تاريخ الثورة الروسية .. فكرة ثورة القصر

1
625

لِمَ كانت الطبقات المالكة إذن تحاول حماية نفسها من الثورة؟. ولماذا لم تحاول التخلص من القيصر ومن حوله؟ لقد كان بودها أن تفعل ذلك، ولكنها لم تكن لتجرؤ على القيام به. ولم يكن تصميمها وإيمانها بقضيتها كافيين. وداعبت ثورة القصر الأفكار فترة طويلة من الزمن، ثم سقطت في ثورة الدولة. ولا بُدَّ لنا من الوقوف عند هذه النقطة بغية تشكيل مفهوم أوضح عن العلاقات القائمة بين الملكية وقيادات البيروقراطية والبرجوازية عشية الانفجار.

لقد كانت الطبقات المالكة كلها تقريبًا ملكية؛ بحكم مصالحها، وعاداتها، وجبنها. ولكنها كانت تطمح إلى ملكية بلا راسبوتين. وكانت الملكية ترد على المطالب بقولها: خذوني كما أنا. وللرد على من يطالبون بوزارة مسئولة أرسلت الإمبراطورة إلى مقر القيادة العليا تفاحة قدمها راسبوتين. وأصرت على زوجها أن يأكل هذه التفاحة التي ستشد عزمه وتقوي إرادته. وكتبت إلى القيصر تناشده: “تذكر بأن فيليب (وهي تتحدث هنا عن منوم مغناطيسي فرنسي مشعوذ) قال بضرورة عدم منح الشعب دستورًا؛ لأن في ذلك ضياعك وضياع روسيا…”. “كن مثل بطرس الأكبر، أو إيفان الهائل، أو الإمبراطور بولص. واسحق كل هؤلاء الأشخاص تحت قدميك!”.

فأي مزيج رهيب من الجبن والخزعبلات والحقد أبعد الشعب الروسي عن الأسرة المالكة! وقد يظن البعض أن الأسرة الإمبراطورية لم تكن معزولة تمامًا في الأوساط العليا على الأقل. خاصة وأن راسبوتين كان محاطًا دائمًا بمجموعة من كبار السيدات، ونحن نعرف مدى انتشار السحر عادة في الأوساط الأرستوقراطية. ولكن هذه العقيدة المبنية على الخوف لا تربط الناس، بل إنها تحلل الروابط القائمة بينهم. ويحاول كل واحد منهم تحقيق خلاصه بأسلوبه. وكانت كل عائلة من العائلات الأرستوقراطية تنافس الأخرى “بقديسها”. وكانت الأوساط العليا في بتروغراد تنظر إلى العائلة الإمبراطورية كعائلة مجذومة تعيش في الحجر الصحي. وتنظر إليها بكثير من الشك والعداء. ولقد كتبت وصيفة الشرف فيروبوفا في مذكراتها ما يلي: “لاحظت وأحسست بعمق بأن حولي جوًا من الحقد الموجه نحو الأشخاص الذين أعبدهم، كما لاحظت أن هذا الحقد يأخذ حجمًا مخيفًا…”.

ولم يشأ المُنَعَّمون أن يتخلوا لحظة واحدة عن مباهج الحياة رغم جو الحرب الدامية، والهدير المنبعث من الهزات الخفية تحت الأرض. بل إنهم أمعنوا في البذخ بنشوة ظاهرة. ولكن حفلاتهم أخذت تشهد باستمرار شبحًا يتهددهم بأصابعه العظيمة. عندها فكروا بأن معظم الوضع السيء آتٍ من طبيعة ألكسندرا المكروهة، ومن طمع القيصر، ومن هذه الجشعة الحمقاء فيروبوفا، وهذا المسيح السيبري ذو الرأس المجروح. وهبت ريح الإحساس بالخطر فوق الطبقات المالكة، فأخذت تتقارب وتضم صفوفها بتشنجات متجهة من الأطراف إلى المركز، وتعزل بالتدريج القمة المكروهة القابعة في تسار كويه – سيلا. ولقد قدمت فيروبوفا في مذكراتها صورة حية عن الحالة النفسية لهذه المجموعة الصغيرة، رغم أن المذكرات كانت بصورة عامة مليئة بالأكاذيب: “… وسألت نفسي للمرة المائة عما أصاب مجتمع بتروغراد، فهل أصيب جميع أفراده بأمراض نفسية، أو بمرض مُعدٍ انتشر خلال الحرب؟ حقًا إن من الصعب تحديد أي شيء، ولكن يبدو أن الجميع يعيشون حالة من الهيجان غير العادي”.

ويضاف إلى كل هؤلاء المجانين جميع أفراد عائلة رومانوف، أي كل هذا القطيع الجشع، الوقح الذي يضايق الجميع ويثير نفورهم، وأقرباء القيصر وقريباته. وكان كل هؤلاء يُحسون بخوف رهيب، فيحاولون الهروب من الطوق الذي يضيق يومًا بعد يوم، ويتجادلون مع الأرستوقراطية المناكفة، وينشرون الإشاعات والأقاويل حول القيصر وزوجته، ويسخر بعضهم من البعض الآخر، ويسخرون من كل ما يحيط بهم. ولقد بعث كثير من الأعمام المحترمين رسائل توبيخ إلى القيصر تخفى وراء تعابير الاحترام والتقديم كثيرًا من السخرية والغيظ.

