تاريخ الثورة الروسية .. القيصر وزوجته

1
762

لا يستهدف هذا الكتاب بأية حال من الأحوال إجراء أبحاث نفسية مستقلة يحاول البعض في هذه الأيام اللجوء إليها بدلاً من إجراء التحليل الاجتماعي والتاريخي. ويتجه حقل مراقبتنا الأساسي قبل كل شيء نحو القُوى الكُبرى المحرِّكة للتاريخ، والتي تتسم بأنها أعلى من مستوى الأشخاص، وتعتبر الملكية إحدى هذه القوى. ولكن جميع هذه القوى تعمل عن طريق وسائل شخصية. وترتبط الملكية بالشخصية الفردية نظرًا لأن مبدأها يفرض عليها ذلك؛ ومن هنا يأتي تبرير الاهتمام بشخصية الحاكِم الذي وضعه التطور التاريخي في مواجهة الثورة. وإننا لنأمل أن نكشف فيما بعد، ولو جزئيًّا، حدود الأمور الفردية داخل الفرد نفسه –وهي في أغلب الحالات حدود أضيق مما يبدو للبعض– وقد لا تكون “الصفة الخاصة” في كثير من الظروف سوى الطابع الفردي لقانون عام أعلى من ذلك.

لقد ورث نيقولا الثاني عن أسلافه إمبراطورية واسعة، كما ورث الثورة أيضًا. ولم يكن هذا القيصر يتمتع بالصفات اللازمة لحكم إمبراطورية، أو مقاطعة، أو مجرد ناحية صغيرة. ولم يأبه آخر قياصرة أسرة رومانوف بالجزر التاريخي الذي كانت أمواجه الهادرة تقترب من باب القصر يومًا بعد يوم، وجابه هذا الجزر بلا مبالاة كاملة وكأن بين عقليَّته وعصره حاجزًا خفيفًا، ولكنه كَتِيم لا يمكن النفوذ منه.

وما أن انتهت الثورة حتى تحدثت الشخصيات التي عاشرت القيصر عن أنه كان يحتفظ بكامل هدوئه في أحرج لحظات حكمه وأكثرها مأساوية، مثل: سقوط بورت آرثور، وغرق الأسطول الروسي في تو – شيما، وقيام الجيش الروسي بعد عشر سنوات بقتال تراجعي طويل، والتخلي عن غاليسيا، والأيام التي سبقت التنازل عن العرش. وكان الإمبراطور يتابع الاهتمام بطول المسافة التي قطعها في رحلاته عبر روسيا، ويذكر حوادث الصيد التي شهدها من قبل، ويتحدث عن بعض القصص الطريفة الخاصة بالمآدب الرسمية، أي أنه كان يهتم بتفاهات حياته العادية، رغم هدير الرعد فوق رأسه، وظهور البرق الخاطف في سمائه. ولقد تساءل أحد الجنرالات المقربين للقيصر: “ماذا يعني كل هذا؟ هل هو تمالك رائع للنفس يرجع إلى التربية، والإيمان المطلق بالقدرة الإلهية، أم أنه نقص في وعي الأحداث؟” ويتضمن السؤال في حد ذاته نصف الجواب. ولا يمكن اللجوء إلى مجرد الترويض السطحي لتفسير ما يسمونه “تربية” القيصر، وقدرته على ضبط نفسه في الظروف العصيبة. فقد كان في أعماقه لا مبالاة داخلية أكيدة، وفقر كبير بالقوى المعنوية، وضعف في قوة الإرادة. وكان قناع اللامبالاة الذي يطلق عليه في بعض الأوساط اسم “التربية” يختلط بصورة طبيعية مع ملامح نيقولا نفسها.

وتتمتع مذكرات القيصر الشخصية في هذا الصدد بأهمية تفوق كل شهادة أخرى. وكانت هذه المذكرات تحمل على مدى الأيام والسنين التعابير الدالة على فراغه المعنوي. “وتنزهت طويلاً وقتلت غرابين. وتناولت الشاي قبل أن يحل الظلام” وهكذا تصادفنا في مذكراته النزهات سيرًا على الأقدام، والتجذيف، ومزيد من الغربان المقتولة، ويلي ذلك تناول الشاي وكلها أمور لا تتجاوز حدود القضايا المادية البحتة. وتتحدث المذكرات عن الاحتفالات الدينية بلهجة تماثل لهجة الحديث عن حفلات السُكْر.

وفي عشية افتتاح مجلس دوما الإمبراطورية، وعندما كانت البلاد كلها تعيش حالة غليان واضح، كتب نيقولا ما يلي: “14 أبريل (نيسان)، تنزهت بقميص شفاف، وعدت إلى التجذيف. وتناولت الشاي على الشرفة، وجذفت ستانا معنا ثم شاركتنا العشاء. ولجأت بعد ذلك إلى القراءة”. وليس هناك كلمة واحدة عما قرأه: فهل قرأ رواية عاطفية إنكليزية، أم تقريرًا من تقارير الشرطة؟ “15 أبريل (نيسان)، قبلت استقالة ويت. تعشى معنا اليوم ماري وديميتري، ثم عادا إلى القصر بالعربة”.

وفي اليوم الذي تقرر به تأجيل انعقاد مجلس الدوما!، وعندما كان كبار الوجهاء وعدد كبير من أفراد الدوائر الليبرالية يعيشون حالة قلق وخوف من تطور الأمور، كتب القيصر في مذكراته الشخصية ما يلي: “7 يوليو (تموز) الجمعة. صبيحة مليئة بالمشاغل. تأخرت نصف ساعة عن حضور غذاء الضباط… وهبَّت عاصفة ثقيلة، وكان الجو خانقًا. تنزهنا معًا. استقبلت غوريميكين، ووقعت المرسوم الخاص بتعطيل اجتماعات مجلس الدوما. تعشيت عند أولغا وبيتيا، وقرأت طوال السهرة”. إن إشارة التعجب المكتوبة بعد نبأ تعطيل اجتماعات مجلس الدوما، تمثل أقصى انفعالات القيصر.

وتبعثر نواب الدوما، وأخذوا يحثون الشعب على رفض دفع الضرائب، والتخلف عن أداء الخدمة العسكرية. ووقع عدد من حركات التمرد العسكرية في سفيابورغ، وكرونشتادت، وعلى المراكب الحربية، وفي ثكنات القطعات البرية. وعرف الإرهاب الثوري الموجه ضد كبار الشخصيات تزايدًا ملحوظًا لم يُعهد من قبل. ووسط هذا الجو كتب القيصر: “9 يوليو (تموز) الأحد. لقد تم العمل! ومجلس الدوما اليوم مغلق. وعندما جلسنا للغداء بعد تأدية مراسيم الصلاة لاحظت عددًا من الوجوه المقطبة… الجو بديع. قابلنا خلال النزهة العم ميشا، الذي جاء البارحة من غاتشينا للإقامة هنا. ولقد عملت حتى حلول موعد العشاء، كما عملت طوال السهرة بكل هدوء، وتنزهت بالقارب”. إن تنزهه بالقارب أمر مفهوم. ولكن بِمَ عمل؟ إنه لا يتحدث عن ذلك والأمر متشابه في كل مرة.

ولننظر بعد ذلك إلى ما كتبه في الأيام الحاسمة: “14 يوليو (تموز). ارتديت ملابسي، وامتطيت دراجتي للذهاب إلى حمام السباحة. ونزلت إلى البحر بكل سرور”. “15 يوليو (تموز) استحميت في البحر مرتين. وكان الجو شديد الحرارة. تعشيت مع زوجتي منفردين. لقد مرت العاصفة”. “19 يوليو (تموز). نزلت إلى البحر هذا الصباح. استقبال في المزرعة. قابلت العم فلاديمير وتشاغين على مائدة الغداء”. أما الانتفاضات وحركات العصيان والتمرد، وانفجارات الديناميت فقد أشار القيصر إليها بما يلي: “أما الأحداث، فهي شيء جميل!” ولكم يصاب المرء بالدهشة أمام هذه اللامبالاة المتدنية التي لم تصل إلى مستوى السخرية الماجنة الواعية.

“وفي الساعة التاسعة والنصف قمنا بزيارة فوج القزوين… وتنزهت فترة طويلة. الجو رائع. نزلت إلى البحر. واستقبلت لفوف وغوتشكين بعد تناول الشاي”. وليس هناك كلمة واحدة تشير إلى أن سبب الاجتماع الاستثنائي مع هذين الليبراليين كامنٌ في محاولة ستوليبين إجراء تعديل وزاري، وضم بعض سياسيي المعارضة إلى وزارته. ثم تحدث الأمير لفوف–الذي غدا فيما بعد رئيسًا للحكومة المؤقتة– عن هذا الاجتماع، فكتب ما يلي: “كنت أنتظر أن أرى القيصر غارقًا في الحزن، ولكنه تقدم نحوي بحركة خفيفة وهو يبتسم، ولم يكن أكثر من فتى مرح في قميص قرمزي”.

ولم تكن أبعاد نظر القيصر لتتجاوز أبعاد نظر أي موظف بسيط في دائرة الشرطة. مع فارق بسيط هو أن رجل الشرطة كان يعرف الوضع العملي بشكل أفضل منه، ولم يكن مثله مثقلاً بأعباء الخزعبلات والأوهام. وكانت الصحيفة الوحيدة التي قرأها نيقولا خلال سنوات، واستقى منها أفكاره، عبارة عن جريدة تنشرها وزارة المالية، ويشرف عليها الأمير ميشتشيرسكي، وهو شخص سافل، مبتذل يحتقره الجميع حتى أفراد وسطه، وصحفي يعمل في خدمة طغمة الرجعيين البيروقراطيين. ولم يبدل القيصر من وجهات نظره خلال حربين وثورتين: وكان بين عقليته والأحداث الجارية حاجز كتيم من اللامبالاة.

وكان الناس على حق عندما لقبوا القيصر بلقب “نيقولا القدري”. وهنا لا بُدَّ من إضافة أن قدريته لم تكن إيمانًا فعالاً “بحظه”. كلا، فقد كان نيقولا يعتبر نفسه شخصًا فاشلاً. وكانت قدريته نوعًا من الدفاع السلبي أمام التطور التاريخي، يرافقها تحيز ينبع من دوافع نفسية تافهة، ولكنه ينعكس على شكل نتائج رهيبة.

وكتب الكونت ويت: “كان القيصر يردد: إنني أريد الأمر هكذا، لذا فإن عليه أن يكون. وبدت هذه الصيغة بوضوح في كافة أفعال هذا الملك المتهالك الذي فعل بسبب ضعفه كل ما ميَّز عصره – وسفك باستمرار كثيرًا من الدماء البريئة التي لم يؤد سفكها غالبًا إلى أية نتيجة…”.

ولقد قارن البعض القيصر نيقولا مع جد جده بولص الأول الذي كان نصف مجنون، ومات مخنوقًا على يد إحدى خادمات القصر بالاتفاق مع ابنه الإمبراطور ألكسندر الأول “الحائز على رضى الرب”. حقًا، لقد كان هذان القيصران من أسرة رومانوف متشابهين بحذرهما من الجميع، وبحذرهما من نفسيهما، وتجهمهما، وسلطتهما المصحوبة بسخف مطلق، وبإحساسهما بالإهمال، أو بإحساس شبيه بإحساس المنبوذين المتوجين. ولكن بولص الأول كان ولا شك أكثر بريقًا، وكانت أفكاره الغريبة وخطرفاته تحمل شيئًا من الطرافة رغم جنونها. أما خلفه فكان يتسم بكل ما هو تافه قاتم، ولم يكن فيه أي أثر للحياة.

ولم يكن نيقولا محرومًا من الاتزان فحسب، بل كان مخادعًا أيضًا. وكان مداحوه يقولون عنه بأنه شخص “جذاب”، ويبررون حكمهم بلطفه ودماثته خلال تعامله مع أفراد البلاط. وكان يبدو لطيفًا إلى أبعد حد مع الوجهاء وكبار الشخصيات الذين يود طردهم والتخلص منهم. فهذا وزير يخرج من قصر الإمبراطور سعيدًا بحرارة اللقاء، فما أن يصل إلى منزله حتى يجد كتاب إقالته. وكانت هذه إحدى وسائل القيصر للانتقام من تفاهته نفسها.

“كان نيقولا يبتعد بِعِداء عن كل رجل قوي موهوب. ولم يكن يحس بالراحة إلا مع ذوي العقول الفارغة والمحرومين من كل موهبة، والمتدينين، والمتهافتين المائعين، الذين لا يجد أن عليه أن ينظر إليهم من الأسفل إلى أعلى. وكان يحس بشيء من الكبرياء الرفيع، ولكنه كبرياء سلبي لا يحمل ذرة واحدة من المبادهة، ويكتفي بالبقاء في موقف المدافع الحسود. وكان مبدؤه في اختيار وزرائه يتمثل في البحث عن الأضعف. ولا يستدعي من يتمتعون بالفكر وقوة الشخصية إلا عند الضرورة القصوى، وعندما لا يرى مخرجًا آخر، تمامًا كما يستدعي المرء الجراح عندما يجد نفسه مهددًا بخطر الموت؛ وكان هذا ما دفعه إلى اختيار الكونت ويت، وستوليبين من بعده. وكان القيصر ينظر إلى هذين الشخصين بكراهية ملموسة. وما أن تنتهي الأزمة حتى يتخلص القيصر من المستشارين اللذين يحس بأنهما أكبر من حجمه. وكان اختيار المساعدين السيئين منهجيًّا لدرجة دفعت رودزيانكو رئيس آخر مجلس دوما إلى أن يقول أمام القيصر بكل جرأة في 7 يناير (كانون الثاني) 1917، عندما كانت الثورة تدق الأبواب: “سيدي، لم يعد حولك أي شخص موثوق شريف، لقد أبعد أفضل الرجال، أو ابتعدوا بمحض إرادتهم، ولم يبق إلا ذوي السمعة السيئة”.

ولم تؤد كافة محاولات البرجوازية الليبرالية للتفاوض مع البلاط إلى أية نتيجة. وحاول رودزيانكو الصاخب المندفع هز القيصر بسلسلة من التقارير، ولكن جهوده ذهبت أدراج الرياح، والتزم نيقولا الصمت، ولم يتجاهل الرد على الحجج المقدمة فحسب، بل تجاهل الرد أيضًا على التهجمات، وأخذ يعد حل مجلس الدوما بشكل سري. وكان عم القيصر ديميتري الذي كان من قبل مقربًا إلى قلبه، ثم اشترك في قتل راسبوتين، قد اشتكى إلى صديقه الحميم وشريكه في المؤامرة الأمير يوسوبوف، من أن القيصر القابع في مقر القيادة العليا، يقف موقف اللامبالاة يومًا بعد يوم من كل ما يحيط به. وكان ديميتري يؤكد بأن هناك من يسممون القيصر ببعض المركبات الدوائية التي تحد من نشاط إمكاناته العقلية. ويكتب المؤرخ الليبرالي ميليوكوف ما يلي: “تقول بعض الإشاعات أن حالة الخمول الفكري والمعنوي التي يعيشها القيصر ناجمة عن إدمانه على شرب الكحول”. ولم يكن كل هذا سوى ابتداع أو مبالغة. فلم يكن القيصر بحاجة لمخدر، طالما أن “المركبات الدوائية” القاتلة تجري في دمائه. ولكن آثار التسمم بدت بوضوح كبير خلال الأحداث الكبيرة الناجمة عن الحرب والأزمة الداخلية التي قادت إلى الثورة. ولقد تحدث راسبوتين –الذي كان عالمًا نفسيًّا حقيقيًّا– عن القيصر فأكَّد: “بأن لديه نقصًا داخليًّا أكيدًا”.

وكان هذا الرجل التافه، الهادئ، المتزن، “المربى جيدًا”، شخصًا قاسيًا إلى درجة الإجرام. ولم تكن قسوته إيجابية فعالة تعمل لتحقيق أهداف تاريخية كقوة إيفان الهائل أو قسوة بطرس –وما هي نقاط تشابه هذين الشخصين مع نيقولا؟- ولكنها كانت قسوة جبانة كقسوة شخص خائف من الإحساس بأنه محكوم عليه؛ فلقد هنأ في مطلع حكمه “رجال فوج فاناغوريا الشجعان” الذين أطلقوا النار على العمال. وكان يقرأ دائمًا “بكل شغف” كيف جُلد الطلاب “ذوي الشعور القصيرة” بالسياط الجلدية، وكيف هُشمت رءوس أشخاص عُزّل من السلاح في معابد اليهود. لقد كان حثالة مُتَوَّجة تجلس على رأس مجتمع كامل، وهذا ما جعله يميل بقرارة نفسه نحو القاذورات، أي نحو مجرمي “المائة السود”. ولم يكن يكتفي بإعطائهم مالاً غزيرًا يغترفه من خزانة الدولة، بل كان يحب التحدث معهم عن أعمالهم، ويعفو عنهم عندما توجه لهم عن طريق الصدفة تهمة قتل نواب المعارضة. ولقد كتب ويت –الذي كان يرأس الحكومة في فترة قمع الثورة الأولى– في مذكراته ما يلي: “وكان الملك يبدي تأييده الكامل عندما يسمع أخبار بعض الخدمات غير المجدية التي قدمها رؤساء هذه المفارز، أو يكتفي على الأقل بتغطيتها”. وعندما طالب الحاكم العام لمقاطعات البلطيق عزل النقيب المساعد ريشتر “الذي مارس عمليات الإعدام بمحض إرادته، ودون أية محاكمة، وقتل عددًا ممن لم يبدو أية مقاومة” كتب القيصر على التقرير ما يلي: “آه إن هذا لرجل مقدام!” وكان يوزع مثل هذا التشجيع بلا حساب. وهكذا كان ذلك الشخص “الجذاب” المحروم من الإرادة والهدف والخيال، أشد رهبة وإجرامًا من كافة طغاة التاريخ القديم والحديث.

وكان القيصر يخضع لزوجته خضوعًا كليًّا. وتصاعد هذا الخضوع مع تقدم السنين وتزايد الصعوبات. وكان الإمبراطور والإمبراطورة يشكلان معًا كلاً متكاملاً. ويدل هذا التكامل والتطابق إلى أي مدى تؤثر الظروف على الفرد وتكمله بعناصر المجموعة. ويجدر بنا الآن أن نتحدث عن زوجة القيصر.

ويقدم موريس باليولوغ، السفير الفرنسي السابق في بتروغراد خلال الحرب، والعالم النفساني المجلّي بالنسبة للأكاديميين وبوابي العمارات، صورة معدة بعناية لآخر إمبراطورة روسية فيقول بصورة موجزة: وتتصف الإمبراطورة بالاضطراب المعنوي، والحزن المزمن، والخوف الدائم بلا حدود، وتناوب بين قفزات القوة وأزمات الخمول، والتفكير الأليم بقضايا العالم فيما وراء حدود النظر، والأوهام، والخزعبلات، ولكن أليست هذه الصفات الواضحة عند الإمبراطورة هي صفات الشعب الروسي كله؟ ومهما بدا قول السفير غريبًا فإن في أوهامه المفرطة شيئًا من الحقيقة. ولم يخطئ الناقد الروسي سالتيكوف عندما تحدث عن الوزراء والحكام المنحدرين من مقاطعات البلطيق ووصفهم بأنهم “ألمان يحملون روحًا روسية”. ومما لا شك فيه أن الأجانب الذين لا يرتبطون مع الشعب بأي رباط كانوا يعدون أرقى ثقافة للإداري “الروسي حقًا”.

