تاريخ الثورة الروسية .. 1- ثورة فبراير (شباط) مقدمة المؤلف

1
1222

خلال الشهرين الأولين من عام 1917 كانت روسيا لا تزال تحت حكم أسرة رومانوف الملكية. وبعد ثمانية أشهر أمسك البلاشفة زمام الأمور، مع أنهم كانوا مجهولين في مطلع العام، وكان قادتهم في لحظة صعودهم إلى السلطة متهمين بالخيانة العظمى. ويتعذر علينا أن نجد في أمثلة التاريخ حدثًا يشبه هذا التحول المفاجئ. وخاصة إذا تذكرنا أن الأمر يتعلق بأمة تضم 150 مليونًا من البشر. ومن الواضح أن أحداث عام 1917 هامة تستحق الدراسة مهما كانت وجهة النظر التي تحكم المرء عند تقييمها.

ويستوجب تاريخ ثورة من الثورات ككل تاريخ آخر، دراسة أحداث الماضي ومعرفة الشكل الذي وقعت به، ولكن هذا لا يكفي. ولا بُدَّ من العودة إلى تسلسل سرد الأحداث نفسها كيما نرى بوضوح لماذا حدثت الأمور بهذا الشكل ولم تحدث بشكل آخر. ولا يمكن دراسة الأحداث وكأنها سلسلة من المغامرات، كما لا يمكن ترتيبها بشكل متتابع بعضها وراء البعض الآخر، بناء على خط أخلاقي محدد سابقًا. ولا بُدَّ أن تتطابق الأحداث مع قانونها العقلاني الخاص. ويرى المؤلف أن مهمته تتمثل في اكتشاف هذا القانون الخاص.

إن العلامة المميزة للثورة، هي مدى المشاركة المباشرة في الأحداث التاريخية. وسواء كانت الدولة ملكية أم ديمقراطية فإنها تسيطر عادة على الأمة، ويصنع التاريخ أولئك الذين امتهنوا هذه المهنة: كالملوك، والوزراء، والبيروقراطيين، والنواب، والصحفيين. وفي المنعطفات الحاسمة، وعندما يصبح النظام القديم غير محتمل من قبل الجماهير، تحطم هذه الجماهير الحواجز التي تفصلها عن المسرح السياسي، وتقلب ممثليها التقليديين، وتخلق بذلك وضع انطلاق لنظام جديد. وعلى الأخلاقيين أن يحكموا فيما إذا كان ذلك حسنًا أو سيئًا. أما نحن فإننا نتناول الأحداث كما هي، ووفق تطورها الموضوعي. وتاريخ الثورة بالنسبة لنا هو قبل كل شيء تدخُّل عنيف تقوم به الجماهير في المجال الذي تتقرر فيه مصائرها.

وعندما يعيش المجتمع جو الثورة تكون الطبقات في حالة صراع. ومع ذلك فإن من المؤكد أن التحولات التي تنتج بين بداية الثورة ونهايتها، وتصيب القواعد الاقتصادية للمجتمع والأساس الاجتماعي للطبقات لا تكفي أبدًا لشرح مسيرة الثورة نفسها. تلك الثورة التي تقوم خلال فترة زمنية قصيرة بتحطيم مؤسسات عريقة وخلق مؤسسات جديدة لا تلبث أن تقلبها ثانية. وتتحدد ميكانيكية الأحداث الثورية بصورة مباشرة بالتحولات النفسية السريعة العنيفة الحادة التي تقع داخل الطبقات القائمة قبل الثورة.

والحقيقة أن المجتمع لا يُبدل مؤسساته بالتدريج وفق حاجاته كما يبدل الصانع أدواته. ويَعتبر المجتمع -على العكس- أن المؤسسات المسيطرة عليه عبارة عن شيء قائم إلى الأبد. ولا يمثل نقد المعارضة خلال عشرات السنين سوى صمام نقمة الجماهير، ويكون هذا النقد شرطًا من شروط استقرار النظام الاجتماعي. وهذه هي القيمة الفعلية التي حققها نقد الاشتراكية – الديمقراطية مثلاً. ولا يحرر النقمة من قيود العقلية المحافظة، ويدفع الجماهير إلى الانتفاضة، سوى وجود ظروف استثنائية جدًا، مستقلة عن إرادة الأفراد أو الأحزاب.