وبأسلوب يحمل شيئًا من الخطأ، ولكنه لا يخلو من البلاغة. حدد بروتوبوبوف بعد ثورة أكتوبر (تشرين الأول) الحالة الفكرية التي كانت سائدة في الأوساط العُليا فقال: “حتى أن أعلى الطبقات بدت ميَّالة إلى الجدل في عشية الثورة. وكانت سياسة الحكومة تتعرض في صالون الطبقة العليا ونواديها لانتقادات حادة سيئة. وكان أبناء هذه الطبقة يقرءون ويناقشون التقارير المكتوبة في داخل العائلة الإمبراطورية، وينشرون النكات حول رئيس الدولة، ويكتبون قصائد ومقالات الهجاء، وكان عدد كبير من أفراد الأسرة المالكة يرتادون هذه الاجتماعات. وكان وجودهم وسط هذا الجو يدفع الرأي العام إلى الاعتقاد بصحة الأحاديث الساخرة والمبالغات السيئة. ولم يحس أي واحد من هذا الوسط حتى آخر لحظة بالخطر الكامن وراء اللعب بهذه الطريقة”.

وأخذت الإشاعات المترددة حول شلة القصر خطورة خاصة؛ نظرًا لأنها كانت تتهم هذه الشلة “بممالأة الألمان”، أو التعاون المباشر مع العدو. ولقد تحدث رودزيانكو الصاخب الذي لا يتمتع بكثير من الفهم، وأعلن دُون لَفٍّ أو دوران بما يلي: “إن ارتباط الميول وتشابهها مؤكدين من الناحية المنطقية لدرجة لا تدع -عندي على الأقل- مجالاً لأي شك بوجود عمل منسق بين هيئة أركان الحرب الألمانية، وحلقة راسبوتين، وليس لدي في هذا المجال ذرة واحدة من الشك”. بَيْد أن التأكيد “المنطقي” جاء هنا دونما إثبات، وهذا ما يُفقد اللهجة الحاسمة لشهادته كثيرًا من قدرتها على الإقناع. ولم يتم، قبل الثورة أو بعدها، اكتشاف أي دليل على التواطؤ بين جماعة راسبوتين وهيئة أركان الحرب الألمانية. ولكن الأمر مختلف بالنسبة “لممالأة الألمان”. ولا يتعلق الموضوع هنا دون ريب بالتعاطف أو النفور القوميين لإمبراطورة من أصل ألماني، أو لرئيس الوزراء سترومر، أو الكونتيسة كلينيمشيل، أو وزير البلاط الكونت فريديريكس، أو غيرهم من ذوي الأسماء الألمانية. وتكشف المذكرات الماجنة المتهكمة للمتآمرة العجوز الكونتيسة كلينميشيل بشكل صارخ الطبقية فوق القومية التي تتسم بها الأوساط الأرستوقراطية العليا في كافة بلاد أوروبا، والمرتبطة مع بعضها بروابط القرابة والإرث، واحتقارها لكل من هم أدنى منها، وانتشار الخيانة الزوجية في القصور القديمة، ومدن المياه المعدنية الراقية، وكل بلاط في أوروبا. ومن المؤكد أن النفور العضوي الذي أحس به خدم القصر إزاء محاميي الثورة الفرنسية المهذبين إلى أبعد الحدود. والتعاطف الذي شعر به الرجعيون الألمان والسلاف من العقلية البروسية التي يتشبع بها النظام في برلين، والتي فرضها عليهم خلال فترة طويلة عن طريق شواربه الملمعة، وأساليب ضباط الصف التي يستخدمها. وحماقته المتعجرفة، كانا أقوى من نفور شلة القصر من الروس أو تعاطفها مع الألمان.

ولم يكن هذا ليحل المسألة؛ إذ كان الخطر ناجمًا عن منطق الوضع كله: فلم يكن البلاط قادرًا على عدم البحث عن خلاصه عن طريق سِلم منفرد. وكان إصراره على متابعة السير على هذا السبيل يزداد مع اتساع الخطر. وكانت الليبرالية الممثلة بزعمائها تود الاحتفاظ كما سنرى بفرصة تحقيق سلم منفرد، وتأمل الوصول إلى السلطة. ولهذا السبب بالذات كانت تقوم بدعايتها الشوفينية التي تخدع الشعب وتخيف القصر. ولم تجرؤ الشلة على كشف القناع عن وجهها قبل الأوان بالنسبة لمسألة خطرة كهذه، ووجدت نفسها مضطرة لمجاراة المواقف الوطنية للرأي العام، مع جس الأرض سعيًا وراء سلم منفرد.

أما ضابط الشرطة الكبير الجنرال كورلوف، الذي انضم إلى شلة راسبوتين، فقد نفى في مذكراته وجود أية علاقة مع ألمانيا، كما نفى ميل سادته للألمان ولكنه أضاف ما يلي: “ولا يمكن التنديد بستورمر لأنه فكر بأن الحرب الذي صنعت في ألمانيا كانت أكبر مأساة عرفتها روسيا، ولم يكن لها أي سبب سياسي هام”. ومن واجبنا أن لا ننسى بأن ستورمر الذي “فكر” بهذا الشكل المثير الهام، كان على رأس حكومة تحارب ألمانيا. وفي ستوكهولم قام بروتوبوبوف آخر وزراء القيصر للداخلية قبيل دخوله إلى الحكومة بمباحثات مع دبلوماسي ألماني، ورفع بعد ذلك تقريرًا إلى القيصر. ويتحدث كورلوف (المذكور آنفًا) عن راسبوتين فيقول بأنه: “كان يعتبر الحرب مع ألمانيا كارثة واسعة بالنسبة لروسيا”. وأخيرًا فقد كتبت الإمبراطورة إلى زوجها في 5 إبريل (نيسان) 1916 تقول: “وعليهم أن لا يقولوا بأن فيه أي شيء مشترك مع الألمان، إنه كالمسيح طيب متسامح مع الجميع، مهما كان الدين الذي ينتمي إليه الأشخاص وهكذا ينبغي أن يكون المسيحي الحقيقي”.