ولكن لماذا كان الشعب يحس نحو الإمبراطورة بحقد مكشوف عميق مع أن باليولوغ يتحدث عنها وكأنها قد تقمصت الروح الوطنية؟ والجواب على هذا سهل: فلكي تبرر هذه الألمانية وضعها الجديد، أخذت تعمل ببرود محموم بغية هضم كافة تقاليد القرون الوسطى الروسية وأفكارها، بما في ذلك أفقر التقاليد وأكثرها بدائية وفجاجة، في فترة كان الشعب يبذل فيها قصارى جهده للتحرر من همجيته الموروثة من القرون الوسطى. وكانت هذه الأميرة المنحدرة من بلاد الهيس متعلقة بشيطان الحكم الفردي المطلق إلى درجة الجنون. فقد ارتقت من قريتها الضائعة في المقاطعات إلى قمم التسلطية البيزنطية، ولذا فهي لا تود النزول أبدًا. ووجدت في الأرثوذكسية ديانة وسحرًا يلائمان مصيرها.

وكان إيمانها بمهمتها المقدسة يتزايد قوة كلما تزايد تكشف عار النظام القديم. وكانت قوة شخصية الإمبراطورة، وقدرتها على الانفعال الجاف الصلب يجعلها تكمل القيصر الجبان وتسيطر عليه.

وفي 17 مارس (آذار) 1916، أي قبل اندلاع الثورة بسنة كاملة، وعندما كانت البلاد الممزقة تتلوى في قلب الهزيمة والفوضى، كتبت الإمبراطورة لزوجها القابع في مقر القيادة العليا ما يلي: “عليك أن لا تتخاذل، وأن ترفض أية وزارة مسئولة، …إلخ، وأن ترفض كل ما يريدونه. ومن الضروري أن تكون هذه الحرب حربك، وأن يكون السلام سلامك، ولصالحك وصالح الوطن لا لصالح مجلس الدوما في أية حال من الأحوال. ولا يحق لهؤلاء الأشخاص أن يقولوا كلمة واحدة حول هذه المسائل”، وكانت الرسالة بحد ذاتها برنامجًا متكاملاً. وكان هذا البرنامج ينتصر دائمًا على تردد القيصر المستمر.

وعندما ذهب القيصر إلى الجيش ليشغل منصب القائد الأعلى الشكلي، أخذت الإمبراطورة تتصرف بشئون البلاد الداخلية بلا مواربة. وكان الوزراء يقدمون لها التقارير وكأنها مالكة لزمام السلطة. وكانت تتآمر مع شلة صغيرة ضد مجلس الدوما، وضد الوزراء، وضد جنرالات القيادة العليا، وضد الجميع، وضد القيصر بصورة جزئية، وفي 6 ديسمبر (كانون الأول) 1916 كتبت إلى نيقولا ما يلي: “كيف يجرؤ (رئيس مجلس الوزراء تريبوف) على السير ضد إرادتك طالما أنك قررت الاحتفاظ ببروتوبوبوف؟ اضرب الطاولة بقبضتك، ولا تذعن، وأثبت أنك السيد المطاع، واستمع لنصائح زوجتك الصغيرة القوية وصديقنا. وصدِّقنا”. ثم كتبت بعد ثلاثة أيام: “أنت تعلم بأنك على حق. ارفع رأسك عاليًا، واصدر لتريبوف أمرًا بأن يعمل معه… واضرب سطح الطاولة بقبضتك ضربة شديدة…” وتبدو هذه الجمل وكأنها مختلقة أو من وحي الخيال. ولكنها مأخوذة من رسائل أصلية حقيقية. كما أنها من الأمور التي لا يقدم المرء على اختلقفها.

وفي 13 ديسمبر (كانون الأول) عادت الإمبراطورة للهجوم: “لسنا بحاجة لوزارة مسئولة اعتاد الناس على تشكيلها. إن الأمور تهدأ وتسير من حسن إلى أحسن. ولكن الجميع بحاجة لأن يحسوا بثقل قبضتك. ومنذ سنوات طويلة، وأنا أسمع الكثيرين يرددون أمامي: تحب روسيا الدغدغة بالسوط –وهذا شيء متأصل في طبيعة هؤلاء الناس!” وهكذا فإن هذه الأميرة الأرثوذوكسية المنحدرة من بلاد الهيس، والمتعلمة في ويندسور، والحاملة للتاج البيزنطي لا “تجسد” الروح الروسية فحسب، بل تحس نحو هذه الروح باحتقار داخلي متأصل. وها هي الإمبراطورة الروسية تكتب لقيصر روسيا بأن طبيعة هؤلاء الناس الجلد بالسوط. وهي تتحدث بذلك عن الشعب الروسي، قبل سقوط الملكية بعشرة أسابيع فقط.

