تاريخ الثورة الروسية.. احتضار الملكية

1
841

لقد سقطت الأسرة المالكة من جراء الهزة وكأنها ثمرة فاسدة. وتم كل ذلك قبل أن يتاح للثورة الوقت اللازم لحل معضلاتها المُلحة. ولا يمكن أن تكتمل صورة الطبقة الحاكمة القديمة إلا إذا تحدثنا عن وضع الملكية في فترة سيرها نحو ساعة سقوطها.

كان القيصر في آخر أيام حكمه قابعًا في مقر القيادة العليا، في موهيليف. ولم يكن ذهابه إلى هذا المكان ناجمًا عن الحاجة الملحة لوجوده، بل للهروب من المشاكل التي تسببها له بتروغراد. وتقول مذكرات مؤرخ البلاط الجنرال دوبينسكي الذي رافق القيصر إلى مقر القيادة العليا ما يلي: “الحياة هنا هادئة. وستسير كافة الأمور كما كانت من قبل. ولا ينتظر منه (من القيصر) هنا القيام بأي شيء، إلا إذا وقعت ظروف استثنائية قاهرة، وسبَّب عن طريق الصدفة بعض التعديل…”. وفي 24 إبريل (شباط) كتبت الإمبراطورة (بالإنكليزية على عادتها) إلى نيقولا الثاني المقيم في مقر القيادة العليا: “آمل أن يشنق نائب الدوما كدرنسكي (وهي تقصد كرنسكي) لمعاقبته على الخطب الشنيعة التي يلقيها، إن هذا ضروري (قانون الطوارئ)، وسيكون عبرة لمن يعتبر. ويرغب الجميع في رؤيتك أكثر شدة، وهم يرجونك أن تكون كذلك”. وفي 25 فبراير (شباط) تلقى مقر القيادة العليا برقية صادرة عن وزارة الحربية تعلن اندلاع الإضرابات في العاصمة، وابتداء الإضرابات في الأوساط العمالية، كما تعلن عن اتخاذ تدابير مشددة، وعدم وقوع حوادث خطيرة. وهذا يعني أن ما حصل بسيط مشابه لما شهدته البلاد من قبل وما ستشهده فيما بعد.

وحاولت الإمبراطورة تقوية عزيمة زوجها الذي اعتادت مناشدته بعدم الخضوع والانصياع، فأرسلت في 26 فبراير (شباط) برقية تستهدف منها استثارة شجاعته المهزوزة وتقول فيها: “كل شيء هادئ في المدينة”. ولكنها لم تلبث أن أرسلت في المساء برقية اعترفت فيها بأن “الأمور لا تسير في المدينة كما ينبغي”. ثم كتبت رسالة تؤكد بها ما يلي: “ينبغي أن نعلن للعمال بكل وضوح بأن الإضراب ممنوع. وأن مخالفة هذا الأمر تعني إرسالهم إلى الجبهة لمعاقبتهم. إن إطلاق النار لا يجدي فتيلاً، والمهم تأمين استتباب النظام، ومنع العمال من اجتياز الجسور”. نعم لقد كان الأمر بحاجة لشيء من النظام فحسب! وعدم السماح للعمال بالوصول إلى مركز المدينة، وتركهم يموتون خنقًا وسط عجزهم الغاضب في الضواحي.

وفي صبيحة 27 استُدعِي الجنرال إيفانوف من الجبهة إلى العاصمة على رأس كتيبة من فرسان القديس جورج، وزُود بسلطات مطلقة ديكتاتورية على أن لا يستخدمها إلا بعد الوصول إلى تساركويه – سيلا. ولقد كتب الجنرال دينيكين -الذي حاول فيما بعد تطبيق أساليب الديكتاتور العسكري- ما يلي: “يصعب أن نتخيل شخصًا أقل ملاءمة للوضع من هذا الجنرال. إنه عجوز متهالك، لا يعي حقيقة الوضع السياسي، ولم يعد يمتلك القوة أو الفاعلية أو الإرادة أو العزم”. ووقع الاختيار على إيفانوف بناء على الصورة التي تركها عمله في الأذهان خلال الثورة الأولى؛ إذ أنه سحق قبل إحدى عشرة سنة انتفاضة كرونشتادت. ولكن هذه السنوات لم تمض دون أن تترك آثارها؛ فلقد أنهكت الأيام المعاقبين، وغدا من تعرضوا للعقاب رجالاً أكثر نضجًا. وتلقت الجبهتان الشمالية والغربية أمرًا بإعداد القطعات اللازمة لإرسالها إلى بتروغراد. واعتقدت السلطات دون ريب أن أمامها وقتًا كافيًا للعمل. واعتقد إيفانوف بأنه سيُنهي كل شيء بنجاح، ولم ينس أن يكلف أحد مرافقيه بأن يشتري له من موهيليف بعض المؤن والهدايا ليقدمها لمعارفه في بتروغراد.

وفي صبيحة 27 فبراير (شباط) بعث رودزيانكو إلى القيصر برقية ختمها بما يلي: “لقد أزفت الساعة الأخيرة، ومصير الوطن والأسرة المالكة رهن بها”. وقال القيصر لوزير البلاط الكونت فريدريكس: “ها هو رودزيانكو البدين يكتب لي مرة ثانية هذا النوع من الهراء الذي لن أعمد إلى الرد عليه أبدًا”. ولكنه لم يكن هراءً! ووجد القيصر نفسه بعد قليل مجبرًا على الرد.

وفي ظهيرة يوم 27 نفسه، تلقى مقر القيادة العليا تقريرًا من الجنرال خابالوف عن عصيان فوج بافلوفسكي، وفوج بريوبر اجينسكي، والفوجين الفولهيني والليتواني. وعن ضرورة إرسال قطعات عسكرية موثوقة من الجبهة. وبعد ساعة واحدة جاءت من وزير الدفاع برقية مطمئنة تمامًا تقول: “تم سحق الاضطرابات التي بدأت هذا الصباح في بعض عناصر الحامية، ونفذت عملية السحق بفضل وفعالية سرايا وكتائب مخلصة لواجبها… وإنني على ثقة تامة من عودة الهدوء بسرعة…”. ولم تأت الساعة السابعة مساء حتى كتب هذا الوزير (بيلائيف) نفسه تقريرًا يقول فيه: “لم تتمكن الوحدات القليلة الباقية على إخلاصها لواجبها من الإجهاز على العصيان”، ويطالب الإسراع بإرسال قطعات مضمونة فعلاً، على أن تكون كافية “للعمل في مختلف قطاعات المدينة بآنٍ واحد”.

واعتقد الوزراء في هذا اليوم أن الوقت ملائم لتطهير وسطهم من وزير الداخلية بروتوبوبوف، بعد أن اعتبروه المسئول الأول عن تدهور الوضع كله. ونشر الجنرال خابالوف في الوقت نفسه وثيقة يُعلن فيها الأحكام العرفية في بتروغراد، دون إذن من الحكومة، معتمدًا بذلك على أوامر جلالته. بهذا الشكل كانوا يحاولون جمع الساخن مع البارد، ويعملون بدون تفكير أو إعداد أو أي أمل بالنجاح. ولم تتمكن السلطات من تعليق الأمر الخاص بإعلان الأحكام العرفية على جدران المدينة؛ إذ لم يجد بالكا محافظ العاصمة الصمغ والفراشي اللازمة لذلك. والحقيقة أنه لم يعد لدى هذه السلطات أي شيء متماسك، فقد غدت جزءًا من مملكة الظلال.

وكان أكبر هذه الظلال في آخر وزارة من وزارات القيصر رجل في العقد السابع من عمره هو الأمير غوليتزين، الذي قام من قبل ببعض الأعمال لمساعدة الإمبراطورة، بشكل جعلها تعينه رئيسًا للحكومة في فترة الحرب والثورة. وعندما كان الأصدقاء يسألون هذا “النبيل الروسي الدمث”، وهذا “العجوز المتهالك”، (حسب تعبير البارون الليبرالي نولد)، لم قَبِل مثل هذا المنصب مع كل ما يحمله من متاعب، كان غولتزين يجيب: “لكي أجمع ذكريات طيبة إضافية”، ولكنه لم يحقق حتى هذه النتيجة. ولوصف الحالة المعنوية لآخر حكومة قيصرية في هذه الساعات لا يسعنا سوى الاستشهاد بأقوال رودزيانكو: “وما أن جاءت أول أخبار حركة الجماهير نحو قصر ماري؛ حيث يجتمع مجلس الوزراء، حتى أطفئت كافة أنوار المبنى. وأصبح هَم الوزراء الوحيد أن لا تلحظ الثورة وجودهم. بَيْد أن الخبر لم يكن صحيحًا، ولم يهاجم أحد القصر. وعندما أضيئت الأنوار من جديد وجد أحد الوزراء نفسه مختبئًا تحت طاولة كبيرة، ولسنا نعرف ما هي الذكريات التي كان يجمعها في هذا المكان”.