وهذا ما يدفعنا إلى القول بأن التبدلات السريعة التي تصيب رأي الجماهير وحالتها النفسية خلال الثورة لا تأتي من مرونة النفسية البشرية وقدرتها على الحركة، بل من طبيعتها المحافظة العميقة. وتبقى الأفكار والعلاقات الاجتماعية متأخرة من الناحية الزمنية عن الظروف الموضوعية الجديدة، حتى تجيء هذه الظروف بصورة مفاجئة وكأنها كارثة من كوارث الطبيعة، وينجم عن ذلك خلال الثورة هزات واضطرابات تصيب الأفكار والأهواء، التي لا تستطيع العقول البوليسية فهمها، فتعتبرها مجرد عمل من أعمال “الديماغوجيين”.

ولا تندفع الجماهير إلى الثورة وفق مخطط جاهز للتحويل الاجتماعي، ولكنها تندفع بسبب إحساسها المرير بعدم قدرتها على تحمل النظام القديم فترة أطول. وتملك الأوساط القيادية في الأحزاب الجماهيرية وحدها برنامجًا سياسيًّا. ويحتاج هذا البرنامج مع ذلك إلى تدقيقه خلال الأحداث، وموافقة الجماهير عليه. ويتمثل السير السياسي الأساسي لثورة ما في وعي الطبقة بالمعضلات التي تطرحها الأزمة الاجتماعية، وتوجه الجماهير بصورة فعَّالة وفق أسلوب التقريبات المتتالية. وتتدعم المراحل المختلفة لمسيرة الثورة عن طريق استبدال الأحزاب بأحزاب أخرى أكثر تطرفًا، وأشد قدرة على ترجمة اندفاع الجماهير المتزايد باستمرار نحو اليسار، حتى يتم توقف هذا المد عند الحواجز الموضوعية. عندها يبدأ رد الفعل؛ فيأخذ شكل تذمر في بعض أوساط الطبقة الثورية، وتزايد عدد اللا مبالين، وتدعيم القوى المضادة للثورة. وهذا هو على الأقل مخطط الثورات الماضية.

إننا لا نتجاهل دور الأحزاب والقادة، ولكننا لا نستطيع فهم هذا الدور إلا بدراسة التطورات السياسية وسط صفوف الجماهير. ولا تشكل الأحزاب والقادة عنصرًا مستقلاً، ولكنها تشكل مع ذلك عنصرًا هامًا من عناصر التطور. فإذا انعدم التنظيم القيادي تبددت قدرة الجماهير كبخار حر خارج أسطوانة المكبس. علمًا بأن الحركة لا تأتي من الأسطوانة أو المكبس، ولكنها تنجم عن البخار.

وتصادفنا خلال دراسة تحولات وعي الجماهير خلال فترة الثورة صعوبات مؤكدة لا تنكر. وتصنع الطبقات المسحوقة التاريخ في المصانع، والثكنات، والأرياف، والمدينة، والشارع، ولكنها لم تعتد على تسجيل كل ما تصنع. ومن المعروف أن الفترات التي تتصاعد فيها الأهواء الاجتماعية حتى تبلغ توترها الأعلى لا تترك للتأمل والوصف عادة سوى وقت جد قصير. وتجد كافة أشكال الإلهام بما في ذلك الإلهام الشعبي الذي تعتمد عليه الصحافة صعوبة كبيرة في العيش خلال الثورة. ومع هذا فإن على المؤرخ أن لا يفقد كل أمله. وتكون الملاحظات المأخوذة ناقصة، مبعثرة، صدفية. ولكن النظر إلى هذه الأجزاء تحت ضوء الأحداث، يسمح لنا غالبًا بتوقع اتجاه التطورات الخفية الكامنة وسرعة إيقاعها. فإذا ما قام حزب ثوري بتقييم تطورات وعي الجماهير توصل إلى وضع تكتيكه سواء كان هذا التكتيك صحيحًا أم خاطئًا. ويؤكد سبيل البلشفية التاريخي أن هذا التقييم كان ملائمًا، ولو ضِمن الخطوط العريضة على الأقل. فلِمَ لا يستطيع المؤرخ بعد مرور الأحداث، القيام بما يقوم به السياسي الثوري وسط معمعان الصراع؟!

ولكن التطورات التي تقع داخل وعي الجماهير لا تتم بصورة مستقلة. إن الوعي محدد بظروف وجود العامة حتى ولو لم يعجب هذا القول المثاليين وأصحاب فلسفة الخير. وكانت منطلقات ثورة فبراير (شباط) والثورة التي حلت محلها –ثورة أكتوبر (تشرين الأول)- كامنة في الظروف التاريخية لتكوين روسيا، باقتصادها، وطبقاتها، وسلطة دولتها، وتأثير الدول الأجنبية عليها. وقد يبدو وصول البروليتاريا إلى السلطة في بلد متأخر قبل غيره من البلاد لغزًا، ولكن علينا أن نبحث عن حل هذا اللغز في الطبيعة الخاصة بهذا البلد، أي في ما يميزه عن غيره من البلاد.

وتتحدث الفصول الأولى من هذا الكتاب عن الخصائص التاريخية لروسيا، ووزن هذه الخصائص النوعي. كما إنها تضم طرحًا واضحًا مبسطًا لتطور المجتمع الروسي وقواه الداخلية. وإننا لنأمل ألا تؤدي كتابة هذه الفصول على شكل خطوط عريضة إلى تذمر القارئ الذي سيجد عمل هذه القوى الاجتماعية نفسها في بقية فصول الكتاب.

وليس هذا الكتاب مبنيًّا على ذكريات شخصية. ولم تمنع مشاركة المؤلف في الأحداث من تمسكه بدعم سرده بوثائق أكيدة خضعت لمراقبة دقيقة. ويتحدث المؤلف عن نفسه عندما يفرض عليه تسلسل الأحداث ذلك. وهو يستخدم خلال الحديث صيغة “المفرد الغائب”. ولا ينبع تصرفه هذا من أسلوب أدبي اختاره لنفسه، ولكنه ينبع من أن الصبغة الذاتية المحتومة عند كتابة السيرة الذاتية أو المذكرات تصبح صبغة غير مقبولة عند دراسة التاريخ.

بيد أن اشتراك المؤلف في الصراع لم يسهل عليه فهم نفسية العناصر الأساسية والأفراد، والجماعات فحسب، بل سهَّل عليه أيضًا فهم التشابك الداخلي للأحداث. وتستطيع هذه الميزة إعطاء نتائج إيجابية شريطة عدم اكتفاء المؤلف بالاستناد إلى ذاكرته في الأمور كبيرها وصغيرها، والابتعاد عن طرح الأحداث وكأنها قائمة بمعزل عن الدوافع والحالات الفكرية السائدة. ويرى المؤلف أنه نفذ هذا الشرط بالنسبة لما يتعلق به شخصيًّا.

وتبقى مسألة واحدة –هي مسألة الوضع السياسي للمؤلف، الذي يتمسك كمؤرخ بوجهة النظر التي تبناها عندما شارك في الأحداث- ومن المؤكد أنه ليس على القارئ أن يشاطر المؤلف بالضرورة أفكاره السياسية التي لا يجد المؤلف ما يدفعه لإخفائها. ولكن القارئ يملك كل الحق بالمطالبة بأن لا يكون السِفر التاريخي مدحًا وتأييدًا لموقف سياسي، بل صورة موثوقة صادقة لتطور الثورة الأكيد. ولا يقوم الكتاب التاريخي بدوره خير قيام إلا إذا تطورت الأحداث من صفحة إلى أخرى بشكل طبيعي يتلاءم مع ضرورتها.

فهل يتحتم بالضرورة أن يتدخل ما نسميه “تجرد” المؤرخ؟ إن شخصًا ما لم يشرح بوضوح ماذا يتضمن هذا الأمر. ويردد الناس غالبًا جُملة كليمانصو المأثورة القائلة بأن من الضروري أخذ الثورة “بصورة مجملة”. ولكن هذا القول لا يخرج عن كونه تملصًا فكريًّا؛ فكيف يمكن للمرء أن يعتبر نفسه من أنصار “كل” يحمل في طياته الانقسام؟ ويعود جزء من الأسباب التي دفعت كليمانصو إلى هذا القول إلى خجله من أسلاف مصممين أكثر مما ينبغي، كما يعود جزء آخر إلى حَرَج الخَلَفِ أمام ظلالهم.

ويعتبر م. لويس مادلين أحد كبار المؤرخين الرجعيين المرموقين في فرنسا المعاصرة. وكثيرًا ما افترى هذا الرجل في الصالونات على الثورة الكبرى –أي على مولد الأمة الفرنسية-  وهو يؤكد أن على المؤرخ أن يصعد على سور المدينة المهددة، وأن ينظر من مكانه العالي إلى المحاصرين والواقعين في قلب الحصار بآن واحد. لأن هذه هي الوسيلة الوحيدة التي تسمح بالوصول إلى “العدالة التي تُؤمن الوفاق”. ومع هذا فإن مؤلفات م. مادلين تؤكد بأنه لا يتسلق السور الذي يفصل بين المعسكرين إلا ليقوم بدور رجل الاستطلاع العامل في خدمات الرجعية. ومن حسن الحظ أن حديثه مرتبط بمعسكرات الماضي، فمن الخطورة بمكان أن يقف المرء في زمن الثورة فوق الأسوار. وكلنا نعرف بأن كبار شخصيات “العدالة التي تؤمن بالوفاق” يقبعون في زمن الخطر داخل منازلهم، وينتظرون، حتى يروا الجهة التي تحقق الانتصار.

ولا يحتاج القارئ الجاد المتمتع بقسط من روح النقد إلى تجرد زائف يقدم له كأس الفكر التوفيقي الممزوج بفيض من السُم، وبمستودع من الحقد الرجعي، ولكنه يحتاج لقسط كبير من الصدق العلمي الذي لا يعبر عن تأييده أو معارضته بشكل مكشوف لا يعرف التمويه، إلا بعد أن يبني حكمه على دراسة شريفة للأحداث، واكتشاف حقيقة العلاقات بين الأمور، وتحديد
ما هو معقول في تسلسل الأحداث. وفي مثل هذه الحالة فقط تصبح الموضوعية التاريخية ممكنة، وتغدو عندئذ كافية إلى حد بعيد، نظرًا لأنَّه يتم التحقق منها وإثباتها استنادًا إلى اكتشاف القانون الداخلي للتطور التاريخي لا استنادًا إلى نوايا المؤرخ.

وتتألف مصادر هذا الكتاب من عدد كبير من: المنشورات الدورية، والصحف والمجلات، والمذكرات، ومحاضر الجلسات، بالإضافة إلى مجموعة أخرى من الوثائق بعضها مخطوط، وبعضها مطبوع وصادر عن معهد تاريخ الثورة في موسكو ولينينغراد. ولقد رأينا أنه من غير المجدي إثقال النص بهوامش وحواشي تعيق القارئ. واستعنا خلال الكتابة ببعض كتب التاريخ التي تحمل صفة الدراسات العامة لمجموع الثورة، ومن بينها مؤلف من جزأين عنوانه: “دراسات حول تاريخ ثورة أكتوبر” (موسكو – لينينغراد 1927). ويضم هذان الجزءان دراسات لعدد من المؤلفين لا تتمتع كلها بالقيمة نفسها، ولكنها تحتوي مع ذلك على مجموعة غزيرة من الوثائق الخاصة بالأحداث.

والجدير بالذكر أن كافة التواريخ المذكورة في هذا الكتاب تعتمد على التقويم القديم (تقويم جوليان). أي أنها متأخرة 13 يومًا على التقويم العام السائد في الاتحاد السوفييتي الآن (تقويم غريغوري). ولقد اضطر المؤلف إلى استخدام التقويم الذي كان مطبقًا في حقبة الثورة، وليس من الصعب تحويل التواريخ لتتلاءم مع التقويم الجديد. ولكن هذه العملية التي تساعد على تجاوز بعض الصعوبات، تؤدي في الوقت نفسه إلى خلق صعوبات أخطر. فمن المعروف تاريخيًّا أن قلب النظام الملكي تم تحت اسم ثورة فبراير (شباط). ولكن التقويم الحديث يعني أن الأحداث جرت في مارس (آذار). ولقد أخذت المظاهرة المسلحة التي جرت ضد السياسة الإمبريالية للحكومة المؤقتة اسمًا تاريخيًّا هو “أحداث إبريل”، فإذا ما استخدمنا التقويم الجديد وجدنا أنها تقع في مايو (آيار). ولن نتوقف عند سلسلة أمثلة الأحداث المتتابعة التي جرت بين فبراير (شباط)، وأكتوبر (تشرين الأول)، ولكننا سنشير إلى أن أوروبا تعتبر أن ثورة أكتوبر جرت في نوفمبر (تشرين الثاني). وهكذا نرى أن التقويم نفسه أخذ لون الأحداث وشكلها. ولا يستطيع المؤرخ التخلص من التقويم الثوري عن طريق إجراء بعض العمليات الحسابية. وليذكر القارئ بأن إلغاء التقويم البيزنطي لم يتم إلا بعد أن حطمت الثورة كافة المؤسسات الرامية إلى الحفاظ عليه.

ليون تروتسكي

برينكيبو، في 14 نوفمبر (تشرين الثاني) 1930

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: مقدمة الفريد روسمر