تاريخ الثورة الروسية: مقدمة الفريد روسمر

1
1267

تمت كتابة “تاريخ الثورة الروسية” في برينكيبو، خلال الفترة الواقعة بين أواخر عام 1929، وعام 1932. ولقد أصدرت دار رييدر الطبعة الأولى للترجمة الفرنسية بأربعة أجزاء في عام 1933 – 1934. ولم يبق من هذه الطبعة في عام 1939 سوى كمية قليلة اكتشفها رجال الغستابو الألمان وأحرقوها؛ ولذا فقد انتظر الكثيرون بفارغ الشوق إعادة طبع هذا “السفر التذكاري الرائع” -كما وصفه مؤخرًا أحد نقاد صحيفة لندن تايمز؛ لأنه يملأ في الحقيقة فراغًا كبيرًا.

لقد نُفي تروتسكي في بداية عام 1929، وكان طرده خارج روسيا يعني أن المعارضة الشيوعية لم تكف عن النضال ضد السياسة التي تنتهجها قيادة الحزب الشيوعي الروسي. هذا النضال الذي أراد تروتسكي متابعته من الخارج. وتتضمن الوثائق التي استطاع الاحتفاظ بها معه معظم ما يتعلق بحياة المعارضة ونشاطها منذ أن عرف مناضلوها ظلام السجون،
أو تبعثروا في مدن آسيا الوسطى. ولذا نراه يعد المواد اللازمة لوضع كتابين ظهرا بعد ذلك مباشرة تحت عنوان “الثورة المشوهة” و”الأممية الشيوعية بعد لينين”.

وأنهى تروتسكي تدقيق سيرته الذاتية -حياتي- التي كتبها بدفع من مدير دار فيشر فيرلاغ للنشر، عندما وصل إلى برينكيبو ناشر أمريكي يدعى تشارلز بوني، وكان هذا الناشر قد التقى بتروتسكي في عام 1920 في موسكو، وأبدى استعداده لنشر كل ما يقدمه له تروتسكي، ولكنه حمل له بالإضافة إلى ذلك اقتراحًا؛ إذ قال بأن ما ينقص القارئ، وما ينتظره الجميع، هو تاريخ الثورة الروسية. وفاجأ الاقتراح تروتسكي. وكان استعداده لكتابة هذا التاريخ أقل من استعداده لكتابة سيرة حياته، وكان يود تكريس كل نشاطه وقواه للدفاع عن النظام السوفييتي بالشكل الذي أوجدته به ثورة أكتوبر (تشرين الأول). بَيْد أن الناشر أصر على اقتراحه، واكتفى بالحصول على موافقة مبدئية. وبعد عدة أشهر أنهى تروتسكي كتابة سيرته الذاتية، وأمَّن اتصالاته مع مجموعات المعارضة الشيوعية القائمة آنذاك في مختلف أنحاء العالم، وغدا واثقًا من الحصول على الوثائق اللازمة -بعد أن ضاعت مكتبته الضخمة في موسكو ولم يعد يملك منها سوى عدد قليل من الكتب- قرر البدء بكتابة هذا السِفر الضخم. وكان قد كتب قبل حوالي عشرين سنة تاريخ ثورة 1905 بعد أن شارك فيها، وكان عنصرًا أساسيًّا من عناصرها، وترأس أول سوفييت شهدته سان بطرسبورغ. وها هو الآن مقدم على كتابة تاريخ ثورة 1917 بمرحلتيها: ثورة فبراير (شباط)، وثورة أكتوبر (تشرين الأول)، وهي مهمة أكبر من سابقتها بكثير، وقام ابنه البكر ليون سيدوف بناء على توجيهاته بجمع الوثائق. وتم جمع كافة الأحداث والأقوال ومراقبتها وتدقيقها. وكان تروتسكي يحب العمل المتقن، ولكنه أراد أن يكون هذا العمل على غاية من الروعة؛ لذا فقد خصص له ثلاث سنوات من العمل الجاد الدءوب، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 1931 كتب ليون سيدوف: “ويشتغل أبي في الجزء الثاني من التاريخ كعبد من العاملين في المزارع”.

وأثار صدور الجزء الأول إعجابًا عظيمًا، وخاصة في أمريكا وإنكلترا. وقال تشارلز آبيارد عميد المؤرخين الأمريكيين آنذاك بأن تاريخ الثورة عبارة عن “واحد من أكبر الوثائق الشخصية والتاريخية في عصرنا”. وأصابت الدهشة كثيرًا من الناس عندما رأوا بأن أحد صانعي الثورة كان قادرًا على العمل كمؤرخ. وعبَّر هارولد لاسكي عن الشعور العام الذي عم أوساط النقاد البريطانيين بقوله: “إنه أهم كتاب عن الثورة الروسية ظهر حتى الآن. وواحد من المؤلفات التي لا يستطيع كل من يدرس التاريخ المعاصر تجاهلها. لقد كنَّا نعرف جميعًا بأن تروتسكي كاتب كبير، ولكنه تجاوز نفسه في هذا السِفر”.

والترجمة الفرنسية التي قدمها باريجانين صحيحة مطابقة للنص، ولقد تأكد تروتسكي من هذه الحقيقة بأن راجع بعض مقاطعها. وكان من الطبيعي وجود بعض أخطاء الطبع أو الترجمة في مثل هذا الكتاب الكبير. بَيْد أن الظروف ساعدت على تصحيحها بناء على توجيهات المؤلف. فلقد طلب مني تروتسكي خلال وجوده في كويوا كان في شتاء 1939 – 1940 أن أرتب له مكتبته ومصنفاته التي كان يعدها ليقدمها إلى مكتبة هارفارد، لأن وجودها هناك أضمن من وجودها في منزله. وراجعت في هذه الفترة معه بعض فصول “تاريخ الثورة” استعدادًا لإعادة طبع الكتاب من جديد. وكنت معتادًا على أسلوبه ومفرداته، وساعدني ذلك في التأكد من أن بعض جُمل ومفردات الترجمة الفرنسية لا تعكس ما كتبه المؤلف بشكل دقيق. فسجلت ملاحظاتي كلها، واستعنت بهذه الملاحظات فيما بعد لإدخال التصحيحات الضرورية، وتقريب النص الفرنسي من النص الأصلي.

إن نتيجة من النتائج الثانوية الناجمة عن الثورة الروسية هي: إدخال بعض الكلمات الروسية في كافة اللغات مثل: سوفييت، وبلشفي، ومنشفي. ولذا فقد أخذت هذه الكلمات معنى سياسيًّا على غاية من الدقة، مع أن ترجمتها الحرفية لا تعني أكثر من مجلس، وفرد من الأغلبية، وفرد من الأقلية. لقد كان البلاشفة والمناشفة أعضاء في حزب واحد هو الحزب العمالي الاشتراكي – الديموقراطي الروسي ولكنهم انفصلوا عن بعضهم في أحد المؤتمرات، ثم اجتمعوا وتلاقوا في مؤتمرات أخرى فيما بعد. وسنرى خلال قراءة هذا الكتاب أن اندماجهم كان مطروحًا على بساط البحث خلال الشهر الأول من ثورة فبراير (شباط)، وقبل عودة لينين إلى روسيا.

ألفريد روسمر

فبراير (شباط) 1950

 

 

للإطلاع على المادّة السابقة من مقدمة كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية .. 5- تاريخ ثورة أكتوبر بعد تروتسكي: