تاريخ الثورة الروسية .. البروليتاريا والفلاحون

0
3023

سارت البروليتاريا الروسية أولى خطواتها في الظروف السياسية لدولة تسلطية؛ لذا فقد تمرَّست في مدرسة الإضرابات الممنوعة قانونيًّا، والحلقات السرية، والمطالب غير الشرعية، والتظاهر في الشوارع، والصِدام مع الشرطة وقطاعات الجيش. وكانت هذه المدرسة النِتاج الطبيعي لوجود تطور رأسمالي سريع، وسلطة مطلقة تتخلى عن مواقعها ببطء بالغ. وأدَّى تجمع العمال في مصانع ضخمة، وقمع الدولة المركز، والزخم الناجم عن نمو بروليتاريا فتية مليئة بالنشاط، إلى جعل الإضراب السياسي -النادر في الغرب- وسيلة أساسيَّة من وسائل الصراع في روسيا. وتعتبر أرقام الإضرابات العمالية منذ بداية هذا القرن دلائل هامة بالنسبة لتاريخ روسيا السياسي. ونحن لا نود هنا إثقال النص بالأرقام، ولكننا لا نجد مندوحة عن ذكر جداول الإضرابات السياسية في روسيا في الفترة الواقعة بين 1903 و1917. فإذا ما أعدنا هذه الأرقام إلى معناها البسيط، وجدنا أنها تتعلق بالمشروعات الخاضعة لإشراف مراقبة المصانع، علمًا بأن السكك الحديدية، والصناعات المَنْجَمِيَّة والتعدينية، ومختلف الحِرف، والمشروعات الصغيرة بصورة عامة، والزراعة، لا تدخل في هذا الحساب لأسباب متعددة. ومع هذا فإن منحى الإضرابات يأخذ شكله بكل وضوح.

 

السنوات عدد المُضْرِبين السياسيين (بالآلاف)
1903 87 (*)
1904 25 (*)
1905 1843
1906 651
1907 540
1908 93
1909 8
1910 4
1911 8
1912 550
1913 502
1914 (في الأشهر الستة الأولى) 1059
1915 156
1916 310
1917 (يناير وفبراير) 575

 

وإننا لنملك هنا منحًى وحيدًا في شكله يحدد الحرارة السياسية لأمة تحمل في أعماقها ثورة كبيرة؛ ففي هذا البلد المتخلف الذي لا يضم عددًا كبيرًا من البروليتاريا -في المشروعات الخاضعة لمراقبة المصانع- حوالي 1.5 مليون عامل في عام 1905، وحوالي مليوني عامل في عام 1917! أخذت حركة الإضراب سعة لم تُعرف من قبل في أي بلد من بلاد العالم. وأدَّى ضعف الديمقراطية البرجوازية الصغيرة، وتبعثر الحركة الفلاحية وعماها السياسي، إلى اعتبار الإضراب العمالي الثوري الأداة الأساسية التي تستخدمها الأمة في فجر يقظتها لتدمير أسوار الحكم المطلق. ومن المؤكد أن مليونًا و843.000 شخص اشتركوا في الإضرابات السياسية خلال عام 1905 وحده، (يُعتبر العمال الذين اشتركوا في أكثر من إضراب كمضربين ويحسب عددهم في كل مرة)، ويكفي النظر إلى هذا الرقم حتى نحدد بكل وضوح سنة الثورة، حتى ولو كُنَّا لا نعرف أي شيء آخر عن الأحداث السياسية في روسيا.

وفي عام 1904، وهو أول أعوام الحرب الروسية – اليابانية، لم تسجل مراقبة المصانع أكثر من 25.000 مضرب. وفي عام 1905 كان عدد المشتركين في الإضرابات السياسية والاقتصادية معًا حوالي مليونين و863.000 شخص أي أكثر من عدد المضربين في السنة السابقة بـ 115 مرة. وتدل هذه القفزة الهائلة على أن البروليتاريا المدفوعة تحت ضغط الأحداث إلى ابتداع هذا النشاط الثوري العنيف الذي لم يعرف من قبل، كانت مضطرة لأن تشكل من بين صفوفها -مهما كلف الأمر- تنظيمًا يتلاءم مع حجم الصراع، وسعة المهمات المنتظرة؛ وهكذا ظهرت إلى الوجود سوفييتات (مجالس) الثورة الأولى، التي غذَّت تنظيمات الإضراب العام، والنضال في سبيل الاستيلاء على السلطة.

وعلى الرغم من هزيمة البروليتاريا خلال انتفاضة ديسمبر (كانون الأول) 1905، فإنها بذلت جهودًا بطولية للحفاظ على جزء من المواقع التي وصلت إليها في السنتين التاليتين، اللتين تدل أرقام الإضرابات على ارتباطهما بالثورة بشكل وثيق، رغم أنهما سَنَتَا تراجع ثوري. وتشير أرقام الإضرابات في سنوات (1908 – 1911) إلى أن هذه الفترة كانت فترة ثورة مضادة ظافرة. وجاءت الأزمة الصناعية في هذه الفترة لتزيد إنهاك البروليتاريا النازفة إلى أبعد مدى. وكان عمق السقوط مشابهًا لارتفاع التحليق السابق. ويمكننا أن نكشف انتفاضة الأمة بمجرد النظر إلى هذه الأرقام.

واستعادت الحياة الصناعية نشاطها اعتبارًا من عام 1910، ووقف العمال على أقدامهم من جديد، واكتسب نشاطهم دفعة جديدة. وتتشابه أرقام 1912 – 1914 مع مُعطيات 1905 – 1907 مع فارق واحد هو أن أرقام 1912 – 1914 متزايدة، على حين أن أرقام 1905 – 1907 متناقصة. وانطلق هجوم ثوري جديد من قواعد تاريخية جديدة أعلى؛ إذ زاد عدد العمال في هذه الفترة واكتسبوا خبرة أكبر. ويتشابه حجم الإضرابات في الأشهر الستة الأولى من عام 1914 مع حجم إضرابات السنة التي حددت ذروة الثورة الأولى، ولكن اندلاع الحرب أوقف مسيرة هذا التطور بشكل مفاجئ. وشهدت الأشهر الأولى ركودًا في عمل الطبقة العمالية السياسي. وما أن جاء ربيع 1915 حتى تبدد هذا الخمول، وبدأت حلقة جديدة من الإضرابات السياسية التي أدَّت إلى انتفاضة العمال والجنود في فبراير (شباط) 1917.