ولكن الحالة المعنوية لرودزيانكو لم تكن على مستوى الأحداث. فلقد حاول رئيس مجلس الدوما أكثر من مرة الاتصال هاتفيًّا مع الأمير غوليتزين ولكن الأمير أجابه: “أرجو أن لا تتصل بي بعد الآن، فلقد قدمت استقالتي”، ويقول أمين سر رودزيانكو أنه ما إن سمع رئيس مجلس الدوما هذا النبأ حتى تهالك على أحد المقاعد، وغطى وجهه بكلتا يديه… “يا إلهي! هذا رهيب! لم يعد لدينا سلطة! إنها فوضى مؤكدة!.. إنه الدم!..” وبكى بهدوء. وعندما اختفى شبح السلطة القيصرية الهرمة أحس رودزيانكو بأنه تعيس، منبوذ، يتيم. فكم كان في تلك الساعة بعيدًا عن التفكير بأنه سيقف في اليوم التالي “على رأس الثورة”.

وتفسر إجابة غوليتزين الهاتفية كما يلي: “في مساء 27 اعترف مجلس الوزراء نهائيًّا بعجزه عن السيطرة على الموقف. وطلب من القيصر أن يضع على رأس الحكومة شخصية تتمتع بثقة الجميع. ورد القيصر على غوليتزين: “إنني أعتبر أن أي تبديل في الأشخاص وسط هذه الظروف العصيبة أمر غير مقبول. نيقولا”. فما هي الظروف التي كان ينتظرها؟ لقد كان يصر على ضرورة اتخاذ “تدابير جد حازمة” لسحق الانتفاضة. ولكن الحديث في هذا الصدد أسهل من التنفيذ.

وفي 28 فقدت الإمبراطورة الصامدة بدورها شجاعتها. فبعثت إلى نيقولا برقية تقول فيها: “لقد غدت التنازلات أمرًا ضروريًّا، فالإضرابات مستمرة، كما انضم عدد كبير من القوات إلى صفوف الثورة، أليس (الكسندرا)”. وهكذا انتظرت الإمبراطورة الألمانية الأصل، المتمسكة بالحكم المطلق، حتى ثارت كافة قطعات الموقع وأفواج الحرس الإمبراطوري قبل أن تعترف بأن “التنازلات غدت أمرًا ضروريًّا”. عندها بدأ القيصر يلاحظ بأن “رودزيانكو البدين” لم ينقل له هراءً؛ فقرر الالتحاق بأسرته. ومن المحتمل أن يكون وراء إبعاده عن مقر القيادة العليا عدد من جنرالات القيادة الذين أحسوا ببعض الضيق من وجوده.

وسار القطار الإمبراطوري في بداية الأمر دون حوادث. وكان رؤساء الشرطة وحكام المقاطعات يأتون كالمعتاد لتحية القيصر في المحطات. وكان القيصر يبدو في عربة قطاره بعيدًا عن خضم الثورة، ووسط حاشيته المألوفة، وكأنه فقد الإحساس بوجود أزمة حادة واسعة النطاق. في الساعة الثالثة من بعد ظهر 28 فبراير (شباط)، كان تطور مسار الأحداث قد حدد مصير القيصر، ومع هذا بعث نيقولا من فيازما إلى الإمبراطورة البرقية التالية: “الطقس جميل جدًا، آمل أن تكوني هادئة وبصحة جيدة. لقد أرسلت قوات عديدة من الجبهة، بكل ود، المخلص نيكي (نيقولا)”. وبدلاً من أن يقدم القيصر الودود التنازلات التي ألحت الكسندرا بطلبها، نراه يرسل قوات من الجبهة. ولكن “جمال الطقس” لم يمنع القيصر من أن يقابل العاصفة الثورية بعد عدة ساعات. ووصل القطار الإمبراطوري إلى محطة فيتشيرا، ولكن عمال السكة الحديدية رفضوا السماح له بالذهاب إلى أبعد من ذلك؛ “فهناك جسر لا تسمح حالته بالعبور”. ومن المحتمل أن تكون حاشية الإمبراطور وراء اختلاق هذه الحجة بغية تخفيف خطورة الموقف أمام القيصر. وحاول نيقولا المرور، أو حاولوا إيجاد مسلك لقطاره عبر بولوغوايه الواقعة على السكة الحديدية الواصلة بين موسكو وبتروغراد. ولكن عمال السكة الحديدية رفضوا فتح هذا السبيل أمام القطار الإمبراطوري. وبدا الوضع الملموس أكثر بلاغة من كافة البرقيات القادمة من بتروغراد. لقد وجد القيصر نفسه مقطوعًا عن مقر القيادة العليا، دون أن يجد السبيل إلى عاصمته. وهكذا استطاعت الثورة هزيمة الملك بعدد من “البيادق”! الممثلة بعمال السكك الحديدية.

وتذكر مذكرات مؤرخ البلاط دوبينسكي الذي رافق القيصر في قطاره ما يلي: “يعترف الجميع بأن الانعطاف الذي أصاب الموقف في هذه الليلة في فيتشيرا يتمتع بأهمية تاريخية… وإنني أرى بوضوح بأن مسألة الدستور قد حُلت. ومن المؤكد أن الشعب سيحصل على هذا الدستور… ويقول الجميع بأن من الضروري مساومتهم، أي مساومة أعضاء الحكومة المؤقتة”. إن طريق السكة الحديدية مقطوع بإشارة ضوئية يكمن بعدها خطر الموت. والكونت فريدريكس، والأمير دولغوروكي، ودوق لوشتينبيرغ، وغيرهم من السادة المحترمين يؤيدون اليوم فكرة منح الدستور، ولا يفكرون لحظة واحدة بمتابعة الصراع. وينصب همهم فقط على ضرورة المساومة، أي على ضرورة محاولة خداع الناس، بأسلوب عام 1905.

وعندما كان القطار الإمبراطوري يتسكع باحثًا عن سبيل ملائم، بعثت الإمبراطورة لزوجها برقية تلو الأخرى، ترجوه فيها أن يعود بأسرع وقت ممكن. ولكن البرقيات كانت تعود إليها وقد كتب عليها بقلم رصاص أزرق “المرسل إليه مجهول الإقامة”، وغدا عمال البرق عاجزين عن العثور على قيصر روسيا…

وسارت الأفواج نحو قصر توريد تتقدمها الأعلام والموسيقى. وانتفض بحَّارة أسطول الحرس تحت قيادة ابن عم القيصر كيريل فلاديميروفيتش الذي أخذ فجأة -حسب شهادته الكونتيسة كلينميشيل- موقفًا ثوريًّا. وتبعثر الموظفون في كل مكان. وهجرت حاشية القصر المكان. ووصفت فيروبوفا ذلك بأنه: “كان فرارًا يحاول كل واحد به إنقاذ جلده”. وأخذت جماعات الجنود الثوريين تتجول في أبهاء القصر، وتتفحص كل شيء بكثير من حب الاطلاع، وقبل أن تقرر الأوساط العليا مصير الملكية، كانت عناصر القاعدة قد حولت قصر القياصرة إلى متحف.

واتجه القيصر، الذي فقد عنوان إقامته، إلى بسكوف محاولاً الوصول إلى مقر قيادة الجبهة الشمالية العاملة تحت رئاسة الجنرال العجوز روسكي. وقدم أفراد الحاشية الإمبراطورية اقتراحات متتالية. وتردد القيصر طويلاً. فقد كان يعتمد على الأيام والأسابيع، على حين كانت الثورة تحسب الوقت بالدقائق.

ولقد وصف الشاعر الكسندر بلوك القيصر في أشهر حكمه الأخيرة كما يلي: “إنه عنيد ولكنه بلا إرادة، وعصبي ولكنه فَقَد حدَّته من كافة الوجوه، ولا يثق بأي إنسان، انفعالي ولكنه حريص في أقواله. لقد فَقَد سيطرته على نفسه، كما فَقَد القُدرة على فهم الموقف، وغدا لا يحس بمعنى ما يقوم به، ويترك نفسه بين أيدي أولئك الذين رفعهم إلى سدة السلطة”. فإلى أي درجة تصاعدت هذه الصفات الخاصة، كنقص الإرادة، والعصبية، والحرص، والحذر في نهاية فبراير (شباط) وبداية مارس (آذار)!