وبالرغم من امتياز مواهب الإمبراطورة على مواهب زوجها، فإنها لم تكن أكثر منه ثقافة، بل لعلها أقل منه شأوًا في هذا المضمار. وأكثر منه بحثًا عن مخالطة المجتمع الفقير فكريًّا. ولا أدل على المستوى الفكري الذي يتمتع به القيصر وزوجته من صداقتهما المتينة الطويلة مع وصيفة الشرف فيروبوفا. وكانت فيروبوفا تصف نفسها بالغباء، ولم يكن ذلك على سبيل التواضع. ويصفها ويت الذي لا نشك بقوة بصيرته بما يلي: “إنها أتفه آنسات بطرسبورغ، وأشدهن غباء. إنها دميمة، تشبه الانتفاخات التي تظهر على عجينة الحلوى قبل صنعها”. وكان القيصر وزوجته يقضيان ساعات وساعات في مجتمع هذه الوصيفة التي يتقرب منها الوجهاء المحترمون، والسفراء، ورجال المال، والتي كانت تملك قسطًا وافيًا من التعقل دفعها لإملاء جيوبها. وكانا يستشيرانها في كثير من الأمور، ويراسلانها، ويتحدثان عنها في رسائلهما. وكانت فيروبوفا تملك سلطة تفوق سلطة مجلس دوما الإمبراطورية أو سلطة الوزارة نفسها.

ولم تكن هذه الوصيفة سوى وسيط “الصديق” الذي تسيطر سلطته على هؤلاء الأشخاص الثلاثة. ونجد في رسالة الإمبراطورة إلى زوجها ما يلي: “هذا هو رأيي الشخصي، ولكنني سأحاول معرفة رأي صديقنا” وهذا يعني أن رأي الصديق لن يكون “رأيًا شخصيًّا”، بل رأيًا حاسمًا. ثم نجد رسالة أخرى صادرة بعد عدة أسابيع تقول فيها: “… إنني قوية، ولكن استمع إلي، وأنا أعني استمع إلى صديقنا، وثق بنا في جميع الأمور… إنني أتألم من أجلك كما أتألم من أجل طفل غض العود، طيب القلب، يحتاج لمن يرشده ويسدد خطاه، ولكنه ينصت لنصائح مستشارين سيئين، رغم أن إلى جواره رجلاً أرسلته العناية الإلهية ليقول له كل ما ينبغي عليه القيام به”.

ولم يكن هذا الصديق، مبعوث العناية الإلهية سوى غريغوري راسبوتين.

“… وستسير كافة الأمور كما ينبغي بفضل الصلوات ومساعدة صديقنا“.

“ولو لم يكن هذا الصديق إلى جوارنا، لانتهى كل شيء منذ أمد بعيد، وأنا مؤمنة بهذا كل الإيمان”.

* * *

ولقد حضر إلى البلاط خلال فترة حكم نيقولا وألكسندرا كثير من المشعوذين والسحرة، والمأخوذين، الذين كان يتم جمعهم لا من روسيا وحدها بل من الخارج أيضًا. وكان في البلاط لهذا الغرض عدد من الوجهاء وكبار الشخصيات الذين يتعهدون بجلب هؤلاء الناس، ويتحلقون حول المنجِّم المشهور في تلك اللحظة، ويشكلون إلى جانب القيصر نوعًا من المجلس الأعلى. وكان في هذا الوسط عدد كبير من المتدينات المسنات المسمات كونتيسات، وأصحاب المعالي العصابيين العاطلين عن العمل، وكبار الممولين الذين كانوا يستأجرون وزارات كاملة. ونظرت الكنيسة بكل غيرة إلى المنافسة غير المشروعة التي يقوم بها المنومون المغناطيسيون والسحرة، فعملت كل ما في وسعها لتفتح لنفسها مدخلاً إلى معبد التآمر والدسائس. وكان ويت يسمى هذه الحلقة القيادية التي حطمت مرتين “الشلة المجذومة”.

ومع تزايد شعور الأسرة المالكة بالانعزال، وتصاعد إحساس الملكية كلها بابتعاد الناس عنها، ازداد شعورها بحاجتها لدعم يأتي من الأعلى. إن بعض الشعوب البدائية تدير في الهواء لوحة مربوطة بخيط بغية اجتلاب الطقس الرائع، وكان القيصر وزوجته يستخدمون هذه اللوحة لتحقيق مختلف الأغراض. وكان في عربة القطار الإمبراطورية ركنًا للعبادة يغص بالأيقونات الكبيرة والصغيرة، ومجموعة من الأشياء الدينية التي جابهت المدفعية اليابانية، ثم لم تلبث أن جابهت المدفعية الألمانية.

والحقيقة أن مستوى البلاط الثقافي لم يتبدل بشكل ملحوظ من جيل إلى آخر. ففي عهد ألكسندر الثاني الملقب “بالمحرر” كان رجال الأسرة المالكة يؤمنون بالشياطين التي تسكن المنازل والساحرات. ولم يتبدل الأمر في عهد ألكسندر الثالث ولكنه كان أكثر هدوءًا. وكانت “الشلة المجذومة” موجودة في كل عهد. ولكنها كانت تبدل تركيبها وتعدل أساليبها. ولم يبتدع نيقولا الثاني شيئًا جديدًا. ولكنه ورث عن أسلافه جو الهمجية البدائية السائدة في القصر الإمبراطوري. بيد أن البلاد تطورت بشكل ملحوظ خلال عشرات السنين الأخيرة. وغدت المعضلات أكثر تشابكًا، وارتقت الثقافة، وأصبحت حلقة البلاط متخلفة عما حولها إلى حد بعيد. صحيح أن الملكية اضطرت إلى تقديم بعض التنازلات للقوى الجديدة، ولكنها لم تستطع تطوير تكوينها الداخلي. بل أغلقت الباب على نفسها، وتزايد جهلها الهمجي الموروث من القرون الوسطى تحت ضغط الحقد والخوف، حتى غدا هذا الجهل كابوسًا رهيبًا يهيمن على البلاد.

وفي أول نوفمبر (تشرين الثاني) 1905، أي في أحرج لحظات الثورة الأولى، كتب القيصر في مذكراته الخاصة ما يلي: “لقد تعرفنا على رجل من رجال الله، ويدعي غريغوري من منطقة طوبولسك”، وكان يقصد بهذا الرجل راسبوتين، الفلاح السيبري، الذي يحمل رأسه ندبة غائرة نجمت عن ضربة تلقاها خلال قيامه بسرقة الخيول. وما إن حصل هذا “الرجل من رجال الله” على تقدير القيصر حتى وجد عددًا من المساعدين الذين يحتلون مناصب رفيعة، والأصح أن نقول أنهم وجدوه، وهكذا تشكلت شلة قيادية جديدة لم تلبث أن سيطرت على زوجة القيصر، لتنتقل سيطرتها على القيصر نفسه من خلال زوجته.

ومنذ شتاء 1913 – 1914 كان المجتمع الراقي في بطرسبورغ يؤكد بكل صراحة بأن التعيينات في الوظائف العليا، والطلبات، والتعهدات، مرتبطة بشلة راسبوتين. وأصبح “القديس العجوز” الحكيم جزءًا من الدولة. وأخذت الأجهزة تهتم بسلامته وأمنه. كما أخذ الوزراء المتنافسون يتجسسون عليه. وكان مفتشو الشرطة يسجلون تحركاته اليومية. ولا يترددون عن الإعلان بأن راسبوتين ذهب إلى أهله في قرية بوكروفسكويه مخمورًا في يوم 9 سبتمبر (أيلول) 1915، وتضارب مع أبيه في الشارع حتى سالت دماؤهما، وفي اليوم نفسه، بعث راسبوتين ببرقيتي مجاملة، وجه إحداهما إلى الإمبراطورة في تساركويه – سيلا، ووجه الثانية إلى القيصر في مقر القيادة العليا.

وتتسم التقارير التي كتبها الجواسيس يومًا بعد يوم عن مغامرات الصديق ومشاكله، بأنها تقارير رفيعة!، “عاد اليوم إلى بيته في الساعة الخامسة صباحًا وقد تعتعه السكر”، “باتت الفنانة ف… عند راسبوتين في ليلة 25 – 26″، “لقد حضر مع الأميرة د… (زوجة أحد شخصيات البلاط) إلى فندق  أستوريا”. ثم نقرأ بعد ذلك ما يلي: “لقد عاد إلى بيته قادمًا من تساركويه – سيلا في الساعة الحادية عشر مساء”. “عاد راسبوتين إلى داره مع الأميرة ش… وكان مخمورًا إلى حد بعيد، ولم يلبثا أن خرجا معًا. ثم زار تساركويه – سيلا في صباح اليوم التالي أو مسائه”، وسأل أحد الجواسيس القديس العجوز بكل تودد واحترام عن سبب شروده وانشغال باله، فرد راسبوتين على السؤال بقوله: “إنني عاجز عن معرفة ما إذا كان القيصر سيدعو مجلس الدوما إلى الانعقاد أم لا”، ثم نقرأ في أحد التقارير ما يلي: “وعاد إلى منزله في الساعة الخامسة صباحًا وهو شبه مخمور”. وهكذا تكررت المعزوفة خلال أشهر وسنوات، وكانت تحمل ثلاث درجات “شبه مخمور”، و”مخمور جدًا” و”مخمور تعتعه السكر”. وكانت هذه المعلومات الهامة جدًا بالنسبة للدولة تجمع وتنسق، ثم يوقع عليها الجنرال الدركي غلوباتشيف.