ومن المؤكد أنه إلى جوار هذا المسيحي الحقيقي الذي لا يفيق من السُكْر، كان بوسع كثير من الجواسيس الحقيقيين أن يتسللوا على شكل ساقطين أو مرابين، أو سمسارات أرستوقراطيات. وليست مثل هذه “العلاقات” مستحيلة. ولكن الوطنيين المعارضين طرحوا المسألة بشكل مباشر أوسع؛ فلقد اتهموا الإمبراطورة بالخيانة بكل صراحة. ويقول الجنرال دينيكين في مذكراته التي كتبها بعد ذلك بأمد بعيد ما يلي: وكان الجميع يتحدثون داخل الجيش بصوت عال، وفي كل زمان ومكان، عن مباحثات الإمبراطورة التي كانت تطالب بسلم منفرد، وعن خيانتها إزاء الفيلد مارشال كيتشنر، الذي أعلمت الإمبراطورة الألمان عن سفره، …إلخ. ولعب هذا الأمر دورًا كبيرًا داخل أوساط الجيش، وأثر على موقفه إزاء الأسرة المالكة والثورة”. ويتحدث دينيكين، بأنه عندما سئل الكسييف بعد الثورة عن احتمال ارتكاب الإمبراطورة لجريمة الخيانة، أجاب “متهربًا ودون رضى” بأنهم وجدوا لدى الإمبراطورة عند تصنيف أوراقها خارطة سجلت عليها مواقع فيالق الجبهة بكل دقة. وأنه (الكسييف) تأثر من هذه الحادثة إلى حد بعيد… ويضيف دينيكين بشكل ذي مغزى “ولم يضف الكسييف إلى ذلك كلمة واحدة، وسارع إلى تبديل الحديث”. وسواء احتفظت الإمبراطورة لديها بخارطة سرية أم لا، فقد كان الجنرالات المخطئون يميلون إلى إلقاء جزء من مسئوليات هزائمهم على عاتق الكسندرا. وانتشرت إشاعات خيانة البلاط بين أوساط الجيش، وكان معظمها قادمًا من الأعلى، أي من مقر هيئة الأركان الروسية العاجزة.

ولكن إذا كانت الإمبراطورة التي يخضع لها القيصر في كل أموره تسلم إلى غليوم كافة الأسرار العسكرية، وتضع بين يديه رءوس عدد من كبار قادة الحلفاء، فإن من الضروري القيام بأي شيء دون انتظار. وماذا يمكن القيام به في هذه الحالة سوى إنزال العقاب بالقيصر وزوجته؟ وكان عم الإمبراطور نيقولا نيقولاييفيتش القائد الحقيقي للجيش والحزب المعادي لألمانيا، وهذا يعني أنه كان الشخص الأول المؤهل بحكم منصبه لقيادة ثورة القصر. وهذا ما دفع القيصر تحت إلحاح راسبوتين والإمبراطورة إلى عزل عمه، واستلام القيادة العليا بدلاً عنه. ولكن الإمبراطورة كانت تعارض مجرد محادثة العم وابن أخيه في لحظة تسليم السلطات؛ ولذا نراها تكتب إلى القيصر القابع في مقر القيادة العليا رسالة تقول فيها: “حاول يا عزيزي أن تكون حذرًا، ولا تقع ضحية أي وعود يقدمها نيقولاشا، أو ضحية أي شيء آخر. وتذكر أن غريغوري (راسبوتين) قد أنقذك منه ومن رجاله الفاسدين… إنني أحلفك باسم روسيا أن تتذكر ما كانوا يودون عمله، لقد كانوا يبغون طردك (وليس هذا لغوًا فارغًا، فقد كانت كافة الأوراق جاهزة عند أورلوف) كما كانون ينوون إبعادي إلى أحد الأديرة…”.

ولقد قال شقيق القيصر ميخائيل لرودزيانكو: “تعترف كافة العائلة بمدى الأذى الناجم عن الكسندرا فيدوروفنا، ويحيط بأخي وبها عدد كبير من الخونة، ولقد ابتعد عنهما جميع الشرفاء في العمل فما مثل هذه الحالة؟” حقًا، ما العمل في مثل هذه الحالة؟

وعبرت الأميرة ماريا بافلوفنا عن مشاعرها بأن قالت أمام أبناءها بأن على رودزيانكو أن يحزم أمره ويتخلص من الإمبراطورة. واقترح رودزيانكو اعتبار هذا الحديث وكأنه لم يكن، وإلا فإن قسم الإخلاص يجبره على أن يرفع إلى القيصر تقريرًا يعلمه فيه بأن إحدى أميرات الأسرة المالكة دعت رئيس مجلس الدوما إلى التخلص من الإمبراطورة. وهكذا حول هذا الموظف الإمبراطوري المبدع مسألة اغتيال الإمبراطورة إلى نكتة لطيفة من النكات المتبادلة في الأوساط العليا.