وأخيرًا قرر نيقولا أن يبعث إلى رودزيانكو الذي يكرهه برقية تقول بأن خلاص البلاد يتطلب تكليف رئيس مجلس الدوما بتشكيل وزارة جديدة شريطة أن يحتفظ القيصر لنفسه بتوزيع وزارات الخارجية والحربية والبحرية. ولكن يبدو أن هذه البرقية لم تُرسل أبدًا. وهكذا كان القصر راغبًا بالمساومة مع “هؤلاء الناس”، ولكن هل تحركت “القطعات العديدة” نحو بتروغراد أم لا؟

لقد وصل الجنرال إيفانوف إلى تساركويه – سيلا دونما عناء؛ إذ لم يكن عمال السكك الحديدية قادرين على مجابهة كتيبة من فرسان القديس جورج. واعترف الجنرال فيما بعد، أنه اضطر خلال الطريق إلى استخدام “التأنيب الأبوي” إزاء جنود عاديين تحدثوا معه بجلافة وغلظة؛ إذ كان يجبرهم على الركوع استغفارًا. وما أن وصل “الديكتاتور” إلى تساركويه – سيلا حتى أعلمته السلطات المحلية بأن أي نزاع بين كتيبة فرسان القديس جورج وقطعات الجيش الأخرى سيحمل في طياته خطرًا كبيرًا على أفراد الأسرة المالكة. والحقيقة أن هذه السلطات التي خشيت على مركزها، نصحت هذا القادم “لإحلال السلام” بالتراجع قبل أن ينزل جنوده من عرباتهم.

وطرح “الديكتاتور” إيفانوف على “الديكتاتور” الآخر خابالوف عشرة أسئلة، رد عليها خابالوف بكل جلاء. وها نحن نقدم نصها الحرفي؛ نظرًا لأهميتها:

 

 

أسئلة إيفانوف أجوبة خابالوف
1) ما هي القطعات التي بقيت منضبطة، والقطعات السائرة على طريق الفوضى؟ 1) عندي تحت تصرفي في مباني الأميرالية أربع سرايا حرس، وخمس سرايا (كواكب) من خيالة القوزاق. وبطاريتي مدفعية. أما بقية القطعات فقد انضمت إلى صفوف الثورة، أو اتفقت مع الثوريين على الوقوف موقفًا محايدًا. وهناك جنود وعصابات يتجولون في المدينة ويجردون الضباط من سلاحهم.
2) ما هي المحطات الواقعة تحت سيطرة قوات الحكومة؟ 2) لقد سقطت كافة المحطات بِيد القوات الثورية التي تحرسها حراسة مشددة.
3) ما هي أحياء المدينة التي يستتب فيها النظام؟ 3) المدينة كلها في قبضة الثوار، والهواتف معطلة، وليس هناك أي اتصال مع الأحياء.
4) ما هي السلطات المسيطرة على الإدارة في هذه الأحياء؟ 4) لا أستطيع الإجابة عن هذا السؤال.
5) هل تعمل كافة الوزارات بشكل اعتيادي؟ 5) لقد أوقف الثوريون كافة الوزراء.
6) ما هي سلطات الشرطة الخاضعة لكم الآن؟ 6) ليس هناك أية سلطة.
7) ما هي المؤسسات التقنية والإدارية التابعة لوزارة الحربية؟ 7) لا يوجد.
8) ما هي كمية المئونة التي تمتلكونها؟ 8) لا أمتلك أية مئونة. ولقد كان في المدينة بتاريخ 25 فبراير (شباط) 5.600.000 بود من الدقيق الاحتياطي.
9) هل استولى العُصاة على كمية كبيرة من الأسلحة والمدفعية والذخائر؟ 9) إن كافة قطعات المدفعية بيد الثوار.
10) ما هي السلطات العسكرية وهيئات الأركان المتبقية تحت أوامركم؟ 10) يوجد تحت تصرفي رئيس أركان الفيلق، وليس لدي أي اتصال مع مراكز القيادة الأخرى.

 

وما أن اطلع الجنرال إيفانوف على الوضع بهذا الشكل العام غير الدقيق حتى “وجد” أن عليه إرجاع قواته التي لم تنزل بعد من القطار إلى الخلف، والوقوف بها عند محطة دنو. ويستنتج الجنرال لوكومسكي، أحد كبار شخصيات القيادة العامة ما يلي: “وبهذا لم ينتج عن قدوم الجنرال إيفانوف أي شيء سوى تحول مهمة هذا القائد الذي حضر مزودًا بكافة سلطات الديكتاتور إلى فضيحة”.

ومع هذا لم تنتشر أخبار الفضيحة التي غرقت وسط مد الأحداث دون أن تترك أثرًا. وأرسل الديكتاتور إلى معارفه في بتروغراد شيئًا من المؤن. وتحادث مع الإمبراطورة التي تحدثت عن إخلاصها في عملها في المستشفيات العسكرية، واشتكت من جحود الجيش والشعب.

وجاءت في هذه الفترة إلى بسكوف، عن طريق موهيليف أخبار تحمل المزيد من أنباء الكوارث. حتى أن رجال الحرس الخاص للإمبراطور، الذين بقوا في بتروغراد، والذين كان القيصر يناديهم بأسمائهم الصغرى، وتقدم لهم الأسرة المالكة كل ضروب المساعدة والتأييد، فقد تقدموا إلى مجلس دوما الإمبراطورية طالبين الإذن باعتقال ضباطهم الذين رفضوا المشاركة في الانتفاضة. وأعلم نائب الأميرال كوروش بأنه لا يرى الوسيلة التي تمكنه من اتخاذ التدابير الكفيلة بسحق انتفاضة كرونشتادت، خاصة وأنه لا يمتلك أية قوة مقاتلة. وبعث الأميرال نيبينين برقية يقول فيها بأن أسطول البلطيق اعترف باللجنة المؤقتة لدوما الإمبراطورية. واتصل مروزوفسكي قائد فيلق موسكو ليُعلم القيادة “بأن معظم القطاعات العسكرية ووحدات المدفعية انضمت إلى الثوار الذين غدوا بالتالي سادة المدينة. وأن محافظ موسكو ومساعداه تركا مكان إقامتهما”. ولا شك أن تركا تعني هنا هربا.

وعلم القيصر بكل هذا في مساء يوم 1 مارس (آذار). ودار البحث حتى ساعة متأخرة من الليل حول تشكيل وزارة مسئولة. وفي الساعة الثانية صباحًا وافق القيصر أخيرًا على هذا الأمر، وتنفس المحيطون به الصعداء، واعتقدوا بأن هذا القرار يحل المعضلة الثورية، فأصدروا إلى القطعات المستدعاة إلى بتروغراد لسحق الانتفاضة أمرًا بالعودة إلى الجبهة. وهرع روسكي منذ الفجر لينقل النبأ السعيد لرودزيانكو، ولكن عقارب ساعة القيصر تأخرت أكثر مما ينبغي، وكان رودزيانكو قد تعرض في قصر توريد لضغوط الديموقراطيين، والاشتراكيين، والجنود، ومندوبي العمال، فرد على روسكي بقوله: “إنا ما تنوون القيام به غير كافٍ. ويتعلق الأمر الآن بمصير الأسرة المالكة كلها… وتقف القطعات العسكرية في كل مكان إلى جانب الشعب ومجلس الدوما. وتطالب باستقالة الإمبراطور لصالح ولي العهد على أن يكون ميخائيل الكسندروفيتش وصيًّا على العرش”.

والحقيقة أن القطعات لم تفكر أبدًا بالمطالبة بولي العهد أو بميخائيل الكسندروفيتش، ولكن رودزيانكو طرح على لسان الجيش والشعب شعارًا يستطيع مجلس الدوما بواسطته احتواء الثورة. ومهما يكن من أمر، فإن قبول القيصر جاء متأخرًا. وصرح رودزيانكو بأن “الفوضى أخذت حجمًا دفعني في هذه الليلة إلى تعيين حكومة مؤقتة. ولكن المرسوم جاء مع الأسف متأخرًا…”، وتؤكد هذه الأقوال الفخمة على أن رئيس مجلس الدوما وجد الوقت اللازم لتجفيف الدموع التي ذرها على غوليتزين. وقرأ القيصر التقرير الذي يذكر حديث رودزيانكو وروسكي، وتردد برهة، ثم أعاد قراءة الوثيقة، وجلس ينتظر. وهنا دق قادة الجيش ناقوس الخطر، لأنهم أحسوا بأن وضعهم نفسه معرض للخطر!

وقام الجنرال ألكسييف بشبه استفتاء داخل القيادة العُليا لكافة الجبهات، ودام ذلك طوال الليل. ومن الأمور الجيدة أن الثورات الحديثة تتم مع استخدام البرقيات اللاسلكية، بشكل يؤمن بقاء ردود الفعل الأولى التي يبديها الماسكون لمقاليد السلطة مسجلة على الشريط الورقي كشاهد أمام التاريخ. وتشكل المباحثات التي أجراها الفيلد مارشالات مع القيصر خلال ليلة
1 – 2 مارس (آذار) وثيقة إنسانية تتمتع بأهمية لا تُجَارَى، فهل كان على القيصر أن يستقيل أم لا؟ ولم يعط الجنرال إيفرت قائد الجبهة الغربية رأيه إلا بعد أن عرف رأي الجنرالين روسكي وبروسيلوف. وطالب قائد الجبهة الرومانية الجنرال ساخاروف أن يطلع على مجمل آراء القادة الكبار الآخرين قبل أن يدلي برأيه. وبعد سلسلة من المظاهر المصطنعة أعلن هذا المحارب الممتاز أن ارتباطه الوثيق بالقيصر لا يسمح لروحه وضميره بقبول “الاقتراح الدنيء”. ومع هذا فقد طلب من القيصر وهو “ينتحب” بأن يستقيل بغية “التخلص من طلبات أسوأ”. وشرح الجنرال إيفرت بشكل مقنع ضرورة الاستسلام: “وقد اتخذت كافة التدابير كيلا تتسرب المعلومات الخاصة بالوضع الحالي في العاصمتين إلى داخل الجيش؛ بغية منع وقوع الاضطرابات. وليس هناك أية وسيلة لإيقاف مسيرة الثورة في العاصمتين”. وأرسل عم الملك نيقولا نيقولا ييفيتش من الجبهة القفقاسية برقية يرجو القيصر فيها اتخاذ “تدبير استثنائي” والاستقالة. وأرسل الجنرالان الكسييف وبروسيلوف، والأمير نيبينين برقيات مماثلة تحمل الرجاء نفسه. وقدم روسكي الطلبات ذاتها بشكل شفهي. وهكذا سدد سبعة من كبار القادة مسدساتهم إلى صدغ الإمبراطور المعبود. ويرجع السبب في ذلك إلى أن هؤلاء القادة الكبار الذين اعتادوا تسليم مواقعهم للعدو، خافوا من ضياع فرصة التفاهم مع النظام الجديد، وأحسوا بخوف أكبر من قطعاتهم نفسها، فأعطوا قيصرهم -القائد الأعلى- نصيحة واحدة مشتركة هي: الاختفاء من المشهد نهائيًّا. ولم تكن هذه النصيحة قادمة من بتروغراد النائية، التي ظن البعض أن إرسال القوات ضدها ممكن، ولكنها كانت قادمة من الجبهة التي كان من المفروض سحب بعض قواتها وإرسالها إلى بتروغراد لإخضاعها.

وبعد أن اطلع القيصر على تقرير واضح مقنع، قرر التخلي عن عرش لم يَعد مُلكه. وأعدت برقية بهذا الصدد بغية إرسالها إلى رودزيانكو: “وليس هناك تضحية أتردد عن تقديمها في سبيل مصلحة أمن روسيا وسلامتها؛ لذا فإنني أرى ضرورة استقالتي لصالح ابني شريطة أن يبقى إلى جانبي حتى يبلغ سن الرشد، وأن يكون أخي ميخائيل الكسندروفيتش وصيًّا على العرش. نيقولا”. ولكن هذه البرقية لم ترسل “نظرًا لورود أنباء من العاصمة تتحدث عن قدوم النائبين غوتشكوف وشولغين إلى بسكوف. وكان هذا سببًا كافيًّا لتأجيل القرار. وطلب القيصر أن تعاد له البرقية؛ إذ خشي القيام بصفقة خاسرة، وكان ينتظر أنباء مطمئنة، أو لعله كان يعتمد بالأحرى على وقوع معجزة. وما أن وصل النائبان حتى استقبلهما نيقولا في منتصف ليلة 2 – 3 مارس (آذار). ولم تقع المعجزة، ولم يعد هناك أي مجال للتملُّص. وأعلن القيصر فجأة بأنه لا يستطيع مفارقة ابنه (فما هي الآمال الغامضة التي كانت تعتمل في رأسه؟)، ووقَّع وثيقة التنازل عن العرش لأخيه. ووقَّع في الوقت نفسه مراسيم عين بها الأمير لفوف رئيسًا لمجلس الوزراء، ونيقولا نيقولا ييفيتش قائدًا أعلى. ووجدت شكوك الإمبراطورة بالأسرة المالكة ما يؤكدها؛ إذ عاد “نيقولاشا” المكروه إلى السلطة مع المتآمرين. ومن المحتمل أن يكون غوتشكوف قد اعتقد بأن الثورة ستكتفي بالحصول على قائد حربي محترم. واعتبر نيقولا نيقولا ييفيتش هذا المنصب عملة مضمونة، حتى أنه حاول خلال عدة أيام إصدار الأوامر، وإعلان النداءات لتنفيذ الواجب الوطني. فلم تلبث الثورة أن طردته دون عناء.

ولكن يظهر تصرف القيصر ذاتيًّا بعيدًا عن كل ضغط، ذُكر في وثيقة التنازل عن العرش أنها وُقِّعت في الساعة الثالثة من بعد الظهر، على اعتبار أن القيصر اتخذ القرار مسبقًا في تلك الساعة. والحقيقة أن “الحل” المقرر خلال اليوم، والذي يؤمن التنازل عن العرش لصالح الابن لا الأخ كان قد سُحب بانتظار تطور الأحداث باتجاه أفضل. ومع هذا لم يكشف أي شخص هذا الخطأ بصراحة. وحاول القيصر للمرة الأخيرة إنقاذ ماء وجهه أمام النواب المنفرين الذين كانوا ينظرون بإعجاب إلى هذا التزوير التاريخي، أي إلى هذا التدجيل على الشعب. وتركت الملكية المسرح محتفظة بأسلوبها الخاص. وبقي ورثتها أيضًا مخلصين لأنفسهم. ولعلهم اعتبروا خطأهم نوعًا من تسامح المنتصر أمام المهزوم.

وفي 2 مارس (آذار) تخلى نيقولا عن أسلوبه المألوف في كتابة مذكراته الشخصية، وكتب ما يلي: “جاءني روسكي في هذا الصباح وقرأ لي نص محادثة طويلة أجراها مع رودزيانكو. ويدل حديثه على أن الوضع في بتروغراد يجعل أية وزارة مشكلة من أعضاء مجلس دوما الإمبراطورية عاجزة عن القيام بأي عمل، نظرًا لأنها ستلقى معارضة الحزب الاشتراكي – الديموقراطي الممثل بلجنة عمالية. إن تنازلي عن العرش ضروري. ونقل روسكي مجمل هذه المحادثة إلى الكسييف في مقر القيادة العليا، كما نقله إلى كافة قادة الجيش. ولقد قررت القيام بهذه الخطوة في سبيل خلاص روسيا وتماسك الجيش على الجبهة. وأعلنت عن قبولي، وأرسلت مشروع مرسوم إلى مقر القيادة العليا. وفي المساء حضر غوتشكوف وشولغين من بتروغراد وتباحثت معهما طويلاً، وقدمت لهما وثيقة التنازل المُعدًّلة بعد توقيعها. وفي الساعة الواحدة صباحًا تركت بسكوف وقلبي مفعم بالأسى. إن كل ما حولي خيانة، وجبن، وخديعة”.

والحقيقة أنه كان للمرارة التي عبر عنها نيقولا الثاني ما يبررها؛ فمنذ فترة قريبة، أي في 28 فبراير (شباط)، بعث الجنرال الكسييف إلى كافة قادة الجبهات برقية تقول: “إن واجبنا المقدس حيال القيصر والوطن يجبرنا على أن نؤمن في قطعات الجبهة الإخلاص للواجب والقسم الذي قطَعه كل واحد منا على نفسه”. وها هو الكسييف يطلب من القادة أنفسهم بعد يومين أن يتخلوا عن “واجبهم” ويتجاهلوا “قسمهم”. ولم يتحرك أي شخص في القيادة العليا لصالح إمبراطورة. وأسرع الجميع لأخذ أماكنهم على مركب الثورة، والبحث عن غرف إقامة مريحة داخل هذا المركب. وخلع الجنرالات وأمراء البحر الشارات القيصرية، وتزينوا بالشرائط الحمراء. ولقد شوهدت حالة وحيدة تنم عن بعض الصدق والإخلاص؛ فلقد سقط أحد قادة الفيالق ميتًا بالسكتة القلبية خلال أداء القسم الجديد. ولكننا لا نملك ما يثبت أن الأزمة القلبية أصابته من جراء الإهانة التي أصابت شعوره الملكي، لا من جراء شيء آخر. ولم يكن وضع الوجهاء وكبار الشخصيات من المدنيين ليجبرهم على التصرف بشجاعة تفوق شجاعة العسكريين. وتملص كل فرد من المسئولية على طريقته.

والحقيقة أن ساعة الملكية لم تكن تسير وفق ساعة الثورة. ففي فجر 3 مارس (آذار) تلقى روسكي من العاصمة مكالمة بالخط المباشر “التيليتيب” طالب رودزيانكو والأمير لفوف بها سحب وثيقة التنازل التي جاءت متأخرة. وقال سيدا السلطة الجديدان بشكل ملتوٍ بأن وصول أليكس إلى العرش قد يكون مقبولاً -من قبل من؟- ولكن تنصيب ميخائيل أمر غير مقبول البتة. وعبَّر روسكي بشيء من الحِدة عن أسفه بأن يجهل نائبًا الدوما اللذان حضرا في اليوم السابق الهدف الحقيقي من رحلتهما. ولكن تصرف النائبين وجد ما يبرره عندما شرح رودزيانكو لروسكي الموقف بقوله: “لقد فوجئ الجميع عندما قام الجنود بعصيان لم أشهد مثله من قبل”. وكأن رودزيانكو أمضى حياته كلها في مراقبة عمليات العصيان التي يقوم بها الجنود. “إن تنصيب ميخائيل إمبراطورًا، يعني صب الزيت على النار. وعندها ستبدأ إبادة كل ما يمكن إبادته” وهكذا عاد الجميع إلى القلق والمتاعب والشكوك!

وتلقى الجنرالات هذا “التحدي الوقح” من الثورة دون أن يردوا عليه بكلمة واحدة. إلا أن الكسييف حاول تخفيف بعض العبء عن ضميره فبعث إلى قادة الجيش البرقية التالية: “يتعرض رئيس مجلس الدوما لضغط قوي من أحزاب اليسار والنواب العماليين. وليس في برقيات رودزيانكو أية صراحة أو إخلاص”. والحقيقة أن الإخلاص كان مفقودًا في هذه الساعات لدى الجنرالات أنفسهم.

وبدل القيصر رأيه مرة ثانية. فما أن انتقل من بسكوف إلى موهيليف حتى سلم رئيس هيئة أركانه السابق الكسييف ورقة طلب منه إرسالها إلى بتروغراد. وتضم الورقة قراره على التخلي عن العرش لابنه. ولا شك في أن هذا الحل بدا له في نهاية المطاف وكأنه يحمل قسطًا أكبر من الأمل. ويقول دينيكين أن الكسييف أخذ البرقية… ولكنه لم يبعثها إلى بتروغراد أبدًا؛ لأنه وجد أن المرسومين السابقين الموجهين إلى الجيش والبلاد كافيان، ولا حاجة لإضافة مرسوم ثالث. ولم يأت عدم تماسك القرارات من أن القيصر ومستشاريه فحسب فكروا بشكل أبطأ من الثورة، بل من أن النواب الليبراليين في مجلس الدوما فكروا ببطء مماثل أيضًا.

وفي 8 مارس (آذار) اعتبر القيصر موقوفًا. ولكنه لم يشأ ترك موهيليف بصورة نهائية قبل أن يبعث إلى جميع الجيوش نداء ختمه بما يلي: “إن كل من يفكر في هذه اللحظة بالسلم، وكل من يرغب به عبارة عن جبان، خائن للوطن”. وكان في القول محاولة أوحى بها أحدهم للرد على الليبراليين الذين يتهمونه بممالأة الألمان. وفشلت هذه المحاولة؛ إذ لم يجرؤ أحد على نشر هذا النداء.

وهكذا انتهى هذا الحكم الذي كان منذ بدايته حتى نهايته سلسلة من الأخطاء، والمآسي، والكوارث، والأعمال الإجرامية، بدءًا من الكارثة على أرض خودينكا في يوم التتويج، ومرورًا بإطلاق النار على المضربين والفلاحين الثائرين، والحرب الروسية – اليابانية، وسحق ثورة 1905 بكل قسوة وعنف، والعدد العديد من عمليات الإعدام، والحملات التأديبية، وعمليات التعسف القومي وانتهاءً باشتراك روسيا الجنوني الدنيء في الحرب العالمية الجنونية الدنيئة.

وتقول فيروبوفا بأنه ما أن وصل القيصر إلى تساركويه – سيلا وفرضت عليه وعلى عائلته الإقامة الإجبارية في القصر، حتى تمتم بصوت منخفض: “لم يعد الناس يعرفون معنى العدالة”، وهكذا فإن كلماته نفسها تشهد بشكل لا يقبل الجدل على وجود عدالة تاريخية، قد تقع في بعض الأحيان بصورة متأخرة، دون أن يُفقدها ذلك شيئًا من حقيقتها.

ويبدو تشابه آخرِ عاهلين من أسرة رومانوف مع آخر ملكين فرنسيين في فترة الثورة الفرنسية الكبرى، تشابهًا واضحًا لا يُنكر. ولقد تطرق بعض الكتاب والمؤلفين لهذا التشابه من قبل، بَيْد أنهم عالجوه بإيجاز ولم يخرجوا منه باستنتاجات. ولكننا نرى أن مثل هذه المقارنة مفيدة أكثر مما يبدو لأول وهلة، وأنها تقدم مادة ثمينة تساعد على الوصول إلى استنتاجات هامة.

وبالرغم من وجود فترة زمنية تعادل قرنين ونصف بين قيصر روسيا وملك فرنسا، فكثيرًا ما بدا هذان العاهلان وكأنهما ممثلان يقومان بالدور نفسه. وكان كلاهما يتسمان بخيانة سلبية عدوانية وحذرة بآن واحد. مع اختلاف واحد هو أن رياء لويس السادس عشر كان يختفي وراء سذاجة مشبوهة، على حين كان رياء نيقولا الثاني بشوشًا مفعمًا بالود. وكان كل واحد منهما يعطي لمن يراه انطباعًا بأنه رجل يرزح تحت أعباء مهمته، ولكنه يرفض التخلي عن أتفه حقوقه وسلطاته التي لا يعرف كيف يحسن استخدامها. وتكشف مذكراتهما الخاصة المتشابهة بأسلوبها، أو بالأحرى بانعدام أسلوبها، مدى فراغهما الفكري المشترك.

وكانت النمساوية (ماري انطوانيت) والإمبراطورة المنحدرة من بلاد الهيس (الكسندرا) متشابهتين أيضًا؛ إذ كانت كل واحدة منهما أطول من زوجها قامة وأشد منه بأسًا. وكانت ماري أنطوانيت أقل تدينًا من الكسندرا فيدوروفنا، وتمتاز عنها بالميل إلى التسلية واللهو. ولكنهما كانتا تحتقران الشعب، ولا تقبلان فكرة تقديم التنازلات ولا تؤمنان برجولة زوجيهما، وتنظران إليهما من عل. وكانت نظرة ماري انطوانيت الاستعلائية تمتزج بالاحتقار، على حين تمتزج نظرة الكسندرا بالشفقة.

ولقد أكد بعض كتاب المذكرات الذين كانوا على علاقة وثيقة مع بلاط بطرسبورغ، بأنه لو كان نيقولا الثاني شخصًا عاديًّا لترك ذكريات طيبة. وكان كلامهم هذا تكرارًا للأحكام الطيبة التي أطلقها المؤرخون على لويس السادس عشر. ولم يقدم لنا مثل هذا الكلام أية ثروة على الصعيد التاريخي، أو على صعيد معرفة الطبيعة البشرية.

ونحن نعرف أن الأمير لفوف استغرب خلال أخطر أحداث الثورة الأولى وأشدها مأوساية لأنه لم يقابل قيصرًا غارقًا في الحزن، بل قابل “فتى مرحًا، خفيف الحركة، في قميص قرمزي” وهكذا كرر لفوف من حيث لا يدري تقريرًا كتبه الحاكم موريس عن لويس السادس عشر وبعثه إلى واشنطن في عام 1790، وقال فيه: “ماذا يمكن أن ننتظر من رجل، يأكل في وضعه الحالي جيدًا، ويشرب جيدًا، وينام جيدًا، ويعرف كيف يضحك. ماذا يمكن أن ننتظر من هذا الإنسان الطيب الذي يبدو أمرح من أي شخص آخر؟”.

وقبل سقوط الملكية بثلاثة أشهر تنبأت الكسندرا فيدوروفنا “يسير كل شيء نحو الأفضل، إن أحلام صديقنا ذات دلالات كبيرة” وكان عملها هذا مشابهًا لتصرف ماري انطوانيت التي كتبت قبل سقوط الملكية بشهر واحد: “إني أحس بالحماس والاندفاع، وأشعر وكأن شيئًا يقول لي بأننا سنغدو سعداء عما قريب، وسنبتعد عن كل خطر”. وهكذا غرقت العاهلتان وهما تحملان أحلامًا وردية.

وهناك عدد من أوجه الشبه الناجمة عن الصدفة، والتي تأخذ في التاريخ مكانة القصة النادرة. والأهم منها هي: أوجه الشبه الناجمة عن الظروف القاهرة، والتي تلقي ضوءًا ساطعًا على العلاقات المتبادلة بين الرد والعوامل التاريخية الموضوعية.

ويتحدث أحد المؤرخين الفرنسيين الرجعيين عن لويس السادس عشر فيقول: “إنه لا يعرف كيف يريد، وهذه هي الصفة الأساسية لشخصيته”. ويبدو هذا القول وكأنه يصف نيقولا الثاني. فلقد كان العاهلان عاجزين عن الإرادة. ولكنهما كانا قادرين على عدم الإرادة. ولكن ماذا كان بِوُسع آخر ممثلي قضية تاريخية خاسرة أن “يريدوا”؟

وكان يستمع عادة، ويبتسم، ولا يقرر إلا نادرًا، ويبتدئ القول غالبًا بكلمة: “كلا” فعمن يتحدث هذا القول؟ إنه يتحدث عن الملك المنحدر من سلالة كأبيه (لويس السادس عشر) ولكن أسلوب تصرف نيقولا في مثل هذه الحالة كان مشابهًا دائمًا. لقد سار كلاهما إلى الهاوية “والتاج غائص يغطي العينين”. ولكن هل يمكن للمرء أن يسير بسهولة أكبر نحو وهدة محتومة إذا كانت عيناه مفتوحتين؟ وماذا كان بوسعهما أن يبدلا، حتى ولو دفعنا التاج حتى القذال؟

ويمكننا أن نطالب علماء النفس الأخصائيين أن يقدموا لنا صورة كاملة عن تناظر تقييم نيقولا مع لويس، والكسندرا مع ماري انطوانيت، وأتباعهم المقربين إليهم. ولا تنقص المواد اللازمة لإجراء مثل هذه المقارنات. ولا شك في أن النتيجة ستكون شهادة تاريخية تحمل كثيرًا من العبر والفوائد لصالح علم النفس المادي. إن وقوع إثارات من النوع نفسه (ولا نقصد هنا إثارات مماثلة تمامًا) في ظروف مشابهة، تؤدي إلى ردود الفعل نفسها. وكلما زادت قوة عامل الإثارة، كلما تم تفوقه على الصفات الفردية بسرعة أكبر. ويتأثر الناس بالدغدغة بشكل متباين، ولكن تأثرهم بالحديد المحمي واحد. وتسحق ضربات الأحداث الكبيرة المحتومة المقاومين وتفقدهم كل ما يميزهم من خصائص “فردية”، تمامًا كما تسحق المطرقة الآلية أية كتلة معدنية وتحولها إلى صفيحة، سواء كانت الكتلة كرة أم مكعبًا.

لقد كان لويس ونيقولا آخر ملوك أسرتين حاكمتين عاشتا حياة عاصفة. ويدل اتصافهما بالاتزان، والهدوء، والمرح خلال اللحظات العصبية، على فقر قواهما الداخلية وضعف ردود فعلهما العصبية، وبؤس إمكاناتهم الفكرية. ولقد كان كلاهما خصيًا معنويًّا، كما كانا محرومين من كل خيال وقدرة على الإبداع. ولم يكن لديهما من الذكاء إلا ما يكفي للإحساس بتفاهتهما، وكانا يحسان بحسد لا يوصف نحو كل ما هو موهوب أو محترم. وجاء حكمهما في فترة الأزمات الداخلية الحادة، وخلال حقبة استيقاظ روح الثورة بين صفوف الشعب. ودافع كل واحد منهما عن نفسه ضد اجتياح الأفكار الحديثة، وتصاعد القوى المعادية. وكان النفاق، والتردد، والرياء عندهما تعبيرًا عن ضعف شخصي، وعجز كامل عن البقاء في المواقع الموروثة.

ولكن كيف جرت الأمور بالنسبة للزوجتين؟ لقد ارتفعت الكسندرا أكثر من ماري انطوانيت إلى ذروة أحلام أية أميرة، عندما تزوجت هذه الفتاة العادية المنحدرة من دوقية الهيس القيصر المطلق لبلد قوي. ووعت كل واحدة منهما مهمتها العُليا إلى أبعد حد. ونظرت ماري انطوانيت إلى الأمر بشكل أكثر طيشًا، على حين نظرت إليه الكسندرا بعقلية متدينة بروتستانية، تحولت إلى سلافية أرثوذوكسية. ودمرت مآسي الحكم وازدياد نقمة الشعب عالم التخيلات الذي بنته أدمغة مغرورة، لم تكن في نهاية المطاف أكثر من أدمغة حمقاء متبجحة. ونجم عن كل هذا كره متصاعد، وحقد جارف نحو شعب أجنبي لم يشأ الخضوع أمامهما. وكراهية تامة لوزراء يقيمون بعض الاعتبار لمعسكر العدو، أي للبلاد والشعب. وأدت هذه الأمور كلها إلى انعزال هاتين المرأتين وسط بلاطهما، ونقمتهما الدائمة على الزوج الذي لم يحقق كثيرًا من الآمال التي أيقظتها فترة الخطوبة.

ويبحث المؤرخون وكتاب السيرة الميالون إلى التحليل النفسي عن العنصر الصُدفي الفردي البحت، ويكتشفونه، في النقاط التي تنعكس بها القوى التاريخية الكبرى عبر الصفات الفردية. ولكن هذا وهم في الرؤيا يشبه الخطأ الذي وقع به رجال البلاط الذين اعتبروا آخر قيصر روسي كشخص “فاشل” منذ ولادته. وكان هو نفسه يعتقد بأنه مولود في برج سيء الطالع. والحقيقة أن حظه السيئ ومتابعه الجمة جاءت من التناقض القائم بين المفاهيم القديمة التي ورثها عن أسلافه والظروف التاريخية التي عاشها. لقد كان الأقدمون يقولون: إن جوبيتر كان يعمد إلى انتزاع العقل من الإنسان إذا ما شاء إضاعته. وكانوا يوجزون بشكل خرافي ملاحظات تاريخية عميقة. وإننا لنجد في حديث غوته عن العقل الذي ينقلب إلى حماقة فكرة جوبيتر عن الجدلية التاريخية التي تحرم المؤسسات البائدة من العقل، وتحكم على المدافعين عنها بالتعرض لكافة الحظوظ السيئة. والحقيقة أن تطور المأساة التاريخية حدد بشكل مسبق نصوص أدوار أفراد أسرتي رومانوف وكاييه. ولم يبق على الممثلين إلا أن يدخلوا بعض التعديلات على فهم الدور وإلقائه. ولم تأت معضلات نيقولا ولويس ومآسيهما من سوء طالعهما بل من سوء طالع ملكية تعتمد على طغمة بيروقراطية. فلقد كان العاهلان قبل كل شيء منحدرين من الحكم الفردي المطلق. وجاءت تفاهتهما الناتجة عن وضعهما كشخصين منحدرين من عائلتين مالكتين، فأعطت هذا الوضع طابعًا مشئومًا.

وقد يعترض أحدهم فيقول: لو أن الكسندر الثالث شرب كمية أقل من الخمرة، لعاش فترة زمنية أطول، ولقابلت الثورة قيصرًا من طينة أخرى، ولاختفت كل احتمالات المقارنة مع لويس السادس عشر. ولكن هذا الاعتراض لا يبدل شيئًا مما ذكرناه من قبل. ونحن لا ننوي تجاهل أهمية العامل الفردي في ميكانيكية التطور التاريخي، أو تناسي معنى الصدفة في العامل الفردي. إن من الضروري النظر إلى الشخصية التاريخية بكل خصائصها، ولكن علينا أن لا نعتبرها مجرد مجموع الصفات النفسية، بل حقيقة حية منبثقة من الظروف الاجتماعية المحددة بدقة، والمؤثرة على هذه الظروف. وكما أن الوردة لا تتوقف عن نشر شذاها إذا ما حدد علماء الطبيعة المواد التي تمتصها من الأرض أو تكتسبها من الجو. فإن تعرية الجذور الاجتماعية لشخصية ما لا يفقد هذه الشخصية شيئًا من عبيرها أو رائحتها الكريهة.

فلو افترضنا جدلاً أن الكسندر الثالث عاش حق سن متأخرة، لظهرت المعضلة أمامنا من ناحية أخرى. ويحق لنا هنا أن نفترض بأن الكسندر الثالث ما كان ليشتبك في عام 1904 بحرب مع اليابان، ولأدى ذلك إلى تأجيل الثورة الأولى. ولكن إلى متى؟ لقد كان من المحتمل أن تصبح “ثورة 1905” أي المجابهة المسلحة الأولى، والثغرة الأولى في النظام التسلطي، مجرد بداية للثورة الثانية الجمهورية، والثورة الثالثة البروليتارية. ولا يمكننا في هذا المجال إلا أن نقوم بافتراضات تتمتع ببعض الأهمية. ولكن من المؤكد على كل حال أن الثورة لم تنجم أبدًا عن طبيعة نيقولا الثاني. وأنه ما كان لالكسندر الثالث أن يحمل كافة المعضلات بشكل أفضل. ويكفي أن نذكر هنا بأن الانتقال من النظام الإقطاعي إلى النظام البورجوازي لم يتم في أي بلد من البلاد دون هزات عنيفة. ولقد لاحظنا هذا الأمر بالأمس في الصين، وها نحن نلاحظه اليوم في الهند. وكل ما يمكننا قوله هو أن هذه السياسة الملكية أو تلك، وهذا الملك أو ذاك، قادرين على تقريب ساعة الثورة أو إبعادها. وإعطاء الثورة خاتمًا سطحيًّا شكليًّا.

ترى لم حاولت القيصرية في آخر شهورها، وآخر أسابيعها، وآخر أيامها، التصرف بعناد صاخب عاجز، طالما أنها فقدت الجولة بشكل لا يقبل الجدل! لقد كان نيقولا ضعيف الإرادة، ولكن زوجته عدلت ضعفه. وكان راسبوتين أداة شلة تناضل بكل شراسة في سبيل خَلاصها. وكانت شخصية القيصر، حتى ضمن هذا الإطار الضيق، ذائبة في المجموعة التي يتركز فيها الماضي كله، وتتمثل في داخلها آخر رعشات الأسرة المالكة. ولم تكن “سياسة” الحكام التافهين القابعين في تساركويه – سيلا، والواقفين في وجه الثورة العارمة “سوى ردود” فعل، شبيهة بردود فعل وحش محصور منهك. إن من يطارد ذئبًا في البراري بسيارة سريعة يجبره في نهاية المطاف على السقوط من التعب. ولكن حاولوا أن تضعوا الطوق حول عنقه، وسترون كيف يحاول تمزيقكم إربًا، أو يجرحكم على الأقل. وماذا بقي له أن يفعل غير ذلك في مثل هذه الظروف؟

لقد كان الليبراليون يعتقدون بأن الأمر لم ينته بعد، وأن بوسعهم أن يفعلوا شيئًا. ولكن نيقولا رفض في الوقت الملائم البحث عن اتفاق مع البرجوازية الموسرة بشكل يحتوي معه كل احتمالات الثورة (هذا هو الاتهام الذي وجهته الليبرالية لآخر قيصر من أسرة رومانوف) كما رفض بعناد تقديم أية تنازلات. وبقي على موقفه هذا حتى في الأيام الأخيرة؛ حيث أخذ يتردد ويساوم القدر رغم وجود رقبته تحت تهديد سكين لا ترحم، وفي وضع يجعل كل دقيقة شيئًا ثمينًا. فأضاع بذلك آخر احتمالات الخلاص. ويبدو كل هذا مقنعًا إلى حد بعيد، ولكن من المؤسف أن الليبرالية التي كانت تعرف هذا الدواء الناجع لإنقاذ الملكية لم تستطع إيجاد الوسائل اللازمة لإنقاذ نفسها!

إن من السخف الاعتقاد بأن القيصرية لم تقدم أية تنازلات في ظرف من الظروف. فلقد خضعت في كل مرة اضطرت بها إلى ذلك في سبيل إنقاذ نفسها؛ إذ ما أن انتهت كارثة حرب القرم حتى قام الكسندر الثاني بتحرير الفلاحين بصورة نصفية، ووافق على عدد من الإصلاحات الليبرالية في مجالات الزيمستفو، والمحاكم، والصحافة والتعليم، …إلخ. وعبَّر القيصر نفسه عن الفكرة الكامنة وراء إصلاحاته بقوله: تحرير الفلاحين من الأعلى حتى لا يتحرروا من الأسفل، وجاءت الثورة الأولى لتجبر نيقولا الثاني على تقديم نصف دستور. ولجأ ستوليبين إلى تحطيم المشاعية الزراعية بغية توسيع مجال القوى الرأسمالية. ولم تكن الملكية تنظر إلى هذه الإصلاحات إلا على اعتبار أن التنازلات الجزئية ستنقذ الأمور الأساسية، وتحافظ على قواعد مجتمع المجموعات المتميزة، وقواعد الملكية نفسها. وكانت الملكية تتراجع بسرعة عندما تتجاوز نتائج الإصلاحات هذه الحدود. ومن المعروف أن الكسندر الثاني ألغى في النصف الثاني من حكمه الإصلاحات التي قام بها في النصف الأول. ودفع الكسندر الثالث الرِدة المضادة للإصلاحات إلى مدى أبعد. وقاتل نيقولا الثاني قتالاً تراجعيًّا أمام الثورة في أكتوبر (تشرين الأول) 1905، ثم لم يلبث أن حل مجالس الدوما التي خلقها بنفسه. ولما ضعفت الثورة قام بانقلاب عسكري. فإذا نظرنا إلى الأحداث خلال ثلاثة أرباع القرن، اعتبارًا من إصلاحات الكسندر الثاني، لوجدنا أن صراع القوى التاريخية الأكبر من الصفات الشخصية للقياصرة بكثير، قد جري بصورة مكشوفة تارة وسرية تارة أخرى، حتى انتهى بقلب الملكية. ولا يمكن وضع القياصرة، وصفاتهم، وسيرتهم الذاتية إلا ضمن الإطارات التاريخية لهذا التطور.

إن أكثر الحكام الفرديين تسلطًا يشبه إلى حد ما الشخصية “الحرة” التي لا تجد خيرًا في وضع بصماتها على الأحداث بمحض إرادتها. ويكون مثل هذا الحاكم عادة العميل المتوَّج للطبقات المتميزة التي تصنع المجتمع بالصورة التي ترغبها. وتبقى الملكية قوية وواثقة بنفسها طالما أن هذه الطبقات لم تستنفذ كل مهمتها؛ ذلك لأن الملكية تمتلك في هذه الحالة أداة سلطة مضمونة، ومجالاً رحبًا لاختيار المنفذين، طالما أن الرجال القادرين لم ينحازوا إلى معسكر الخصم بعد. وفي هذه الحالة يلعب القيصر -بصورة شخصية أو عن طريق أحد المقربين له- دورًا تاريخيًا كبيرًا، وينفذ مهمة تقدمية لا تنكر. ويختلف الأمر كل الاختلاف عندما تميل شمس المجتمع القديم إلى الغروب؛ لأن الطبقات المتميزة المنظمة للحياة الوطنية تنقلب آنذاك إلى ورم طفيلي. ويؤدي حرمانها من وظائفها القيادية إلى ضياع إيمانها بمهمتها، وثقتها بقواها. وتقلب سخطها على نفسها إلى سخط على الملكية، وتنعزل الأسرة المالكة، وتنكمش حلقة المتحمسين المخلصين للملكية، وينخفض مستوى هؤلاء المخلصين، وتتزايد الأخطار في تلك الفترة، وتبدأ القوى الجديدة بالضغط، وتفقد الملكية قدرتها على البداهة الخلاقة، وتقف موقف الدفاع، وتقاتل، وتتراجع، وتأخذ أفعالها شكل “ردود فعل” آلية بحتة. ولقد عرفت تسلطية رومانوف نصف الآسيوية مثل هذا المصير.

فإذا شبهنا القيصرية خلال احتضارها بمقطع شاقولي (رأسي)، وجدنا أن القيصر يمثل محور طغمة تستند في قواعدها إلى ماضٍ تَحدَّد مصيره بشكل نهائي لا يقبل الجدل. وإذا أخذنا مقطعًا أفقيًّا لتاريخ القيصرية، وجدنا أن نيقولا الثاني يمثل آخر حلقة من حلقات الأسرة المالكة. ولقد كان آخر أسلافه ينتمون إلى نفس المجموعة التي تضم الأسرة المالكة، والطغمة، والبيروقراطية، ولكن على نطاق أوسع. وحاول هؤلاء الأسلاف تطبيق مختلف التدابير، ومختلف أساليب الحكم، لحماية النظام الاجتماعي القديم ضد الأخطار التي تهدده، ومع هذا فقد أورثوا نيقولا الثاني إمبراطورية مضطربة تحمل جنين الثورة بين أحشائها. ولو كان على نيقولا أن يختار، لما وجد أمامه سوى عدد من الطرق المؤدية كلها إلى الضياع.

وكان الليبراليون يحلمون بملكية من الطراز البريطاني. ولكن هل كانت البرلمانية على التايمز وليدة تطور سلمي، أم نتيجة فطنة العاهل الملكي وتصرفه بشكل “حر”؟ كلا، إن البرلمانية الإنكليزية لم تترسخ إلا بفضل نضال طويل دام عدة قرون، وأطاح برأس أحد الملوك على مفترق الطرق.

ويمكن نقل التشابه التاريخي والنفسي الذي تحدثنا عنه من قبل والذي يشمل القيصر نيقولا وزوجته، ولويس السادس عشر، وماري أنطوانيت، وتطبيقه على ملك بريطانيا العظمى وزوجته في فترة الثورة الأولى. إذ كان شارل الأول يمثل في الحقيقة مجموعة الصفات الأساسية التي أسبغها المؤرخون وأصحاب المذكرات على لويس السادس عشر ونيقولا الثاني، رغم بعض أخطاء هؤلاء المؤرخين وكُتَّاب السيرة، وابتعادهم أحيانًا عن جادة الصواب. ويقول مونتيغو: “وكان شارل يقف بسلبية، ويرضخ مرغمًا عندما يجد المقاومة مستحيلة، ولكنه يلجأ إلى الحيلة، ولم يعرف كيف يكتسب الشعبية أو الثقة”. ويتحدث مؤرخ آخر عن شارل ستيوارت فيقول: “ولم يكن عنيدًا أبدًا، ولكنه كان يفتقر إلى الحزم… وجاءه أكبر الأذى من زوجته الفرنسية هنرييت أخت لويس الثالث عشر، والتي كانت تؤمن بأفكار الحكم الفردي المطلق أكثر من زوجها…” ولن نتحدث بالتفصيل عن هذا الزوج الملكي الثالث -الأول من الناحية الزمنية- الذي سحقته ثورة وطنية. ولكننا نود الإشارة فقط إلى أن حقد الشعب في إنكلترا كان منصبًا على الملكة، الفرنسية البابوية والمتهمة بالتآمر مع روما، وخلق علاقات سرية مشبوهة مع الإيرلنديين الثائرين، بالإضافة إلى الاتصالات الجانبية مع البلاط الفرنسي.

ولكن إنكلترا عرفت قرونًا من الراحة. فقد كانت رائدة الحضارة البرجوازية. ولم تتعرض لضغط الأمم الأخرى، بل كانت تفرض سيطرتها الخارجية بصورة متزايدة، وتستغل العالم بأسره، وهذا ما خفف من حدة الصراعات الداخلية، وأمّن تركيز العقلية المحافظة، وشارك في مضاعفة واستقرار الشرائح المستغلة الطفيلية التي أخذت شكل الملكية، ولوردات الأرض الإقطاعيين، ومجلس الشيوخ، وكنيسة الدولة. وأدَّت الامتيازات التاريخية الاستثنائية التي حصلت عليها إنكلترا البرجوازية خلال تطورها إلى انتقال العقلية المحافظة بكل مرونة من المؤسسات إلى الأخلاق والعادات والتقاليد. وهذا هو ما يستجلب حتى اليوم إعجاب الجبناء المتخاذلين في العالم أجمع، من أمثال البروفسور ميليوكوف أو الماركسي النمساوي أوتو بوير. أما الآن، فإن بريطانيا تحس بالإزعاج في كل مكان، وتبدد آخر ما اكتسبته من امتيازات الماضي؛ لذا فإن روحها المحافظة تفقد مرونتها، بل إنها تصبح عن طريق حزب العمال رجعية مسعورة. ولم يجد “الاشتراكي” مكدونالد وسيلة يجابه بها الثورة في الهند سوى الوسيلة التي استخدمها نيقولا الثاني ضد الثورة الروسية. ولا بُدَّ أن يكون المرء مصابًا بالعمى حتى لا يرى أن بريطانيا العظمى تسير نحو اضطرابات ثورية كبيرة، تختفي خلالها بقايا عقليتها المحافظة، وقدرتها العالمية، وآلتها الحكومية الحالية. ويتعامل مكدونالد مع هذه الهزات بخبرة تشبه خبرة نيقولا الثاني، وهو لا يقل عن هذا القيصر الروسي عمى. وها نحن نمتلك هنا تجسيدًا ممتازًا للدور الذي تلعبه “شخصية” حرة في التاريخ!

كلنا نعرف بأن روسيا دولة متخلفة تقف في مؤخرة الشعوب الأوروبية، وتعتمد على قواعد اقتصادية فقيرة. فكيف استطاعت هذه الدولة خلق “عقلية محافظة مرنة” داخل الأشكال الاجتماعية -ووضعت هذه العقلية دون شك في خدمة الأساتذة الليبراليين وظلهم اليساري المتمثل بالاشتراكيين الإصلاحيين؟-  لقد بقيت روسيا متأخرة فترة طويلة من الزمن، وعندما أطبقت عليها كماشة الإمبريالية العالمية، التي اضطرتها أن تعيش تاريخها السياسي بشكل موجز إلى حد بعيد. ولو أحسن نيقولا استخدام الليبراليين، واستبدل سترومر بميليوكوف لتبدل مسار الأحداث جزئيًّا، ولبقي جوهره مع ذلك على حاله. فلقد سار لويس السادس عشر على هذا السبيل من قبل خلال المرحلة الثانية للثورة، عندما استدعى الجيرونديين. ولكن هذا لم ينقذ رأسه من المقصلة، كما لم ينقذ رأس الجيرونديين من بعده. لقد كان على الصراعات الاجتماعية المتراكمة أن تنفجر، وأن تترك بعد الانفجار مكانًا حرًا نظيفًا. ولم يكن للحلول السطحية التي طرحتها الملكية مع الليبراليين سوى قيمة افتراضية أمام مد الجماهير التي عبَّرت أخيرًا وبصورة مكشوفة عن متاعبها، ومآسيها، وتذمرها، وأهوائها، وآمالها، وأوهامها، ومطالبها. ولم تكن هذه الحلول قادرة إلا على تبديل تسلسل تطور الأحداث، أو عددها. ولكنها كانت عاجزة كل العجز عن التأثير على التطور العام للمأساة، أو على الحل الرهيب لعقدتها.

للإطلاع على المادّة السابقة من كتاب “تاريخ الثورة الروسية”، يرجى زيارة الرابط التالي:

تاريخ الثورة الروسية .. فكرة ثورة القصر