واستمر ازدهار سيطرة راسبوتين 6 سنوات، وهي آخر سنوات الملكية. ويتحدث الأمير يوسوبوف عن حياة راسبوتين التي شاركه بها قبل أن يشترك في مؤامرة قتله فيقول: “كان وجوده في بطرسبورغ عبارة عن فجور دائم، وسكر وفسق يمارسهما محروم لاقى حظه”. ويقول رودزيانكو رئيس مجلس الدوما بهذا الصدد: “لقد تلقيت عددًا كبيرًا من الرسائل التي بعثتها أمهات تقلن بأن بناتهن فقدن شرفهن على يد هذا الداعر الفاسق. وبالإضافة إلى ذلك فقد كان راسبوتين وراء تعيين بيتيريم مطران بتروغراد. ورئيس الأساقفة فارنافا الذي لم يكن يحسن القراءة. كما كان راسبوتين المصدر الأساسي لسلطة سابلير رئيس المجلس الأعلى للكنيسة الأرثوذوكسية. ولقد كان راسبوتين وراء عزل رئيس الوزراء كوكوفتسيف الذي رفض استقبال “القديس العجوز”. كما كان وراء تعيين ستورمر كرئيس لمجلس الوزراء، وبروتوبوبوف كوزير للداخلية، وراييف كرئيس جديد للمجلس الأعلى للكنيسة الأرثوذوكسية، وغيرهم. وعندما اجتمع السفير الفرنسي باليولوغ مع راسبوتين قبله الدبلوماسي قائلاً: “هذا إنسان مُلهم كشف الله على بصيرته!” وكان يود من ذلك اكتساب قلب الإمبراطورة، ودفعها إلى تأييد قضية فرنسا. وهناك شخص يهودي يدعي سيمانوفيتش، كان يعمل كعميل مالي “للقديس العجوز”، ويلعب القمار في النوادي ويتعاطى الربى. ولقد اشترك هذا اليهودي مع راسبوتين في رفع شخص سيء متعفن يدعى دوبروفولسكي إلى منصب وزير العدل.

ولقد كتبت الإمبراطورة لزوجها رسالة بخصوص التعيينات الجديدة تقول له فيها:

“احتفظ معك باللائحة الصغيرة. فلقد طلب صديقنا أن تتحدث بكل هذه الأمور مع بروتوبوبوف”. ثم كتبت بعد يومين ما يلي: “يقول صديقنا أن بوسع ستورمر أن يبقى رئيسًا للوزارة فترة أخرى من الزمن”… “إن بروتوبوبوف يحترم صديقنا، وسيجعله الصديق مرضيًّا”.

وفي أحد الأيام قدم الجواسيس تقاريرهم التي تتحدث عن عدد الزجاجات والنساء. فعبرت الإمبراطورة عن حزنها برسالة بعثت بها إلى القيصر وقالت فيها: “يتهم الناس راسبوتين لأنه يقبل النساء، …إلخ. اقرأ قصص الحواريين. لقد كانوا يقبلون جميع النساء والرجال عند استقبالهم”، ومن المشكوك فيه أن يكون الجواسيس قد اقتنعوا بهذا الاستشهاد بالحواريين. وتذهب الإمبراطورة في رسالة أخرى إلى مدى أبعد فتقول: “وخلال قراءة الإنجيل المسائية، فكرت بصديقنا كثيرًا: ورأيت كيف أخذ الكتبة والسيئون يعذبون المسيح، وهم يتظاهرون بالامتياز… حقًا، لا كرامة لنبي في وطنه”.

وكان من المعتاد في هذا المجتمع تشبيه راسبوتين بالمسيح. ولم يكن هذا عملاً ناجمًا عن الصدفة. فلقد كان الخوف الناجم عن قوى التاريخ الهادرة أكبر من أن يسمح للإمبراطور وزوجته بالاكتفاء بإله غير مرئي، وظل مسيح الإنجيل الذي لا يمكن لمسه. لقد كانا بحاجة لظهور “المسيح” من جديد. ووجدت الملكية المنهارة المحتضرة في راسبوتين مسيحًا يشبهها ويتلاءم مع صورتها.

ولقد قال أحد رجال النظام القديم السناتور تاغانتسيف: “لو لم يوجد راسبوتين، لوجب خلقه”. ويحمل هذا القول معنى يفوق المعنى الذي أراده قائله. وإذا كنا نعتبر كلمة “رذالة” التعبير الأقصى عن الطفيلية المعادية للمجتمع في أدنى درجات المجتمع، فإن بوسعنا أن نقول عن مغامرة راسبوتين بأنها كانت قبل كل شيء رذالة متوَّجة.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية .. البروليتاريا والفلاحون