسفردلوف، وستالين، وأوريتسكي، كان النواة المركزية الأساسية للجنة سوفييت بتروغراد العسكرية الثورية”. فإذا عرفنا أن من المستحيل اكتشاف أي أثر لنشاط هذا المركز الذي يحاول المؤرخون الستالينيون بعثه من العدم الذي سقط فيه منذ تشكيله -والذي تركه فيه البلاشفة واضعو وثائق لجنة بتروغراد العسكرية الثورية- اقتنعنا بأن الطريق بين الأسطورة والحقيقة لا يزال طويلاً.

وفي الطرف الآخر من هذه الحكاية السخيفة يقف كتاب كاتكوف عن “الثورة الروسية”. ولم يصدر من الكتاب حتى اليوم سوى الجزء الأول المخصص للاستعدادات التي سبقت فبراير (شباط)، ولكن هذا الجزء كافٍ لتقديم أفضل تعبير عن المدرسة البوليسية الغربية. ويعود كاتكوف ليبحث من جديد “الأفكار” التي طرحها ميلغونوف في كتاب “أيام مارس“، أو الآن موريهاد في كتاب “مولد الثورة الروسية“. وهو لا يحاول أبدًا الاهتمام بالأفكار والمفاهيم التي تميز المناشفة عن الاشتراكيين – الثوريين أو عن البلاشفة، ويعتبرهم جميعًا وجوهًا مقطبة مشتركة في مؤامرة واحدة. ويرى كاتكوف أن ثورة فبراير (شباط) هي نتاج: “Revolutionierrungspolitik” التي نادى بها هيلفاند – بارفوس، وهو أحد زعماء اليسار الاشتراكي الألماني السابقين، وصديق قديم من أصدقاء تروتسكي، أثرى منذ أمد بعيد بفضل اشتغاله بالأعمال الحرة. وكان يعتبر الثورة الاشتراكية العالمية ثمرة من ثمار هزيمة التسلطية الروسية لصالح الدولة البروسية. وهذا ما دفعه إلى إقامة شبكة تضم عشرة عملاء (لم يكشف كاتكوف أسماءهم) مهمتها قلب الحكم في روسيا. ثم يتحدث كاتكوف عن أن نجاح هؤلاء العملاء في فبراير (شباط) تم بفضل أموالهم، وبفضل عدد من المؤامرات الخفية الملتوية، كما تم نجاحهم بعد ذلك بفضل لينين. ويحدثنا كاتكوف بأنه “لو رفض السويديون مرور اللاجئين السياسيين عبر السويد، لأمن الجيش الألماني سبيل مرورهم عبر خطوط الجبهة”. ومن المؤكد أنهم كانوا سيمرون شاكين الحراب وبخطوات الاستعراض الموزونة.

وهكذا تغذت عملية تفسير الثورة الروسية من منابع بونسون، وتيراي، ويان فليمينغ. وآثار كل حدث تاريخي خيال أولئك الذين يفصلون التاريخ حسب نماذج آل كابوني، ولكن استمرار تفسير ثورة أكتوبر (تشرين الأول) بصورة بوليسية رغم مرور 50 سنة على اندلاعها، ناجم من دون شك عن أن تاريخ الثورة قد أصيب بالعقم لسببين: أولهما سوء المصادر الستالينية، أما الثاني فهو عظمة “تاريخ الثورة الروسية” الذي وضعه تروتسكي. وبعد هذه الإلياذة الماركسية للثورة، لم يعد أمام مَن يجيئون بعدها سوى السير على خطى الهوميريين (مقلدي هوميروس) والتحدث عن قتال الضفادع والجرذان.

للإطلاع على الجزء ارابع من المادّة، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية.. 4- دراسة أو سرد زمني