وأدَّى مدُّ النضال الجماهيري وجذره العنيفين المفاجئين إلى تبديل شكل البروليتاريا خلال عدة سنوات، وإعطائها شكلاً آخر لم تعرفه من قبل. وهناك مصانع لم تُحجِم قبل سنتين عن الإضراب الشامل احتجاجًا على بعض أعمال العسف البوليسية، ولكنها فقدت الآن كل مظاهر الروح الثورية، وأصبحت تتجاهل أحط جرائم السلطات ولا ترد عليها بأي احتجاج. إن الهزائم الكبيرة تثبط الهمم لفترة طويلة، وتفقد العناصر الثورية تأثيرها على الجماهير، ويبرز على سطح وعي هذه الجماهير أفكار مسبقة، وخزعبلات لم يتم التخلص منها بعد بشكل نهائي. وتختلط الجماهير الجاهلة القادمة حديثًا من الريف مع العمال، فتفقد الصفوف العمالية تماسكها وتركيزها، ويهز المتشائمون رءوسهم بسخرية. وهذا ما شهدته البلاد في فترة 1907 – 1911. ولكن حركة التطور الجزئي داخل الجماهير تشفي الجروح النفسيَّة الناجمة عن الهزائم. ويؤدي أي منعطف جديد للأحداث، أو أي دفع اقتصادي قوي إلى خلق دورة سياسية جديدة. عندها تجد العناصر الثورية من يستمع إليها، ويرتفع النضال إلى مستوًى أعلى.

ولفهم التيارين الأساسيين في الطبقة العمالية الروسية ينبغي علينا أن نعرف بأن المنشفية تشكلت خلال سنوات الرجعية والتراجع الثوري معتمدة على شريحة صغيرة من العمال الذين قطعوا صلتهم بالثورة. على حين تعرضت البلشفية لسحق رهيب خلال فترة الرجعية، ثم ارتفعت بسرعة مذهلة خلال السنوات التي سبقت الحرب حتى وصلت إلى ذروة المد الثوري الجديد. وتقول تقارير مديرية الشرطة عن نشاط البلاشفة في السنوات التي سبقت الحرب ما يلي: “إن أكثر العناصر فاعلية، وحماسًا، وقدرة على النضال بلا تعب، واستعدادًا للمقاومة والتنظيم المستمر، موجودة في المجموعات والأفراد المتحلِّقين حول لينين…”.

وفي يوليو (تموز) 1914، عندما كان الدبلوماسيون يدقون آخر المسامير في الصليب الذي ستصلب عليه أوروبا، كانت بتروغراد تعيش حالة غليان ثوري كامل. ولا شك في أن رئيس الجمهورية الفرنسية بوانكاريه قد سمع آخر أخبار معركة الشوارع مع أول انفجار المظاهرات الوطنية، وذلك عندما حضر إلى بتروغراد ليضع تاجًا على قبر ألكسندر الثالث.

فهل كان من المحتمل أن تؤدي الحركة الهجومية الجماهيرية في 1912 – 1914 إلى سقوط القيصرية لولا اندلاع الحرب؟ إننا عاجزون عن الرد على هذا السؤال بشكل مؤكد. فلقد كان تطور الأحداث يسير نحو الثورة بلا جدال. ولكن ما هي المرحلة التي كان علينا في هذه الحالة أن نجتازها؟ أفلم يكن من المحتمل إصابتنا بهزيمة جديدة؟ وما هو الوقت الذي كان على العمال أن يعملوا خلاله بغية رفع الفلاحين واكتساب الجيش؟ ولا يسعنا وسط مثل هذه الاتجاهات إلا أن نُمعن في التفكير. وعلى كل حال فقد أدَّت الحرب في بداية الأمر إلى إبطاء التطور، ثم زادت سرعته في المرحلة التالية بشكل ملحوظ، وحققت له نصرًا ساحقًا.

وما أن دارت عجلة الحرب حتى توقفت الحركة الثورية، وعبأت الحكومة المجموعات العمالية الفعالة وأعدتها للحرب، وانتزعت خِيرة العناصر الثورية من المصانع وأرسلتها إلى الجبهة، وبدأت تقمع الإضرابات بعنف بالغ، وعطَّلت الصحف العمالية، وخنقت النقابات. واستخدمت المصانع والورشات مئات الآلاف من النساء والفتيان والفلاحين، وجاءت الحرب مع انهيار الأممية فأفقدا الجماهير كل اتجاه سياسي، وسمحا لمدراء المصانع الذين رفعوا رءوسهم بإجراء أحاديث وطنية باسم مصانعهم، واجتذاب جزء لا بأس به من اليد العاملة، وإسكات أجرأ العمال وأكثرهم تصميمًا، وتضاءلت شعلة الثورة حتى غدت لهيبًا خافتًا في الحلقات الصغيرة التي آثرت الصمت. ولم يكن هناك من يجرؤ على الاعتراف في المصانع بأنه “بلشفي” كي لا يعتقله العمال المتخلفون، أو يمارسوا ضده مختلف أنواع العنف.

ولم تكن المجموعة البلشفية الصغيرة في مجلس الدوما على مستوى مهمتها عندما أعلنت الحرب. ولقد اتفقت هذه المجموعة مع النواب المناشفة وقدمت اقتراحًا تعلن فيه بأنها ستعمل على “حماية الممتلكات الثقافية للشعب ضد كل اعتداء مهما كان مصدره”، ووافق أعضاء الدوما على هذا الاستسلام بتصفيق حاد. ولم يأخذ أي تنظيم من تنظيمات الحزب ومجموعاته موقفًا مكشوفًا معاديًا للحرب مثل الموقف الذي نادى به لينين في الخارج. ومع هذا فقد كان عدد الوطنيين بين صفوف البلاشفة محدودًا جدًا. وفي هذه الأثناء بدأ بعض الشعبيين والمناشفة وبلاشفة عام 1914 الدعاية الثورية بين الجماهير عن طريق الصحافة والخطابة. ولم يلبث نواب الدوما أن تخلصوا من ذهولهم وعادوا إلى عملهم الثوري الذي كانت الحكومة مطلعة على كل تفصيلاته بفضل فروع مصالح استخباراتها. ويكفي أن نقول بأن ثلاثة من أعضاء لجنة الحزب السبعة في بطرسبورغ كانوا في عشية الحرب عملاء “للأوخرانا”. وهكذا لعبت القيصرية مع الثورة بكل سهولة.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) تم اعتقال النواب البلاشفة. وشنت الحكومة حملة شعواء لتدمير الحزب في طول البلاد وعرضها. وفي فبراير (شباط) 1915 تعرضت المجموعة البلشفية البرلمانية للمحاكمة، وتصرف المتهمون بتحفظ وحرص. ووقف كامنييف مُنَظِّر المجموعة ضد موقف لينين المعادي للحرب، وحذا حذوه بتروفسكي الذي يشغل اليوم منصب رئيس اللجنة التنفيذية المركزية في أوكرانيا. وأعلنت مديرية الشرطة بكل رضى بأن الأحكام القاسية التي صدرت ضد النواب لم تُثر أية حركة احتجاجية بين صفوف العمال.

وبدا وكأن الحرب قد جرفت الطبقة العمالية. وكان هذا صحيحًا إلى حد ما؛ ذلك لأن المصانع جددت اليد العاملة في بتروغراد بنسبة 40٪. وانقطع الاستمرار الثوري بشكل مفاجئ. واختفت أشياء كثيرة كانت قبل الحرب معروفة جدًا، وخاصة المجموعة البلشفية في مجلس الدوما، التي أصبحت في طي النسيان. وتحت المظاهر المخادعة للهدوء والوطنية، وتأييد الملكية تكونت المشاعر الملائمة لانفجار جديد.

وفي أغسطس (آب) 1915، تحدث نواب القيصر عن أن العمال “يبحثون في كل مكان لاكتشاف الخيانة، وعملاء الألمان، والتخريب الذي يجري لصالح العدو. وأنهم يبحثون بشغف لكشف المسئولين عن نكساتنا على الجبهة”. والحقيقة أن روح النقد استيقظت في هذه الفترة بين صفوف الجماهير، وظهرت هذه الروح بشكل واضح أو مُمَوَّه وكأنها تعمل لصالح “الدفاع عن الوطن”، ولم تكن هذه الفكرة أكثر من نقطة انطلاق. وجاءت نقمة العمال قبل عمليات الخرق التي ازدادت عمقًا، وأسكتت أصحاب الأعمال و”المائة السود” المنحدرين من أوساطهم، وسمحت للكادحين البلاشفة أن يرفعوا رءوسهم.

وانتقلت الجماهير من النقد إلى العمل. ووجدت النقمة والتذمر أول مخرج لهما في الاضطرابات الناجمة عن نقص المئونة، والتي أخذت هنا وهناك شكل عصيانات محلية. وأحس الشيوخ والنساء والفتيان في السوق أو في الساحة العامة بأنهم أكثر تحررًا وجرأة من العمال المعبئين في المصانع. وانحرفت الحركة في موسكو خلال شهر مايو (آيار)، وانقلبت إلى عملية نهب شملت البيوتات الألمانية. وبالرغم من أن معظم المشتركين في النهب كانوا من حثالة المدينة العاملين تحت إشراف الشرطة، فإن وقوع أعمال العنف في موسكو الصناعية يؤكد بأن العمال لم يكونوا آنذاك قد استيقظوا لدرجة تجعلهم قادرين على فرض شعاراتهم وانضباطهم على سكان المدينة البسطاء الذين فقدوا اتزانهم. وانتشرت الاضطرابات الناجمة عن سوء التموين في طول البلاد وعرضها؛ فبدد هذا الأمر سحر الحرب، وفتح الطريق أمام الإضرابات.

وأدى تدفق اليد العاملة غير المؤهلة إلى المصانع، وتسابق الرأسماليين الجنوني نحو الأرباح الناجمة عن الحرب، إلى تفاقم خطورة ظروف العمل واستخدام أساليب استغلالية وحشية. وأدى ارتفاع أسعار الحاجيات إلى انخفاض آلي بقيمة الأجور. وكانت الإضرابات الاقتصادية رد الفعل المحتوم للجماهير، وجاءت هذه الإضرابات عنيفة نظرًا لمنعها طوال فترة طويلة من الزمن. وصاحب الإضرابات اجتماعات، وعرائض سياسية، واشتباكات مع السلطة، وطلقات نارية، وسقوط عدد من الضحايا.

وبدأ النضال في المنطقة المركزية لصناعة النسيج. وفي 5 يونيو (حزيران) أطلق رجال الشرطة رشقة نارية على عمال النسيج في كوستروما. ونجم عن الحادث سقوط أربعة قتلى وتسعة جرحى. وفي 10 أغسطس (آب) أطلقت وحدات عسكرية النار على عمال إيفانوفو – فوزنيسنسك فسقط من جراء ذلك 16 قتيلاً و30 جريحًا. واتُّهم عدد من جنود الكتيبة المتمركزة في المنطقة بالمشاركة في حركة عمال صناعة النسيج. ورد الشعب على أحداث إيفانوفو – فوزنيسنسك بإضرابات احتجاجية صاخبة، واندلع في الوقت نفسه نضال اقتصادي. وكان عمال النسيج يسيرون غالبًا في الصفوف الأولى.

ولكن مقارنة عنف الحركة ووضوح شعاراتها مع معطيات حركة النصف الأول من عام 1914 تدل على أن مستوى الحركة الجديدة أقل من مستوى سابقتها، وليس هذا غريبًا: فلقد جذب تيار النضال عددًا كبيرًا من الجماهير الجاهلة، على حين كانت الشرائح العمالية القيادية تعيش حالة من الاضطراب الكامل. ومع هذا فلقد أحسَّ الجميع بسعة المعارك المقبلة وخطورتها منذ أن اندلع أول إضراب خلال الحرب. وفي 16 أغسطس (آب) أعلن وزير العدل خفوستوف ما يلي: “ولا يقوم العمال الآن بمظاهرات مسلحة لأنهم لا يملكون تنظيمًا”. وعبر غوريميكين عن رأيه بشكل أكثر دقة عندما قال: “وتكمن المسألة بالنسبة لزعماء العمال في ضعف التنظيم الذي تفتت بعد اعتقال خمسة من نواب مجلس الدوما”. وأضاف وزير الداخلية إلى ذلك قوله: “يستحيل العفو عن أعضاء مجلس الدوما (من البلاشفة) لأنهم يشكِّلون مركز تنظيم الحركة العمالية أثناء مظاهراتها الخطرة”. حقًا لقد كان هؤلاء الأشخاص قادرين على اكتشاف مكمَن الخطر الحقيقي.

وفي لحظات الهياج القصوى، كانت الوزارة مستعدة لتقديم التنازلات الليبرالية، ولكنها كانت ترى بأن عليها أن تتابع ضرب رأس الثورة العمالية، أي حزب البلاشفة. وفي هذه الفترة عملت البرجوازية الكبيرة كل ما في وسعها للتعاون مع المناشفة، وخاف الصناعيون الليبراليون من سعة الإضرابات، فحاولوا فرض انضباط وطني على العمال، وقبلوا ممثليهم المنتخبين في لجان الصناعات الحربية، واشتكى وزير الداخلية من عجزه عن معارضة بداهة غوتشكوف إلا بصعوبة فقال: “ويتم طرح هذه المسألة كلها تحت شعار الوطنية، وباسم مصالح الدفاع”. وهنا لا بُدَّ من الإشارة إلى أن الشرطة نفسها كانت تتجنب اعتقال الاشتراكيين – الوطنيين، وترى فيهم حلفاء غير مباشرين يساعدونها في الصراع ضد الإضرابات و”التطرف” الثوري. وبالغت أجهزة الأمن في اعتمادها على قوة الاشتراكية – الديمقراطية، فتشكل لديها من جراء ذلك قناعة أكيدة بعدم اندلاع أية انتفاضة طالما أن الحرب دائرة.

وعندما جرت انتخابات لجنة الصناعات الحربية حصل أنصار الدفاع الوطني وعلى رأسهم عامل التعدين النشيط غفوزدييف -الذي سنراه وزيرًا للعمل في الوزارة الثورية الائتلافية- على أقلية المقاعد، رغم أنهم تمتعوا بمختلف أنواع الدعم الذي لم تقدمه البرجوازية الليبرالية وحدها، بل ساعدتها البيروقراطية على تقديمه، بغية قلب أحزاب الحصار الخاضعة لقيادة البلاشفة، وإجبار بروليتاريا بتروغراد على انتخاب ممثليها من المجموعات الوطنية الصناعية. وأعرب المناشفة عن موقفهم بكل وضوح في خطاب ألقاه أحد ممثليهم بعد ذلك أمام الصناعيين في اللجنة نفسها، فقال: “عليكم أن تجبروا السلطة البيروقراطية القائمة حاليًّا على الانسحاب من المسرح، تاركة المكان لكم، أنتم ورثة النظام الحالي”. وتزايدت هذه الصداقة السياسية الفَتِيَّة يومًا بعد يوم. وأعطت في اليوم التالي للثورة ثمارًا ناضجة.

ودمرت الحرب التنظيمات السرية إلى حد بعيد، ولم يعد لدى البلاشفة تنظيم مركزي بعد أن أوقفت الحكومة المجموعة البرلمانية. وكان وجود اللجان المحليَّة محدودًا، ولم تكن هذه اللجان لتتصل دائمًا مع لجان النواحي، وجاء العمل من المجموعات المبعثرة، وحلقات الأفراد المنعزلين، ولكن حركة الإضرابات التي بدأت تتزايد باستمرار أعطت المجموعات المختفية في المصانع بعض الزخم. وأخذت هذه المجموعات تتقارب ويرتبط بعضها مع البعض الآخر، واستمر العمل سريًّا. وتقول أحد تقارير مديرية الشرطة ما يلي: “إن أنصار لينين الذين يقودون معظم التنظيمات الاشتراكية – الديمقراطية السرية في روسيا، قد نشروا منذ بداية الحرب في مراكزهم الأساسية (بتروغراد، وموسكو، وخاركوف، وكييف، وطولا، وكوستروما، وسامارا) كمية كبيرة من المنشورات الثورية التي تطالب بإنهاء حالة الحرب وقلب النظام الحالي، وإعلان الجمهورية. ونجم عن هذا النشاط نتيجة هامة هي دفع العمال إلى تنظيم الإضرابات والاضطرابات”.

وفي 9 يناير (كانون الثاني) 1916 أعلن العمال الإضراب على نطاق واسع بمناسبة الذكرى التقليدية لمسيرة العمال نحو قصر الشتاء. علمًا بأن هذه الذكرى مرت في السنة السابقة بكل هدوء. وارتفعت شدة الحركة الإضرابية في هذه السنة إلى الضِعف. وكانت الإضرابات القوية المصممة تنتهي بصدامات مع رجال الشرطة، ولكن موقف العمال من قطاعات الجيش كان وديًّا إلى حد بعيد. ولقد أشارت أجهزة الأمن إلى هذه الظاهرة الخطيرة أكثر من مرة.

وتضخمت الصناعات الحربية إلى حد بعيد، واستهلكت كل ما حولها من موارد، مدمرة بذلك مرتكزاتها الضرورية. وبدأت فروع الصناعة السلمية بالذبول. ولم يؤد تنظيم الاقتصاد العام إلى أية نتيجة رغم كافة الخطط والمشروعات. ولكن البيروقراطية العاجزة عن تنفيذ هذه المهمة أمام عقبات لجان الصناعات الحربية القوية، رفضت التخلي عن دورها كمنظم، وإلقاء هذه المهمة على عاتق البرجوازية. وتزايدت الفوضى إلى حد بعيد. واستبدل العمال المحنكون بعمال جدد. ولم تلبث مصانع بولونيا ومعاملها ومناجم الفحم فيها أن ضاعت. وخسرت البلاد في السنة الأولى للحرب حوالي خُمْس (1/5) مصادرها الصناعية. وخصص 50٪ من الإنتاج لتلبية متطلبات الجيش والحرب، كما خصص لهذه المهمة 75٪ من الأقمشة المنسوجة في البلاد. وكانت المواصلات المرهقة بالمطالب عاجزة عن تزويد المصانع بالكميات اللازمة من المحروقات والمواد الأولية. ولم تستهلك الحرب كافة الدخل الوطني السائل فحسب، بل أخذت تبدد ثروة البلاد ورأس مالها الأساسي أيضًا.

وأخذ الصناعيون يرفضون بالتدريج تقديم التنازلات للعمال، وتابعت الحكومة استخدام العنف ضد كل إضراب؛ وهذا ما نقل التفكير العمالي من الخاص إلى العام، ومن الاقتصادي إلى السياسي. “إن علينا أن نعلن الإضراب معًا بآن واحد”. وهكذا انبثقت من جديد فكرة الإضراب العام. وتدل الأرقام بكل وضوح على تطور عملية الجماهير وسيرها على خط أكثر راديكالية؛ ففي عام 1915 كان عدد المشتركين في الإضرابات السياسية أقل من عدد المشتركين في الإضرابات الاقتصادية بمرتين ونصف المرة. وفي عام 1916 انخفض الفرق إلى مرتين، وفي الشهرين الأولين من عام 1917 ضمت الإضرابات السياسية ستة أضعاف عدد المشتركين في الإضرابات الاقتصادية. ويمكن تحديد الدور الذي لعبته بتروغراد من الرقم التالي: كان 72٪ من المضربين السياسيين خلال سنوات الحرب من عمال العاصمة!

واستطاعت نار النضال إحراق كثير من المعتقدات القديمة. وأعلنت مديرية الأمن في أحد تقاريرها “بكل ألم” بأنه لو تم التصرف وفق القانون “في كل مرة يتم فيها ارتكاب الجرائم العلنية ضد جلالة الإمبراطور، لارتفع عدد القضايا المبنية على المادة 103 إلى رقم لم يعرف من قبل”. ومع هذا فقد تأخر وعي الجماهير بالنسبة لحركتها؛ لأن الضغط الهائل الناجم عن الحرب والفوضى أدَّى إلى الإسراع بمسيرة النضال بشكل لم يعط للجماهير العمالية الواسعة الوقت الكافي للتخلص من الأفكار والأحكام القادمة من الريف، أو من عائلات البرجوازية الصغيرة الحضرية. ولقد وضعت هذه الحقيقة بصمتها على الأشهر الأولى من ثورة فبراير (شباط).

وفي نهاية عام 1916 ارتفعت تكاليف الحياة بقفزات واسعة، وساد التضخم المالي واضطراب المواصلات، ثم زاد عليهما نقص البضائع، ونقص الاستهلاك في هذه الفترة إلى نصف حجمه المعتاد. ورسم منحى الحركة العمالية ارتفاعًا مفاجئًا. ومنذ شهر أكتوبر (تشرين الأول) 1916 دخل الصراع مرحلة حاسمة. ووحَّدت بتروغراد كل أنواع التذمر، واستندت على هذا المنطق لتقوم فبراير (شباط) الكبرى. وعجّت المصانع بالاجتماعات المتتالية. وكانت المواضيع المطروحة على بساط البحث هي: التموين، وغلاء المعيشة، والحرب، والحكومة. وانتشرت منشورات البلاشفة. واندلعت الإضرابات السياسية. وتجمعت عند مداخل المصانع مظاهرات غير معدة بشكل مسبق. وكثيرًا ما تآخى عمال بضع المصانع مع الجنود. وانفجر إضراب عنيف احتجاجًا على محاكمة البحارة الثوريين من أسطول البلطيق. وعلمت السفارة الفرنسية بوقوع حادث فتح فيه الجنود النار على رجال الشرطة، فلفتت انتباه رئيس الوزراء ستورمر إلى خطورة هذا الحادث. وطمأن ستورمر السفير بقوله: “سيكون القمع قاسيًا بلا هوادة”. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) استنفرت الحكومة عددًا من عمال بتروغراد، وعبأتهم، وأرسلتهم إلى الجبهة. وانتهت السنة وسط العواصف والأعاصير.

وقارن فاسيلييف قائد مديرية الشرطة الوضع مع الأوضاع التي سادت في عام 1905 فتوصل إلى نتائج غير مطمئنة، “لقد تزايدت روح المعارضة بين صفوف الجماهير خلال فترة الأحداث المذكورة أعلاه حتى وصلت إلى درجة غير متوقعة”. ولم يعد فاسيلييف يعتمد على حامية الموقع. وبدت له قوات الحرس المتحرك نفسها غير مضمونة بشكل كافٍ. وأشارت مديرية الأمن إلى ظهور شِعار الإضراب العام وطرحه من جديد، واحتمال العودة إلى الأعمال الإرهابية. وكان الضباط والجنود العائدون من الجبهة يقولون عن الوضع القائم ما يلي: “لِم البحث والتفتيش؛ طالما أنه لم يعد أمامنا سوى أن نطعن هذا الفاسد بالحراب؟. فإذا ما أقمنا هنا فإن من المؤكد أن إقامتنا لن تكون طويلة…”.

ويتحدث عامل التعدين شليابنيكوف -وهو أحد أعضاء اللجنة المركزية للبلاشفة- عن أن العمال كانوا يعيشون في هذه الأيام حالة هياج عصبي واضح: “وكان يكفي في بعض الأحيان أن تنطلق صفارة، أو يتبادل الناس إشاعة، حتى يعتقد العمال أنهم تلقوا إشارة البدء بالعمل”. وتتمتع هذه الملاحظة التفصيلية بأهمية بالغة نظرًا لأنها تكشف مظهرًا سياسيًّا، وصِفة نفسيَّة. فلقد كانت الثورة تنتظر بعصبية إشارة النزول إلى الشارع.

ومرت الأقاليم بالمراحل نفسها، ولكن سرعة تطور الأحداث كانت أصغر من سرعتها في العاصمة. وأدَّت كثافة الحركة واستعدادها القتالي إلى مركز الثقل من عمال صناعة النسيج إلى عمال التعدين، ومن الإضرابات الاقتصادية إلى الإضرابات السياسية، ومن الأقاليم إلى بتروغراد. وشهد الشهران الأولان من عام (1917) 575.000 مضرب سياسي، وكانت حصة الأسد من نصيب العاصمة. ورغم قيام الشرطة بعملية قمع شديدة في عشية 9 يناير (كانون الثاني)، فقد شهدت بتروغراد بمناسبة هذا اليوم الدامي إضرابًا ضم 150.000 عامل. وكانت الأفكار مضطربة إلى حد بعيد، وسار البحارة في المقدمة، وتزايد إحساس العمال بأن التراجع غدا متعذرًا. وتشكلت في كل مصنع نواة عمل وصدمة، التفت في أغلب الأحيان حول البلاشفة. وتتابعت الإضرابات والاجتماعات بلا انقطاع خلال الأسبوعين الأولين من شهر فبراير (شباط). وفي يوم 8 استقبل عمال مصنع بوتيلوف رجال الشرطة “برشقات من قطع الحديد والفحم” وفي يوم 14، أي يوم انعقاد مجلس الدوما، أضرب في بتروغراد 90.000 عامل، وأغلقت عدة مصانع أبوابها في موسكو. وفي يوم 16 قررت السلطات استخدام “بطاقات الخبز” في العاصمة، وزاد هذا التصرف الجديد من حدة الهياج والتوتر. وفي يوم 19 تجمَّع قرب مخازن الأطعمة عدد كبير من الجماهير معظمها من السناء، وأخذت تطالب بالخبز. وفي اليوم التالي انقض الأهالي في بعض أحياء العاصمة على المخابز ونهبوها. وكانت هذه الأحداث البرق المنذر بقدوم الانتفاضة التي لم تلبث أن انفجرت بعد عدة أيام.

* * *

ولم تستمد البروليتاريا جرأتها الثورية من قوتها الذاتية. وكان وضعها كأقلية داخل الأمة يؤكد على أنه لم يكن بوسعها إعطاء نضالها مثل هذا الاتساع، كما لم يكن بمقدورها بالأحرى استلام مقاليد أمور الدولة؛ لو أنها لم تجد دعمًا قويًّا في قلب الجماهير الشعبية. وكانت دعوتها لحل المسألة الزراعية السبب في حصولها على هذا الدعم.

ففي عام 1861 تم تنفيذ تحرير الفلاحين النصفي وسط اقتصاد ريفي لا يختلف مستواه عن المستوى الذي شهده خلال القرنين السابقين. وأدَّى الحفاظ على الأملاك القديمة للأراضي المشاع بعد اقتطاع أجزاء منها بصورة غير مشروعة خلال عملية الإصلاح، مع استخدام أساليب الزراعة القديمة، إلى زيادة حِدَّة أزمة كثافة السكان في الأرياف، والتي كانت أزمة نظام الدورة الزراعية خلال ثلاث سنوات. وأحست الطبقة الفلاحية بقسوة الفخ الذي وقعت فيه؛ لأن العملية تمت في القرن التاسع عشر لا في القرن السابع عشر. أي في ظروف أخذت فيها النقود دورًا اقتصاديًّا متقدمًا، وفرضت على الأساليب البدائية متطلبات لا يمكن أن تتقبلها إلا الجرارات الحديثة. ونلاحظ في هذا المجال أيضًا تطابق درجات غير متساوية من التطور التاريخي؛ نجم عنها فيما بعد تناقضات حادة جدًا.

وتحدث عدد من الاقتصاديين وعلماء الزراعة عن أن الأراضي الزراعية كافية تمامًا إذا ما تم استثمارها بشكل جيد. وكان هذا يعني دعوة الفلاح إلى إجراء قفزة واحدة تحقق له مستوى أعلى من التقنية والثقافة، دون أن يتعارض ذلك مع مصالح الإقطاعي النبيل، وقائد الشرطة والقيصر. ولكننا لا نعرف نظامًا اقتصادًًّا، وعلى الأخص لا نعرف نظامها زراعيًّا متخلفًا تخلَّى عن الأرض قبل أن يستنزف كافة إمكاناتها. وكان على الفلاح قبل البدء باستخدام أساليب الزراعة الكثيفة أن يجرب زيادة سعة استثماره عن طريق الدورة الزراعية خلال ثلاث سنوات. ولم يكن ليستطيع ذلك دون الاستيلاء على الأرض التي لا يمتلكها. وكان على الموجيك المخنوق، الشاعر بالضيق فوق المساحات الشاسعة التي يشغلها، والمسحوق تحت أعباء الضريبة والسوق، أن يعمل كل ما في وسعه لينتهي من مالك الأرض النبيل إلى الأبد.

ففي عشية الثورة الأولى، كانت المساحة الكليَّة للأرض الصالحة للزراعة في روسيا الأوروبية 280 مليون دسياتين(1) وكانت مشاعات الفلاحين تشغل 140 مليونًا منها، وكان خمسة ملايين ممنوحة من قِبل القيصر، وكانت الكنائس والأديرة تمتلك مليونين و500.000 دسياتين. وكان هناك 30.000 من كبار ملاك الأراضي يملك كل واحد منهم أكثر من 500 دسياتين، ويبلغ مجموع ما يملكونه 70 مليون دسياتين، أي ما يعادل مجمل ما تمتلكه 10 ملايين عائلة فلاحية. وكانت هذه الإحصائيات الزراعية تمثل برنامجًا جاهزًا لحرب فلاحية.

ولم تستطع الثورة الأولى تصفية الحساب مع الإقطاعيين النبلاء. ولم تثر الجماهير الفلاحية كلها دفعة واحدة. ولم تتطابق الحركة في الأرياف مع الحركة في المدن. ولم يتجرأ الجيش المكوَّن من غالبية فلاحية على اتخاذ قرار حاسم، وانتهى بأن قدم قطعات كافية لسحق العمال. وما أن انتصر فوج الحرس الإمبراطوري سيمينوفسكي على الانتفاضة في موسكو، حتى أسقطت الملكية من حسابها فكرة انتزاع جزء من الملكية الزراعية الكبيرة أو الحد من امتيازاتها الفردية المطلقة.

ولكن الثورة المسحوقة لم تمض دون أن تترك أثرها على الحياة في الأرياف؛ إذ ألغت الحكومة الديون التي سجلت في عام 1861 على حساب الفلاحين، في سبيل إعادة شراء الأراضي، وقدمت إمكانات جديدة للهجرة إلى سيبيريا. وخاف ملاك الأراضي من كل ما وقع، فخفضوا أجور الأراضي الزراعية، وأخذوا يبيعون إقطاعياتهم بعد تقسيمها. ونجم عن الثورة فوائد اغتنمها الفلاحون الموسرون القادرون على استئجار الأرض وزراعتها، أو شراء الأراضي من كبار الإقطاعيين.

وكان القانون الصادر في 9 نوفمبر (تشرين الثاني) 1906 إصلاحًا أساسيًّا من إصلاحات الثورة المضادة الظافرة، وواحدًا من أكبر التسهيلات الرامية لتشكيل مجموعة من المزارعين الرأسماليين وسط الطبقة الفلاحية. ولقد أعطى القانون الحق لعدد قليل من الفلاحين بأن يقتطعون لأنفسهم من الأرض في كافة المشاعيات قطعة أرض مستقلة حتى ولو لاقى ذلك معارضة الأغلبية. فبدا وكأنه قنبلة أطلقها المعسكر الرأسمالي ضد المشاعيات. وعرَّف رئيس الوزراء ستوليبين السياسة الحكومية الجديدة إزاء المسألة الزراعية بما يلي: “أنها مراهنة على الأقوى”. وهذا يعني دفع الشريحة العليا من الفلاحين للاستيلاء على أراضي المشاعيات عن طريق شراء حصص الأرض الممنوحة “التي غدت مستقلة”، وتحويل المزارعين الرأسماليين إلى قوة تدعم النظام. وهكذا حاولت الثورة المضادة استبدال المسألة الزراعية بمسألة مصير الكولاك (الفلاحين الموسرين)، فأدَّت هذه المحاولة إلى دق عنقها.

وفي 1 يناير (كانون الثاني) 1916، كان مليونان ونصف المليون من المزارعين قد امتلكوا مزارع خاصة بلغت مساحتها الإجمالية 17 مليون دسياتين. وطالب مليونان آخران بـ 14 مليون دسياتين. وكان بوسع السير على هذا السبيل تشكيل انتصار رائع للإصلاح. ولكن معظم المزارع المفصولة عن المشاعيات كانت محرومة من الحيوية، ولا تمثل سوى عناصر معرضة للاختيار الطبيعي المحتوم. وأخذ الملاكون المتخلفون والفلاحون الفقراء يبيعون بصورة متزايدة مزارعهم، وقطع الأرض التي يمتلكونها، وكان معظم المشترين من البرجوازية الريفية الجديدة. وسار الاقتصاد الزراعي على طريق رأسمالي واضح. وتزايدت الصادرات الزراعية الروسية، وارتفعت خلال خمس سنوات (من عام 1908 حتى عام 1912) من مليار روبل إلى مليار ونصف المليار. وهذا يعني أن الجماهير الفلاحية الواسعة أخذت تنحو منحى البروليتاريا وتأخذ شكلاً عماليًّا على حين بدأت العناصر الريفية الغنية تلقي في الأسواق كمية متزايدة من القمح.

واختفت الروابط الإجبارية لنظام المشاعيات في القرى، وحل محلها بسرعة نظام التعاون الطوعي الذي استطاع خلال عدة سنوات التغلغل بعمق بين صفوف الجماهير الفلاحية، وتبنَّته الليبرالية والديمقراطية بسرعة بالغة، ودافعتا عنه. ولكن القوة الأساسية في التعاونيات كانت بيد الفلاحين الموسرين الذين كانوا أكبر المستفيدين في نهاية المطاف. أما المثقفون الشعبيون الذين ركزوا قواهم الرئيسية على التعاون الزراعي، فقد وجهوا حبهم للشعب نحو خط البرجوازية المتين. وعلى هذا الشكل تم إعداد كتلة الحزب الاشتراكي – الثوري “المضاد للرأسمالية” مع حزب الكاديت الذي هو حزب الرأسمالية من الطراز الأول.

وحافظت الليبرالية على مظاهر معارضة السياسية الرجعية في مجال الزراعة. ولكنها كانت تنظر بأمل كبير لتدمير المشاعية الزراعية على يد الرأسمالية. ولقد كتب الليبرالي الأمير بروبتسكوي ما يلي “وتتشكل في الأرياف برجوازية صغيرة قوية تختلف بطبيعتها وتكوينها عن المثل العليا لطبقة النبلاء المتحدة، كما تختلف عن الأحلام الاشتراكية أيضًا”.

ولكن لهذه الميدالية الرائعة وجهًا آخر، إذ لم ينفصل عن المشاعيات الزراعية “برجوازية صغيرة قوية فحسب” بل انفصل عنها أيضًا نقيضها. وفي بداية الحرب ارتفع عدد الفلاحين الذين باعوا حصص أرضهم التي لا تصلح للحياة إلى مليون فلاح، وهذا يعني خمسة ملايين من السكان الكادحين السائرين على طريق التحول إلى بروليتاريا. وكان هناك متفجرات احتياطية قوية تتمثل بملايين الفلاحين المعدمين الذين لا يجدون أمامهم سوى العيش على أرضهم حياة الكفاف والمجاعة. وظهر وسط الطبقة الفلاحية من جراء ذلك تناقضات عطلت من قبل تطور المجتمع الروسي البورجوازي بمجمله.

ودعمت البرجوازية الريفية الجديدة الملاكين القدامى الذين يفوقونها قوة. ووقفت من الجماهير الفلاحية موقفًا عدائيًّا صريحًا يشبه الموقف الذي أخذه الإقطاعيون القدامى إزاء الشعب كله.

وكانت البرجوازية الريفية الجديدة بحاجة لنظام قوي مستقر يؤمن لها تثبيت مكتسباتها قبل أن تصبح هذه البرجوازية قوة فعَّالة لدعم النظام؛ ولذا فليس من المستغرب في مثل هذه الظروف أن تطرح المسألة الزراعية بصورة ملحَّة حادَّة في كافة مجالس دوما الإمبراطورية. وكان الجميع يحسون بأن الكلمة الأخيرة لم تُقل بعد. ولقد أعلن النائب الفلاحي بتريتشنكو في مجلس الدوما ما يلي: “يمكنكم متابعة مناقشاتكم كما تريدون، ولكنكم عاجزون عن خلق كرة أرضية جديدة؛ لذا فإن عليكم أن تقرروا منحنا الأرض التي نعيش عليها”. ولم يكن هذا الفلاح بلشفيًّا أو اشتراكيًّا ثوريًّا، بل كان نائبًا ملكيًّا من نواب اليمين.

وهدأت الحركة الفلاحية في نهاية عام 1907، مع تناقص مد الإضرابات العمالية. ولم تلبث هذه الحركة أن استيقظت جزئيًّا في عام 1908، ثم أخذت تتزايد وتقوى خلال السنوات التالية. ولكن جزءًا كبيرًا من الصراع تحول إلى داخل حياة المشاعيات الزراعية، واعتمدت الحسابات الرجعية على هذا الواقع. وشهدت البلاد عددًا كبيرًا من الصدامات بين الفلاحين المسلحين خلال توزيع أراضي المشاعيات الزراعية، ولكن هذا لم يقلل حدة الصراع ضد الملاك الزراعيين النبلاء. وأخذ القرويون يحرقون بلا هوادة قصور السادة، ومحصولاتهم، وأكداس التبن، ولا يستثنون ممتلكات الفلاحين الموسرين الذين بنوا أعشاشهم المنعزلة رغم إرادة المشاعيات الزراعية.

هكذا كان حال الأرياف عندما اندلعت نار الحرب، وأرسلت الحكومة إلى الجبهة حوالي 10 ملايين فلاح ومليوني حصان؛ فضعفت المشاريع الزراعية التي لم تكن في الأصل قوية. وتزايد عدد الأشخاص الذين لا يملكون أرضًا لزراعتها. وفي السنة الثانية للحرب تدهور وضع الفلاحين المتوسطين، وتزايدت كراهية الفلاح للحرب شهرًا بعد شهر. وفي أكتوبر (تشرين الأول) 1916، قدمت مديرية درك بتروغراد تقريرًا قالت فيه بأن القرويين فقدوا إيمانهم بالنصر في هذه الحرب. وتؤكد أحاديث عملاء التأمين، والمدرسين، والتجار، وغيرهم من الأشخاص “أن الجميع ينتظرون انتهاء هذه الحرب الملعونة بفارغ الصبر”، علاوة على ذلك فقد كان الناس يناقشون القضايا السياسية في كل مكان، ويصوتون على مقررات ضد الملاك الزراعيين النبلاء، والتجار. وتقوم مختلف التنظيمات بخلق الخلايا… ولا يوجد حتى الآن مركز واحد، ولكن علينا أن نفكر بأن الفلاحين سيجدون وحدتهم عبر التعاونيات التي تتزايد ساعة بعد أخرى في كافة أرجاء روسيا”. وفي هذا التقرير كثير من المبالغات. فقد استبق تقرير مديرية الدرك الأحداث، ولكن تحليله كان صحيحًا في جوهره.

ولم يكن بوسع الطبقات المالكة أن تتجاهل احتمال قيام الأرياف بتقديم لائحة الحساب، ولكنها كانت تحاول طرد الأفكار القديمة؛ آملة حل الأمور بشكل أو آخر. ولقد تحدث السفير الفرنسي باليولوغ بهذا الصدد خلال الحرب مع وزير الزراعة السابق كريفوشيئيف، ورئيس الوزراء السابق كوكوفتسيف، والمالك الزراعي الكبير الكونت بوبرينسكي، ورئيس مجلس دوما الإمبراطورية رودزيانكو، والصناعي الكبير بوتيلوف، وعدد من الشخصيات المرموقة؛ فاستنتج من محادثاته كلها ما يلي: إن تحقيق إصلاح جذري في المسألة الزراعية يتطلب استخدام جيش دائم يضم 300.000 مسَّاح خلال 15 سنة على الأقل. ولكن عدد الاستثمارات الزراعية سيرتفع خلال هذه الفترة إلى 30 مليونًا؛ فتفقد كافة الحسابات الأوَّلية من جراء ذلك قيمتها. وهكذا كان الملاك الزراعيون النبلاء، وكبار الوجهاء، ورجال المال، يرون أن الإصلاح الزراعي عبارة عن مسألة هندسية لا حل لها. وغني عن الذكر أن مثل هذه الاهتمامات الخاصة بعلماء الرياضيات كانت بعيدة كل البعد عن عقلية الموجيك. وكان الفلاح يرى أن من الضروري البدء قبل كل شيء بإخضاع السيد الإقطاعي، ثم العمل بعد ذلك على بحث كافة الأمور الأخرى.

ويرجع بقاء الأرياف هادئة نسبيًّا خلال سنوات الحرب إلى وجود القوى الفلاحية الفعالة في جبهة القتال. ولم ينس الجنود مسألة الأرض أبدًا، وخاصة عندما لم يعودوا يفكرون بالموت. وتشبعت أفكار الموجيك عن المستقبل برائحة البارود التي تملأ الخنادق. ومع هذا، لم تكن الطبقة الفلاحية -رغم تدربها على استخدام السلاح- قادرة وحدها على تحقيق الثورة الزراعية الديمقراطية، أي الثورة التي تبغيها. وكانت بحاجة ماسة لقيادة. ولأول مرة في التاريخ العالمي اتخذ الفلاح من العامل دليلاً. وهذا هو الشيء الأساسي الذي يميز الثورة الروسية بشكل واضح عن كافة الثورات التي سبقتها.

لقد اختفت القنانة في إنكلترا عمليًّا مع نهاية القرن الرابع عشر، أي قبل استخدام روسيا لهذا الأسلوب بقرنين، وقبل إلغائه في روسيا بأربعة قرون ونصف. واستمرت عملية استيلاء الطبقة الفلاحية الإنكليزية على الأرض خلال إصلاح وثورتين، وامتدت حتى القرن التاسع عشر. ولم يتعرض تطور الرأسمالية الإنكليزية لأي ضغط خارجي؛ لذا فقد وجد الوقت اللازم لوضع حد لاستقلالية القرويين، قبل أن تستيقظ البروليتاريا وتبدأ الحياة السياسية بزمن بعيد.

وفي القرن الثامن عشر استطاع الصراع ضد الملكية المطلقة، والأرستوقراطية، وأمراء الكنيسة في فرنسا إجبار مختلف شرائح البرجوازية على تنفيذ ثورة زراعية جذرية متدرجة على مراحل. وما أن وصل الفلاحون الفرنسيون إلى استقلالهم حتى غدوا -ولفترة طويلة- قوة داعمة مضمونة بيد البرجوازية. وفي عام 1871 ساعد هؤلاء الفلاحون البرجوازية على سحق الكومونة.

وظهرت البرجوازية الألمانية عاجزة عن تقديم حل ثوري للمسألة الزراعية، وسلمت الفلاحين في عام 1848 للسادة الريفيين، تمامًا مثلما فعل لوثر قبل أكثر من ثلاثة قرون عندما ترك المعدمين الثائرين لقمة سائغة بين يدي أمراء الإمبراطورية. ومن جهة أخرى، كانت البروليتاريا الألمانية في منتصف القرن التاسع عشر أضعف من أن تستلم قيادة الطبقة الفلاحية؛ لذا حصل تطور الرأسمالية في ألمانيا على فترة لا تعادل الفترة التي تمتعت بها الرأسمالية الإنكليزية، ولكنها كانت كافية لإخضاع الاقتصاد الزراعي الذي خرج من ثورة برجوازية غير متكاملة.

وكان إصلاح وضع الفلاحين الروس في عام 1861 عملاً من أعمال ملكية يقودها النبلاء والموظفون تحت ضغط متطلبات المجتمع البورجوازي، وكانت البرجوازية آنذاك ضعيفة سياسيًّا إلى حد بعيد. وكانت طبيعة تحرر الفلاحين قد جعلت تحول البلاد السريع على طريق الرأسمالية يقلب المسألة الزراعية إلى مسألة الثورة. وكان البورجوازيون الروس يحلمون بتطور زراعي على غرار التطور الفرنسي أو الدانماركي أو الأمريكي، أو على غرار أي تطور آخر باستثناء التطور الروسي، ولكنهم لم يفكروا أبدًا بالإفادة من التاريخ الفرنسي في الوقت الملائم، أو دراسة التكوين الاجتماعي في أمريكا. وتجاهل المثقفون الديموقراطيون ماضيهم الثوري، ولم يقفوا في الساعة الحاسمة مع الأرياف الثورية، بل وقفوا إلى جانب البرجوازية الليبرالية، وملاك الأراضي النبلاء؛ لذا كانت الطبقة العمالية في هذه الظروف الطبقة الوحيدة القادرة على قيادة الثورة الفلاحية.

ويتمثل قانون التطور المشترك للبلاد المتخلفة -بمعنى أن تشترك به العناصر المتخلفة مع العوامل المتقدمة جدًا- بالنسبة لنا بشكل متكامل واضح، ويقدم مفتاح لغز الثورة الروسية. فلو أن المسألة الزراعية الموروثة من البربرية وتاريخ روسيا القديم وجدت حلها على يد البرجوازية، وانتهت إلى صيغة ملائمة، لما توصلت البروليتاريا الروسية إلى الاستيلاء على السلطة في عام 1917. ولكي يتم تأسيس الدولة السوفييتية كان لا بُدَّ أن يقترب ويدخل بآن واحد عاملان تاريخيان مختلفان كل الاختلاف هما: حرب فلاحية؛ أي حركة تحدد فجر التطور البورجوازي، وانتفاضة بروليتارية؛ أي حركة تبشر بغروب مجتمع البرجوازية. ويرتسم عام 1917 كله في هذه الحقيقة.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية: خصائص تطور روسيا