ووقفت الوزارة نفسها في بعض الحالات موقف معارضة للقيصر. فمنذ عام 1915، أي قبل الثورة بـ 18 شهرًا، كان الوزراء يتحدثون في اجتماعاتهم بشكل يبدو لنا اليوم غير معقول. وفي اجتماع مجلس الوزراء بتاريخ 21 أغسطس (آب) 1915 تحدث وزير الحربية بوليفانوف فقال: “إن سياسة المصالحة مع المجتمع وحدها قادرة على إنقاذ الموقف. ومن المؤكد أن الحواجز الضعيفة القائمة في الوقت الحاضر عاجزة عن إيقاف الكارثة في المستقبل”. وقال وزير البحرية غريغوروفيتش: “ولا أذيع سرًا إذا قلت بأن الجيش لا يثق بنا، وينتظر وقوع تغييرات”. وقال وزير الخارجية سازونوف: “إن شعبية القيصر وسلطته مهزوزتان في نظر الجماهير”. وتحدث وزير الداخلية شتشيرباتوف فقال: “إننا جميعًا عاجزون عن حكم روسيا في الظروف الحالية…. ونحن بحاجة إلى ديكتاتورية أو لسياسة توفيقية”. ولم يكن هذا الحل أو ذاك قادرًا على إنقاذ الموقف. ولم يكن تنفيذ أية فكرة من هذه الأفكار ممكنًا. ولم يقرر القيصر اللجوء إلى الديكتاتورية، ورفض السياسة التوفيقية، ولم يقبل استقالة الوزراء الذين أقروا بعجزهم عن حكم البلاد. وكان أحد كبار الموظفين يسجل ملاحظاته على حديث مجلس الوزراء فأضاف إلى كل هذه المناقشات الوزارية الجملة الموجزة التالية: “إننا سنذهب إذن إلى المشنقة”.

وليس من المستغرب أن يتحدث الناس في مثل هذه الظروف، حتى في الأوساط البيروقراطية العليا، عن ضرورة القيام بثورة القصر، على اعتبار أنها الوسيلة الوحيدة لدرء ثورة شاملة عارمة. ولقد كتب أحد المشتركين في اجتماع مجلس الوزراء المذكور آنفًا ما يلي: “لو أنني أغمضت عيني، لاعتقدت بأني وسط مجموعة من الثوريين المتطرفين إلى أبعد مدى”.

وقام عقيد من الدرك بمهمة سرية لمعرفة الوضع في جيوش الجنوب فقدم في تقريره لوحة قاتمة: لقد أدت الدعاية الطويلة المنصبة على تواطؤ القيصر وزوجته مع الألمان إلى جعل الجيش مؤهلاً لتقبل فكرة ثورة القصر “ويتحدث الضباط في مجالسهم بكل صراحة عن هذا الموضوع، ولا تقوم القيادة العليا بأي رد فعل إزاء ذلك”، وأعلن بروتوبوبوف “بأن عددًا كبيرًا من شخصيات القيادة العليا كان يؤيد فكرة الثورة. وكان بعضهم على صلة وثيقة بزعماء الكتلة المسماة بالكتلة التقدمية“.

وصرح الأمير كولتشاك -الذي اشتهر فيما بعد كقائد من قوات الثورة المضادة- أمام لجنة من السوفييتات، بعد أن هُزمت قواته أمام الجيش الأحمر، بأنه كان على صلة بعدد من أعضاء المعارضة في مجلس الدوما، وكان يؤيد مواقفهم، وهذا يعني “أن موقفه إزاء السلطة القائمة قبل الثورة كان سلبيًا”. ومع هذا، فإن كولتشاك لم يأخذ علمًا بمخططات ثورة القصر.

وبعد اغتيال راسبوتين، وتدابير النفي والإبعاد التي شملت عددًا من أفراد الأسرة المالكة، بدأت أوساط المجتمع العليا تتحدث بصوت أقوى من أي وقت مضى عن ضرورة ثورة القصر. ويتحدث يوسوبوف عن أن عم القيصر ديميتري الذي فُرضت عليه الإقامة الإجبارية في قصره، تقابل مع ضباط من مختلف الأفواج، وعرضوا عليه عددًا من مخططات العمل الحاسمة “التي لم يكن قادرًا بالطبع على قبولها”.

وكان من المتعارف عليه أن دبلوماسيي الحلفاء، وسفير بريطانيا بصورة خاصة، شاركوا في إعداد المؤامرة. وفي يناير (كانون الثاني) 1917، حاول السفير البريطاني بتكليف من الليبراليين الروس التأثير على نيقولا الثاني بعد أن طلب الموافقة من حكومته. واستمع نيقولا لحديث السفير بانتباه وأدب جم، ثم شكره… وانتقل إلى الحديث بموضوع آخر. وأعلم بروتوبوف القيصر عن وجود علاقات بين بوشانان وأهم زعماء الكتلة التقدمية، واقترح إخضاع السفارة البريطانية لمراقبة مشددة. ويبدو أن نيقولا رفض اتخاذ هذا التدبير، على اعتبار أن مراقبة السفير “عمل مخالف للتقاليد الدبلوماسية العالمية”. وفي تلك الفترة أعلن كورلوف بشكل مكشوف بأن “أجهزة الاستخبارات كانت تسجل يوميًّا اتصال ميليوكوف زعيم حزب الكاديت مع السفارة البريطانية”، وهكذا لم تمنع التقاليد الدولية أي شيء. ولكن خرق هذه التقاليد لم يعط أية نتيجة؛ إذ لم يتم اكتشاف أي أثر لمؤامرة القصر.

فهل كان هناك حقًا مؤامرة؟ ليس لدينا ما يثبت ذلك. فلقد كانت هذه “المؤامرة” “منفلشه” إلى أبعد الحدود، وكانت تضم عددًا كبيرًا من الحلقات بشكل يجعلها تفقد صفة المؤامرة. وكانت تحلق في الهواء على اعتبار أنها حالة الرأي السائد في أوساط مجتمع بطرسبورغ العليا، وفكرة غامضة لإنقاذ البلاد، وصيغة من صيغ اليأس. ولكنها لم تتركز لتصبح خطة عملية واضحة.

ولقد قامت طبقة النبلاء في القرن الثامن عشر أكثر من مرة بإدخال كثير من التعديلات على تسلسل وصول القياصرة إلى العرش. فكانت تسجن القياصرة المزعجين أو تخنقهم. ولقد تم تنفيذ ذلك لآخر مرة ضد بولص الأول في عام 1801؛ لذا فإننا لا نستطيع القول بأن ثورة القصر كانت تتعارض مع تقاليد الملكية الروسية، بل كانت على العكس عنصرًا ضروريًّا لا بُدَّ منه. ولكن الأرستوقراطية كانت تحس منذ أمد بعيد بأنها لا تمتلك مقاليد الأمور بشكل تام؛ لذا قررت ترك شرف خنق القيصر للإمبراطورة والبرجوازية الليبرالية. ولكن زعماء هذه الليبرالية لم يكونوا أكثر من الأرستوقراطيين تصميمًا على العمل.

ولقد أشير بعد الثورة أكثر من مرة إلى أن الرأسماليين الليبراليين غوتشكوف وتيريشتشنكو كانا يشكلان مع صديقهما الجنرال كريموف نواة المؤامرة. ولقد تحدث غوتشكوف وتيريشتشنكو بهذا الصدد دون أن يقدما أية تفصيلات دقيقة. وكان اشتراك المناكف العدواني غوتشكوف في جيش البوير كمتطوع للقتال ضد الإنكليز يجعل منه في نظر “الرأي العام” رجلاً مؤهلاً للتآمر أكثر من غيره. ولم يكن هذا لينطبق على البروفسور المتحذلق ميليوكوف! ولا شك في أن غوتشكوف فكَّر أكثر من مرة بأن ضربة جيدة سريعة يسددها فوج من أفواج الحرس كافية للقيام بدور الثورة، ومنع اندلاع هذه الثورة. وكان ويت قد تحدث في مذكراته عن غوتشكوف الذي يكرهه، ووصف بأنه من أنصار الأساليب التي استخدمها أفراد جماعة تركيا الفتاة لتصفية حسابهم مع سلطان لا يرغبون بوجوده. ولكن غوتشكوف الذي لم تتح له الظروف ليبرهن في شبابه على شجاعة تماثل شجاعة جماعة تركيا الفتاة، أصبح الآن عجوزًا مسنًا. خاصة وأن منافس ستوليبين كان يرى بوضوح الفرق القائم بين الأوضاع الروسية وأوضاع تركيا القديمة. وكان يخشى أن لا تكون ثورة القصر تدبيرًا وقائيًّا ضد الثورة، بل ضربة أخيرة تثير الانهيار، أي ألا يكون الدواء أسوأ من المرض؟

وإننا لنجد في الكتابات المخصصة لثورة فبراير (شباط) كثيرًا من الأحاديث عن الإعدادات لثورة القصر، وكأنها أمر تم تنفيذه. ويتحدث ميليوكوف عن ذلك بقوله: “وتقرر تنفيذ هذه الخطة في فبراير (شباط)”. ولكن دينيكين يؤكد أن موعد العملية كان في مارس (آذار). ويشير كلٌ من هذين الشخصين إلى أنه كان مشتركًا في “خطة” توقيف القطار الإمبراطوري خلال تِجواله، وإجبار القيصر على التنازل عن العرش، واللجوء إلى “تصفية القيصر جسديًّا” إذا ما رفض التنازل عن العرش كما هو متوقع. ويضيف ميليوكوف أن احتمال وقوع الانقلاب العسكري دفع زعماء الكتلة التقدمية، الذين لم يشتركوا في المؤامرة أبدًا، ولم يكونوا على إطلاع كامل بإعدادات المتآمرين، إلى إجراء المناقشات داخل لجان صغيرة؛ بغية اكتشاف أفضل الأساليب للإفادة من الانقلاب العسكري بعد نجاحه. ولقد ظهرت في السنوات الأخيرة دراسات ماركسية متعددة تؤكد صحة وجود الاستعدادات العملية لثورة القصر. ويدلنا هذا المثال إلى كيفية احتلال الأساطير بسهولة وقوة مكانًا مرموقًا في علم التاريخ.

وكثيرًا ما يقدم الكتاب كدليل على وجود المؤامرة الحديث البليغ الذي قدمه رودزيانكو، وأكد فيه عدم وجود أية مؤامرة. ففي يناير (كانون الثاني) 1917 كان الجنرال كريموف عائدًا من الجبهة إلى العاصمة، فاشتكى أمام مجلس الدوما من الوضع الذي لا يُحتمل: “وسنقدم لكم الدعم إذا ما حزمتم أمركم لتنفيذ هذا التدبير الأقصى (عزل القيصر)”. إذا ما حزمتم أمركم… وصرخ الأكتوبري شيدلوفسكي بعصبية: “أن من غير المجدي معاملته برفق ورأفة طالما أنه يقود روسيا إلى الضياع!” ووسط نقاش حامٍ، ذُكر حديث صحيح أو مشكوك به على لسان بروسيلوف الذي قال: “إذا توجب عليَّ أن أختار بين القصر وروسيا فإنني أختار روسيا”، إذا توجب! وبدا المليونير الشاب تيريشتشنكو مصممًا على التخلص من الإمبراطور. وأعلن شينغاريف وهو من حزب الكاديت ما يلي: “إن الجنرال على حق، والانقلاب ضروري لا بُدَّ منه، ولكن من ذا الذي سيقرر القيام به؟” إن المسألة كلها كامنة هنا: من ذا الذي سيقرر القيام به. هذا هو موجز تصريحات رودزيانكو الذي وقف ضد فكرة الانقلاب. ولم يحز المخطط خلال الأسابيع القليلة التالية على أي تقدم ملحوظ. وتحدث الكثيرون عن إيقاف القطار الإمبراطوري، ولكننا لا نرى من هو الشخص المكلف بتنفيذ هذه العملية.

عندما كانت الليبرالية الروسية فتية، كانت تدعم بمالها وتعاطفها الثوريين – الإرهابيين؛ لاعتقادها بأن قنابل الإرهابيين ستجبر الملكية على السقوط بين ذراعيها. ولم يكن أي واحد  من هؤلاء الوجهاء المحترمين قد اعتاد على المخاطرة برأسه. ولم يكن الخوف خوف أشخاص بقدر ما هو خوف طبقة، وكانوا يفكرون كما يلي: الأمور تسير الآن بشكل سيء. ولكن ماذا إذا ما وقعنا في الأسوأ! ولو سار غوتشكوف وتيريشتشنكو وكريموف خطوات جادة على طريق الانقلاب العسكري، وأعدوه عمليًّا، وعبئوا القوى والإمكانات اللازمة له، لعلمنا بذلك بعد الثورة بكل دقة، لأن المشتركين في مثل هذا العمل، وخاصة المنفذين الشبان اللازمين الذين لا بُدَّ من وجودهم بأعداد كبيرة، كانوا سيتكلمون بكل بساطة، دون أن يكون هنالك ما يمنعهم من التحدث عن عمل تم تنفيذه “تقريبًا”، خاصة وأن هذه المشاركة تُؤمِّن لهم منذ فبراير (شباط) مستقبلاً سياسيًّا أفضل. ومع هذا لم يتقدم أحد بمثل هذه المعلومات. ومن المؤكد أيضًا أن غوتشكوف وكريموف لم يدفعا الأمر إلى أبعد من حدود التنهدات الوطنية بين كأس من الخمر وسيجار. وهكذا لم يجد أفراد الطبقة الأرستوقراطية الحمقى، ورجال المعارضة المالية الأغبياء الشجاعة الكافية للقيام بعمل يصحح مسيرة البلاد الخاطئة.

وفي مايو (آيار) 1917، عقد اجتماع خاص في مجلس الدوما تحدث به ماكلاكوف، وهو واحد من أكثر الليبراليين ثرثرة وأشدهم سخفًا، وقال بأن الثورة ستطرد الدوما مع الملكية: “فإذا ما لعنت الأجيال المقبلة هذه الثورة، فإنها ستلعننا أيضًا لأننا لم نعرف كيف نستبعد الأحداث في الوقت الملائم بانقلاب عسكري يأتي من الأعلى!” ثم تحدث كرنسكي في منفاه بعد ذلك وعبر عن ندمه وأساه بقوله: “نعم، لقد ترددت روسيا الموسرة طويلاً أمام فكرة القيام بانقلاب عسكري يأتي من الأعلى (الذي تحدث الكثيرون عنه، وتم إعداده بشكل كامل [؟])، وهذا ما جعلها تتأخر في درء انفجار القوى الأولية في الدولة”.

وتكمِّل هاتان الشهادتان المفعمتان بالاستغراب والأسى اللوحة التي تُؤكد بأنه رغم اندفاع الثورة، ورغم انطلاق كافة قوى الثورة الجامحة، فإن هنالك علماء تافهين يصرون على الاعتقاد بأنه كان من الممكن استباق الثورة ودرؤها عن طريق استبدال الرأس الملكي الصغير! “في الوقت الملائم”.

ولم يتمتع أنصار ثورة القصر بجرأة كافية لشن ثورتهم “الكبرى” فنجم عن ذلك ظهور خطة انقلاب صغير. ولم يجرؤ المتآمرون الليبراليون على التخلص من الشخص الأساسي في الملكية، وقرر أفراد الأسرة المالكة المقربون التخلص ممن يقف وراء القيصر ويوحي له بأفكاره: فاعتبروا اغتيال راسبوتين الوسيلة النهائية لإنقاذ الأسرة المالكة.

وأمَّن الأمير يوسوبوف، المتزوج من إحدى أميرات رومانوف، دعم عم الملك ديميتري بافلوفيتش، والنائب الملكي بوريشكيفيتش. وحاول هؤلاء الثلاثة اجتذاب الليبرالي ماكلاكوف لإعطاء عملية القتل طابعًا وطنيًّا. وانسحب المحامي الشهير بكل تَعَقُّل، بعد أن حصل على السم وسلمه للمتآمرين. وهذا تفصيل كبير الأهمية! ورأى المتآمرون بأن وجود سيارة من سيارات القصر الإمبراطوري معهم يسهل عملية التخلص من الجثة، ووجد شعار الأسرة الملكية السبيل إلى استخدامه. ومرت الأحداث وكأنها تجري وفق تعليمات مخرج سينمائي يعد فيلمًا لا يتمتع بذوق رفيع. وفي ليلة 16 – 17 ديسمبر (كانون الأول) تم اجتذاب راسبوتين إلى وليمة في قصر يوسوبوف، حيث أجهز عليه.

فإذا استثنينا شلة ضيقة جدًا، وعددًا من المعجبات براسبوتين إلى درجة العبادة، وجدنا أن الطبقات المالكة اعتبرت مقتل “القديس العجوز” عملاً من أعمال الخلاص. وأوقفت السلطات عم الملك في قصره، بعد أن خضب يديه، حسب تعبير القيصر نفسه، بيد الموجيك -ومن المقبول أن يلقب راسبوتين بالمسيح، أما أن يكون موجيكا، فهذا أمر كبير!- وكان ديميتري يتلقى في قصره زيارات المجاملة التي يقوم بها أفراد الأسرة الإمبراطورية المقيمين في بتروغراد. حتى أن أخت الإمبراطورة نفسها، وهي أرملة الأمير سيرج أحد أفراد الأسرة المالكة المقربين بعثت إلى المتهمين ببرقية تبارك فيها عملهم الوطني. وأخذت الصحف تنشر، قبل منع الإشارة إلى راسبوتين، عددًا من المقالات المتحمسة. وجرت بعض المحاولات في المسارح لتقديم عدد من المشاهد على شرف القتلة. وتبادل المارة في الشارع التهاني. وكتب الأمير يوسوبوف: “وشرب الناس نخبنا في المنازل الخاصة، واجتماعات الضباط، وأطلق العمال في المصانع صيحات التأييد على شرفنا”. وهناك ما يدفعنا إلى الاعتقاد بأن العمال استقبلوا نبأ مصرع راسبوتين دون أن يحسوا بأي أسًى. ولكن تأييدهم لم يصل إلى حد الآمال المبنية على استبدال الأسرة المالكة.

وقبعت شلة راسبوتين في موقف الانتظار والترقب، وكانت مراسم دفن “القديس العجوز” بسيطة لا تتسم بالأبَّهة. واشترك في الجنازة القيصر وزوجته وبناتهما وفيروبوفا. وأحست الأسرة المالكة أمام جثة القديس الصديق، وسارق الخيول السابق الذي قتله أقرباء الإمبراطور بشيء من الانعزال. ولم يجد راسبوتين الراحة حتى بعد موته. فعندما وضعت السلطات الثورية نيقولا والكسندرا رومانوف في حالة التوقيف، نبش بعض جنود تساركويه – سيلا قبره، وفتحوا التابوت، فوجدوا عند رأس الجثة أيقونة نقش عليها ما يلي: “الكسندرا، أولغا، تاتيانا، ماريا، اناستازيا، آنيا” وأرسلت الحكومة المؤقتة ممثلاً عن السلطة -وإننا لنتساءل لم فعلت ذلك- بغية جلب الجثة إلى بتروغراد. ولكن الجماهير وقفت ضد هذه العملية، واضطر ممثل السلطة إلى إحراق الجثة في مكانها.

ولم تعش الملكية بعد مقتل الصديق سوى عشرة أسابيع. ولكنها امتلكت هذه الفترة من الزمن بلا جدال. واختفى راسبوتين، ولكن شبحه ظل يمارس الحكم. وتصرف الإمبراطور وزوجته بعد مقتل راسبوتين على عكس ما توقعه المتآمرون. وأصرا على أن يكون على رأس البلاد أسوأ عناصر شلة راسبوتين، وأكثرهم استقطابًا لاحتقار الشعب. وأراد القيصر أن يثأر لدم القتيل فعيَّن في منصب وزير العدل شخصًا تافهًا تمامًا. ونُفي عدد من أقارب الإمبراطور إلى خارج العاصمة. وتناقل الناس خبرًا يقول بأن بروتوبوبوف كان يعمل على استحضار الأرواح، ويستحضر روح راسبوتين. وضاقت عقدة الوضع العصيب الذي لا مخرج له.

ولعب اغتيال راسبوتين دورًا كبيرًا، ولكنه لم يصل إلى حدود الدور الذي تطلع إليه المنفذون والمتآمرون. وأدى الاغتيال إلى زيادة خطورة الأزمة بدلاً من تخفيف حدتها. وأخذ الجميع يتحدثون عن حادثة القتل في القصر، ومقرات هيئات الأركان، والمصانع، وأكواخ القرويين. واستنتج الجميع بأن أفراد الأسرة المالكة لم يجدوا وسيلة للصراع ضد “الشلة المجذومة” سوى السم والمسدس. وكتب الشاعر بلوك عن اغتيال راسبوتين ما يلي: “وأصابت الرصاصة التي قتلته قلب الأسرة المالكة”.

* * *

لقد تحدث روبسبيير من قبل أمام المجلس التأسيسي، وذكر بأن معارضة النبلاء أضعفت الملكية، وحركت البرجوازية، والجماهير الشعبية من بعدها. ثم أطلق روبسبيير هذا التحذير: لن تستطيع الثورة في بقية أرجاء أوروبا أن تتطور بالسرعة التي عرفتها في فرنسا؛ لأن الطبقات المتميزة في البلاد الأخرى تعلمت من تجربة طبقة النبلاء الفرنسية دروسًا تمنعها من البدء بشن الثورة. وبالرغم من دقة تحليل روبسبيير وصحته، فلقد أخطأ هذا السياسي عندما اعتقد بأن حماقة طبقة النبلاء الفرنسية خلال المعارضة أعطت للأرستوقراطيين في كافة البلاد درسًا لا يُنسى. وأثبتت روسيا في عام 1905، وعام 1917 بأن الثورة الموجهة ضد نظام أوتوقراطي نصف استعبادي، أي بالتالي ضد الطبقة النبيلة تتلقى في بداية مسيرتها دعمًا فعالاً رغم تناقضه وانعدام منهجيته. ولا يأتي هذا الدعم من طبقة النبلاء المتوسطة فحسب، بل من القمة المتميزة لهذه الطبقة أيضًا، بما في ذلك بعض أفراد الأسرة المالكة. وتبدو هذه الظاهرة التاريخية غير منسجمة مع نظرية مجتمع يضم عدة طبقات، ولكنها لا تناقض في الحقيقة سوى المفهوم البدائي لهذه النظرية.

إن الثورة تندلع عندما تصل الصراعات الاجتماعية إلى أعلى درجات توترها. ولكن ارتفاع التوتر هذا يجعل الوضع غير محتمل حتى بالنسبة لطبقات المجتمع القديم، أي بالنسبة للطبقات التي حُكم عليها بالزوال. ونحن لا نريد إعطاء التشابه بين الظواهر الطبيعية والظواهر الاجتماعية أهمية أكبر مما ينبغي، ولكننا نود الإشارة إلى أن الولادة تغدو في لحظة معينة عملية ضرورية محتومة بالنسبة للأم وللوليد الجديد أيضًا. وتبرهن معارضة الطبقات المتميزة على أن وضعها الاجتماعي التقليدي عاجز عن تأمين متطلبات بقاء المجتمع. وتبدأ البيروقراطية الحاكمة بترك الأمور تجري على أعنتها، وتحس الأرستوقراطية بأن العِداء العام موجه إليها بصورة خاصة، فتلقي وزر الخطأ على كاهل البيروقراطية التي تتهم بدورها الأرستوقراطية، ثم توجه الأرستوقراطية والبيروقراطية عداءهما بصورة مجتمعة أو منفردة ضد الملكية التي تتوج سلطتهما.

ويكتب الأمير شتشيرباتوف، الذي دُعي إلى الوزارة وكان يشغل عدة وظائف في مؤسسات طبقة النبلاء: “أن سامارين وأنا مارشالان قديمان من مارشالات طبقة النبلاء. وليس هناك من يعتبرنا حتى الآن شخصين يساريين، كما أننا لا نعتبر أنفسنا كذلك. ولكننا عاجزان عن فهم الوضع القائم في الدولة: فالملك وحكومته مختلفان بشكل جذري مع كل القوى الحكيمة العاقلة في المجتمع كالنبلاء، والتجار، والبلديات، والزيمستفو، والجيش (ولا يستحق المتآمرون الثوريون أن نتحدث عنهم). فإذا كانت السلطة العليا عازفة عن سماع آرائنا، فإن من واجبنا أن نترك كل شيء ونرحل”.

وهكذا ترى طبقة النبلاء أن مصدر كل بلاء كامن في أن الملكية أصيبت بالعمى، أو فقدت الرشد. ولا تعتقد الطبقة المتميزة بأنه لم يعد من الممكن بصورة عامة إيجاد سياسة تُؤَمن توافق المجتمعين القديم والجديد وتعايشهما. أي أن طبقة النبلاء ترفض قبول فكرة موتها، وتقف خلال حشرجة النزع الأخير ضد أقدس ما في النظام القديم، أي ضد الملكية. ويمكن تفسير عنف المعارضة الأرستوقراطية ولا مبالاتها، بالامتيازات التي تمتعت بها أوساط النبلاء العُليا تاريخيًّا، وبخوف هذه الأوساط من فكرة اندلاع الثورة. كما يمكن تفسير انعدام منهجية ثورة الطبقة الأرستوقراطية في القرن السابع عشر (ثورة الفروند) وتناقضاتها بأنها كانت مقاومة طبقة وجدت كافة السبل أمامها مسدودة. وكما يرتجف لهب المصباح ويشع منه ضوء قوي -لا يخلو من دخان- قبل انطفائه، فإن طبقة النبلاء عرفت قبل انطفائها إشعاعات معارضة قدَّمت لأخطر أعدائها أفضل الخدمات. وهكذا كانت جدلية هذا التطور الذي لا يتطابق مع نظرية طبقات المجتمع فحسب، بل ويتعذر تفسيره دون هذه النظرية.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية .. القيصر وزوجته